أخبار عاجلة

ماذا سيكتب ابنك في موضوع تعبير عن حرب أكتوبر؟

في ذكرى العاشر من رمضان، جالست اثنين من العسكريين الأبطال اللذين خاضا معركة العبور العظيمة في 1973، وأدرت مع كل منهما حوارا، استفسرت فيه عن بعض عمليات حرب الاستنزاف ومعركة العبور.

وكالعادة، تجدد السؤال الذي من فرط ما كررته بدا عبثيا: لماذا لا نوثق الحرب ولماذا لا نكتب تاريخنا؟

لماذا لا يجمع الجيش أفراده وقياداته ممن خاضوا حرب العبور، ويوثق شهادتهم بالصوت والصورة؟ لماذا لا نكتب روايتنا الذاتية من التاريخ؟ لماذا سنترك بعض البطولات عرضة للاندثار؟ ولماذا نتخلى عن مصادر إلهامنا بكل هذه البلادة والإهمال؟

وينكأ الجرح هذا اللغط الذي تثيره إسرائيل بروايتها عن الحرب والتي تختلف كلية عن روايتنا، والتي تخلص إلى أن الأمر كان مجرد هجوم متهور من المصريين تم إجهاضه والتعامل معه، وانتهى الأمر بثغرة الدفرسوار.. واستوعب المصريون الدرس!

أثناء مجالستي بعض أبطالنا ممن خاضوا الحرب،، ومنهم جدي رحمه الله، اختلفت بعض التفاصيل في الحكي بينهم، وبدت بعض الروايات كما لو كانت مجتزأة من روايات أكبر منها ومن تفاصيل أعرض.. وهو ما بدا لي طبيعيا في ظل تقدمهم في السن (متعهم الله بالصحة والعافية ومنّ عليهم بالعمر المديد).

فضلا عن عدم تصدير رواية مصرية شاملة الأركان ومستوفاة عما جرى، بحيث يفهم الجندي الذي حارب ونفذ عمليات بعينها في إطار سلاحه، طبيعة ما جرى في الحرب ككل.

ثم وبصورة تالية، وبمد الخطوط على استقامتها، توثيق أحداث حرب الاستنزاف والبطولات الأسطورية التي سجلها الجيش المصري في هذا الحين بعمليات تصل لحد الإعجاز العسكري والإنساني.

في بداية الأمر، تم اجتزاء النصر العظيم على مقاس بعض القادة وتم اختزاله في أسلحتهم.

ففي حين اعتبر الرئيس السادات نفسه قائدا سياسيا ثم عسكريا للنصر، اختار حسني مبارك طواعية أن يتجاوب مع نفاق إعلامه الذي اختزل الحرب كلها في الضربة الجوية.. ثم كان أن اندثرت- بطبيعة الحال- بطولات وأدوار بقية الأسلحة.

ومن المثير للدهشة، بالتبعية، هو أن حربا بهذه الحجم وبهذا القدر من التعقيد السياسي والنفسي والعاطفي بالنسبة للشعب المصري، لم تحظ بالتناول السينمائي الكافي.

فقط أنتجنا عدة أفلام، أضحت مع مرور الوقت، مادة سخيفة، تصلح للسخرية بأكثر مما تصلح للإلهام.

فكرت في الأمر مع أكثر من صديق، وبالفضفضة اكتشفنا أن كلا منا لديه رؤية مشوشة عما جرى في أكتوبر 1973.. وحين حاولنا حكي ما نعرفه بصورة مشتتة عما جرى، روى كل منا رواية يعرفها من أحد أقربائه الذين خاضوا الحرب.

وحين استمعنا لمخزون كل منا من روايات أهله الذين خاضوا معركة العبور، وجدنا عددا أسطوريا من البطولات العظمية والملهمة.

وأذكر أن الصديق إبراهيم الجارحي سجل مقطعا لوالده الذي خاض حربي 67 و73 وحرب الاستنزاف بينهما وقد شاهد بعينيه جرائم حرب ارتكبها الجنود الإسرائيليون ضد الجنود المصريين العزل في 67 الذين ارتقوا شهداء لربهم مدهوسين تحت المدرعات الصهيونية.

واستخدم هذه الشهادة، أثناء حوار أجراه في مؤسسة إذاعية عالمية، واضطرت الخارجية الإسرائيلية على أثره للرد على هذه الرواية ونكرانها ببجاحة وبعد دقائق من إذاعتها!

والشاهد هنا أن روايتنا وبطولاتنا إذا لم تكن مهمة بالنسبة لنا، فإنها مهمة لأجيال قادمة، ستجد تاريخا غير التاريخ، ورواية غير الرواية، ولن تدرك تماما ما الذي جرى مع آبائهم وأجدادهم في صحراء سيناء.

التوثيق مهم لعوامل إنسانية وحضارية، وخطير على نحو فاصل في قضية مثل قضيتنا التي تتغير فيها الحقائق والمسميات على مدار فترات زمنية قصيرة.

وهذا قبل أن تجد ابنك في يوم من الأيام يكتب موضوع تعبير عن حرب السادس من أكتوبر بموجب المعلومات التي ينشرها أفيخاي أدرعي!