أخبار عاجلة

القوى الخفية فى المسألة الليبية

عجيبٌ أمرُ ليبيا، فى 1911م غزاها الإيطاليون، وبعد مائة عام بالتمام والكمال، وفى 2011م - بالتحديد - غزاها حلفُ الناتو بأكمله، أوروبا فى الصدارة وأمريكا من المقاعد الخلفية. قبل مائة عام كان القائد المصرى العظيم «عزيز المصرى» رئيس أركان الجيش المصرى بعد اتفاقية 1936م، هو من قاد المقاومة الليبية فى بنغازى ضد الزحف الإيطالى، مثلما يفعل- الآن- القائد الليبى خليفة حفتر، الذى يقود المقاومة ضد صنائع وعملاء ووكلاء الغرب من جماعات وتنظيمات دينية من الإخوان حتى القاعدة.

ليبيا، هى البلد البترولى الوحيد، بين بُلدان الربيع العربى، لهذا كان قرار استخدام السلاح جاهزاً ودون تردد، وفى اللحظات الأولى من غزو الناتو، تحقق الهدف الأسمى: تم بنجاح إخراج الاستثمارات الآسيوية من حقول البترول الليبى بضربة معلم، خرجت الصين وروسيا وكوريا، وبقى البترول الليبى فى عُهدة شركات النفط الغربية، التى ضغطت ووقفت وراء قرار حكوماتها بالعمل المسلح فى ليبيا، وهو ما لم يحدث فى حالة سوريا أو اليمن مثلاً، حيثُ لا يوجد بترول، تاريخُ ليبيا المعاصرة، لا يُمكن فهمه دون الوقوف على الدور الفعال الذى لعبته وتلعبه شركات البترول الغربية فى صناعة الدولة الليبية نفسها، منذ تأسست بقرار من الأمم المتحدة، عام 1951م، كمملكة دستورية اتحادية، تتكون من ثلاث ولايات برقة وطرابلس وفزان، تتمتع الولاياتُ بالحكم الذاتى، وتمارس الدولة الاتحادية اختصاصات الدفاع والمالية والسياسة الخارجية.

والعجيبُ فى تاريخ الدولة الليبية، التى بالكاد كانت قد أكملت سبعين عاماً من تاريخها عندما سقط نظامُ القذفى، أنها الدولة الوحيدة فى العالم الحديث، التى تم تحويلها من اتحاد كونفيدرالى ذى ثلاث ولايات تتمتع بالحكم الذاتى، إلى دولة مركزية. حدث هذا بعد اكتشاف النفط بكميات كبيرة عام 1957م، وبعد تصدير أول شحنة نفط ليبية عام 1963م. لم يحدث ذلك بإرادة الشعب الليبى، وإنما حدث بإرادة شركات النفط الغربية، التى ضغطت على حكوماتها، من أجل تعديل الدستور الليبى، لأن شركات البترول رأت من مصلحتها أن تتعامل مع جهة مركزية واحدة بدل التعامل مع ثلاث ولايات لكل منها سياستُها المختلفة، وبالفعل نجح الضغط، وتم تعديل الدستور، وتغيير نظام الدولة، من المملكة المتحدة، إلى المملكة الليبية.

فى النصف الثانى، من ستينيات القرن الماضى، سيطرت شركات البترول مع أجهزة المخابرات الغربية على تفاصيل اللعبة السياسية فى المملكة الليبية، نجحت فى صناعة حالة من الفوضى السياسية وعدم الاستقرار، حيثُ تعاقبت ستةُ وزارات على الحكم، بصورة مهدت الطريق لصناعة الانقلاب العسكرى، الذى قاده العقيد معمر القذافى، بدعم من هذه الشركات النفطية ومعها أجهزة المخابرات التى دعمت ورعت القذافى أربعين عاماً أو أكثر فى حُكم هذا البلد.

حتى هذه اللحظة، يبقى مستقبل الدولة الليبية رهناً بالمخططات السرية لشركات النفط، ومعها أجهزة المخابرات، ومن ورائهما الحكومات الغربية فى وضعية الانتظار والترقب، ومبدئياً، فإن الهدف الأساسى من غزو الناتو قد تحقق، خرجت الاستثمارات غير الأوروبية من الحقول الليبية، وسوف تعتمد هذه الشركات رعاية الفوضى والاقتتال الداخلى، ليتم إنهاك جميع القوى المحلية التى تظن أن فى إمكانها الاستحواذ على سلطة القرار فى الدولة الليبية، وعندما يصل مُخطط الإنهاك إلى مُنتهاه، سوف يتم إعادة ترسيم وهندسة ليبيا، على نحو يخدم مصالح الشركات، وفى الأغلب لن تكون- فقط - ثلاث دول، بل ستكون خمسةً على الأرجح.

مثلما كانت قناةُ السويس جوهر الصراع بين القوى العالمية على فى القرن التاسع عشر، فإن النفط سوف يبقى جوهر الصراع على ليبيا اليوم وغداً.