أخبار عاجلة

دروس من سجن القلعة

فى أوائل الثمانينيات تم ترحيلنا من استقبال طرة إلى سجن القلعة إثر سرقة أحراز القضية.. وعلمت هناك أن سبعة من أشقائى ومعظم أشقاء أمثالى قبض عليهم للتحقيق.. وسجن اللواء شرطة مسؤول تأمين المحكمة.

وبعد التحقيقات وسين وجيم ثبت أن الشاويش الذى يحرس الأحراز هو الذى سرقها وباعها.. فتنفس الجميع الصعداء وخرج الأشقاء والضباط بعد أن بلغت قلوبهم الحناجر.. وظنوا أنهم «سيلبسون القضية لا محالة».

ورغم قسوة سجن القلعة لأنه سجن تحقيقات- تحول إلى متحف حربى منذ فترة- فقد تعلمت الكثير فيه.. فقد كنت أدعو كثيراً بالعودة إلى سجن الاستقبال وأنا ممن يحب الدعاء رغم تقصيرى فى نوافل كثيرة أخرى.

وكنت أدعو دائماً فى سذاجة غريبة «يارب أعود إلى سجن الاستقبال»، حيث تركت فيه صحبة طيبة.. وائتلفت هدوءه ومن فيه، وذلك بعد قرابة نصف عام من التعذيب والتحرك بالعصابة على العينين.

لم أدرك أننى كنت ساذجاً دينياً وجاهلاً بالقرآن حينما كررت هذا الدعاء إلا حينما وصلت مع مجموعة من الإخوة إلى سجن الاستقبال.. وهناك استقبلنا الجنود والمخبرون بحفلة رائعة من الضرب والركل على أنغام ما لذ وطاب من الشتائم والإهانات التى يندى لها الجبين.. وبعدها بساعات تم نقلنا إلى ليمان طرة.

ظللت أفكر عدة أيام وأبحث عن مكمن الخطأ.. فأنا أدعو بالخير فيصيبنى الشر.. أنا أدعو إلى العودة إلى سجن الاستقبال فأجده ناراً تلظى.

قالوا لنا قد هرب من قوة السجن فلان فعوقب السجناء جميعاً رغم هروبه من قصر العينى.

تعميم العقاب الذى يرفضه القرآن يعد سنة متبعة فى السجون.. لا قيمة لديهم بقوله تعالى «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» ولا بقوله «أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى».

قلت لنفسى هذا خطأ السجن.. فأين خطئى.. تأملت القرآن جيداً قرأت قوله تعالى «وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً» قلت هذه الآية تنطبق علىّ.. لقد دعوت بالشر ظناً منى أنه الخير.. آه لو دعوت بالعافية فى الدين والدنيا والآخرة.. آه لو تركت أمرى لاختيار الله.. من يومها وأنا أخاف أن أختار لنفسى.. لأن النفس أمارة بالسوء فى العادة.. والله أرحم بى من نفسى.. واختياره لى أعظم وأرحم وأبر وأكرم من اختيارى لنفسى.

أشفقت من بعدها أن أختار لنفسى.. أسعد حينما يختار الله لى.. أتوتر وأقلق حينما أختار لنفسى.. من بعدها عظمت ثقتى فى الله وقربى له ومناجاتى.. أدركت أنه ملاذى الوحيد فى الدنيا كلها.

فهمت حينها قولة الحكيم عمر بن عبدالعزيز حينما قال لسائله «ماذا تحب يا أمير المؤمنين».. قال: «أحب قدر الله»

آه.. وآه ممن يعجب باختياراته الحياتية ويقلق أو ييأس أو يقنط أو يغضب من اختيار الله له.

فكم من شاب ألح على الله أن يزوجه فلانة.. فهو يحبها ويعشقها ولا يطيق فراقها وهى كذا وكذا.. كما يهتف العشاق دوماً.. فإذا ما استجاب الله دعاءه فتزوجها إذا بها الجحيم المقيم واللسان الطويل والخلق اللئيم والقلب القاسى.. ولو دعا قائلاً: «رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».. لكان حاله أفضل حال.. فالله أرحم بنا من أنفسنا وأهلنا.

فمن أراد أن يدعو فليدع بعموم القرآن والسنة ففيهما كل خير.. وأنا أعلم تلاميذى هذا الأمر مستدلاً عليه بدعاء موسى عليه السلام حينما كان هارباً من فرعون.. ولم يكن له مأوى ولا طعام ولا أمان ولا سكن ولا زوجة.. ولا شىء.. فإذا به يدعو هذا الدعاء الجامع الرائع «رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».. أى فقير أن تأوينى وتؤمنى وترزقنى وتزوجنى و.. و..

ما أحلى القرآن وأعظمه وما أروع آياته حينما تتشابك خيوطها مع الحياة فتغزل معها أنوار الهداية والصلاح والخير فى غير شطط ولا غلو.. ولا تفريط ولا تقصير.