سلامة رواية سلامة | بقلم: ثروت الخرباوي

سلامة رواية سلامة | بقلم: ثروت الخرباوي سلامة رواية سلامة | بقلم: ثروت الخرباوي

في وسط الأحداث التي تمر بنا وقعت تحت يدي رواية من طراز فريد كتبها روائي فلسطيني شاب اسمه «سلامة عطا الله» أما اسم الرواية فهو «الشعار الرجيم» ولكن ما قصة هذا الشعار الذي أصبح عند الكاتب رجيما؟ هو الدين عندما يتحول من منهج للحب والتعايش والتواد الى لافتة يرفعها بعضهم للحصول على الحكم والسلطة والدنيا، لم يضع الكاتب أفكاره في روايته من خلال نظرة سطحية أو تجربة لغيره، ولكنها كانت تجربته هو، وحياته، وصراعاته حينما كان في يوم من الأيام في قلب معبد حركة حماس الارهابية التابعة لجماعة الاخوان التكفيرية.
> وفي الرواية تدرك منذ اللحظة الأولى ان الكاتب كان من الممكن ان يمسك ببندقية ويمارس بها الدين، ولكنه ذات يوم وهو بعد صغير أدرك أننا لا يمكن ان نمارس الدين بالبندقية، انما الدين هو العدل والحب والسلام، فكان ان أمسك الكاتب سلامة عطا الله بالقلم، ومن حينها والقلم سلاحه، وبذلك القلم لم يُقم الدين في نفسه فقط، ولكنه أراد ان يقيمه في أمته، لذلك قدم سلامة عطا الله مشروعه الفكري من خلال هذه الرواية، وهي رواية أدبية من طراز خاص، ليست كمثلها من الروايات، ولكنها فريدة في نوعها وتصنيفها ولغتها، كانت آيات القرآن الكريم التي تحض على التفكر والتدبر ماثلة في ذهن سلامة وهو يخط روايته، لذلك كانت الرواية «فكرا»، وكان الكاتب كما يبدو من وراء السطور منفعلا بالآية الكريمة {ن والقلم وما يسطرون} لذلك كانت الرواية «حكمة» وكانت لغته صافية ضافية رقراقة خلابة لذلك كانت الرواية «أدبا» وكانت تراكيبه اللغوية سلسة طيعة مشوقة، لذلك كانت الرواية «تشويقا» ومن وراء كل ذلك كانت الرواية سيرة ذاتية مؤثرة، تأثر الكاتب، فكان حقا على القارئ ان يقرأ وكان حريا به ان يتأثر.
> كانت رحلة سلامة هي رحلة المعرفة، اذ لم يكن كغيره من الغلمان يذهب الى ملاعبهم وألعابهم، ولكنه كان رجلا «صغيرا» كان رجلا مذ ان كان طفلا، يجلس مع الكبار ويسمع قصصهم ويناقشها في عقله، سمع من أخوين له كبيرين، وعرف أسرارهما، وأدرك ان «النداهة» قد سلبت وعيهما، الا أنه ظل محتفظا بوعيه محافظا على عقله وسلامة تفكيره، ومع حركة الاخوان في فلسطين بدأ الكاتب يحث الخطى، ولكنه كان في كل حين يتوقف ليفكر ويراجع، وحين سافر الى الجزائر وتعرف على أنماط جديدة من البشر اكتسب خبرات وخبرات، ورأى ان بعض المظاهر قد لا تنبئ عن الحقيقة وذلك من خلال الشاب الذي أصيب بالشلل الرعاش، والذي وقع في ظن بعضهم أنه يتطوح من الخمر في حين أنه كان يتطوح بفعل المرض، وكم كانت المظاهر خادعة، لذلك دخل كاتبنا الى مرحلة جديدة في المعرفة، ومنها أخذ يناقش معنا بعض أفكار الاخوان وحركتهم «حماس» وتصرفاتها، ويضعها على ميزان العقل والشرع، حقا كانت رحلته مؤلمة، أصيب بسببها بالكثير، ولكنه ظل محتفظا بسلامته النفسية والذهنية والفكرية، محافظا على توازنه الانساني، ومع ذلك فانك مع انفعالك بأحداث الرواية الا أنك حتما ستحب «صاحبنا» وستتعجب من أولئك الذين يتعسفون في فهم الدين لكي يحققوا به دنياهم، يتسترون وراء اللحية والنضال والمقاومة، حتى تصبح كل تلك الأشياء أدواتهم لا مستهدفاتهم، يكشف الكاتب برهافته الفكرية كيف ظن بعضهم ان الله سلعتهم التي بها يتاجرون، وكم آلمنا وهو يحكي لنا، ولكنه ألم المعرفة، ومع ألمه وألمك قد تجد نفسك تبكي معه في مواضع البكاء، فقد نجح في ان يصنع معادلة مشاعرية وفكرية نادرة، يتضامم فيها الأدب مع الدين والوطن والسياسة، في قالب شديد التشويق، فهنيئا للأدب العربي بكاتب سيبزغ نجمه ان أتقن صنعة الرواية.

أونا