أخبار عاجلة

وصيّة للفرعون المُنتظر

لعل الرئيس الراحل السادات كان صادقًا حين قال إنه وعبد الناصر آخر فراعنة ، فالدولة البوليسية التى استند عليها مبارك طيلة ثلاثة عقود انهارت فى لحظة، وكانت نهايته الدرامية، أما «دولة العشيرة» التى وضعت مرسى (رئيس فاترينة) انهارت أيضًا فى عام، فلم يكن مبارك ولا مرسى «فراعنة» يتمتعان بسمات حاكم مصر، بعيدًا عن تُرّهات الجهلة بتاريخ مصر، الذين يُعمّمون الشّرور على الفراعنة العِظام، استنادًا لقصة «فرعون موسى»، وهو مجرد «فرعون مجهول»، لم يتوصل علماء «الأركيولوجى» والمصريات لتحديد هويته بشكل قاطع.

وحينما التقت الملك فاروق ومحمد نجيب لحظة مغادرته للمنفى قال بمرارة: «حُكم مصر ليس سهلاً»، ولسخرية الأقدار دفع نجيب الثمن بتحديد إقامته حتى وفاته، فلم يجلس حاكمٌ طيلة تاريخ مصر على «عرش النيل» إلا وأصابته «اللعنة»، فهذا الشعب العاطفى، متقلب المزاج، يُهلّل لحاكمه اليوم ويلعنه غدًا.. هكذا كان منذ العصور الغابرة، فالملك العظيم «أمنمحات الأول»، مؤسس الدولة الوسطى، التى ازدهرت مصر فى عهده، وواجه أزمات خطيرة خلال حكمه، فتراوحت سياسته بين اللين والقوة والحيلة، وهزم الليبيين والآسيويين، واتسعت حدود مصر لتصبح أكبر إمبراطورية حينذاك.

ورغم ذلك قُتل أمنمحات الأول بمؤامرة من نساء وخدم القصر، بعد 30 عامًا، وخلال الأعوام العشرة الأخيرة من حكمه شاركه ابنه سنوسرت، وأوصاه بقوله: ليس للفرعون صديق، وأحذر بطانتك أكثر من أعدائك، ولا تبتسم لمرؤوسيك مهما قدموا، وإياك أن تطرب للمتكلمين بمعسول الحديث، وابتسم لشعبك لُتشيع البهجة، لكن احتفظ بحذرك ورصانتك.

هذه الإطلالة التاريخية هى بعض من «حكمة التاريخ»، التى ينبغى على حاكم مصر المُقبل استيعابها جيدًا، فليست حكايات للتسلية، لكنها خبرات إمبراطوريات وممالك قامت وازدهرت وانهارت، فالمصريون «شعب عجوز» يحمل على عاتقه موروث آلاف السنين، وتسكن وجدانه مظالم مريرة، سواء من الحُكّام المُستبدين، أو الغزاة وما أكثرهم فى تاريخنا.

لا أخاطب ولا أضع بمخيلتى شخصًا بعينه، بل أوصى حاكمًا فى عُهدة الغيب، وأذكّره بتحذيرات «أمنمحات الأول» لابنه، فهى على قسوتها عميقة الحكمة، خاصة تحذيره من بطانته ومرؤوسيه، فهؤلاء ليسوا أصدقاء، ولا أعداء، بل «أعدقاء»، ولعل مغزى هذا المزج اللغوى ينسحب على المعنى، فحكم مصر «محنّة» وليس «منحةً»، خاصةً فى الظروف الراهنة بكل تعقيداتها وتحدياتها.

جلالة الفرعون المُنتظر: بطانة فاروق أفسدته، وعامر قهر ناصر وخذله، وحسين سالم لطّخ تاريخ مبارك، وحوله من قائدٍ منتصر لسجين متهم بالفساد، ومكتب إرشاد «جماعة مرسى» أطاح به ليُمسى مُتّهمًا بالخيانة العظمى، فإياك والأصدقاء، حتى الذين كانوا أصدقاءك قبل العرش، ينبغى عليك نسيانهم، فلا تسمح بمجرد مقابلة، فلن ينفعوك حين تواجه الله، وشعبك الذى يستعصى على التدجين، رغم براعته فى تملّق الحُكّام، فهو يحتال لقضاء حاجته، وبعدها سيروى ما حدث ولم يحدث، لهذا يُقال إن مصر لا تحتفظ بأسرار، فالجميع يتحدثون حتى أقرب المقربين.

وفى محكم آياته يقول الله تعالى: «يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ، وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (التغابن 14)، ويُحذّرنا من فتنة الزوجة والولد، ورأينا ما فعلته زوجة مبارك وولده، وقبله لعبت النساء خلال عهد فاروق أدوارًا قبيحة، كانت كفيلةً بنهاية مملكة الأسرة العلوية.

ويستدرك ربّ العزّة بالدعوة للعفو والصُفح والمغفرة، ولا يمنح هؤلاء سوى من يمتلك زمامَ أمره، وليس ألعوبة بيد أحد حتى أقرب الناس لقلبه، فهذا قدر حاكم مصر، أن يعيش ويموت متوحدًا صارمًا، وعادلاً حتى فى القسوة.. يستشير ويبتسم ويتجهم ويقترب ويبتعد بحذر، ولا يمنح ثقته لمخلوق مهما كان قدره.

مصيرك يا «جلالة الفرعون» سيمتزج بمصير وطنك لحد التوحد، فبقدر حكمتك وصرامتك ويقظة ضميرك، وسعة صدرك وحيلتك، وطهارة يديك، ستزدهر مصر، ويعلو شأنك كما حدث للفراعين العظام، والباشا وابنه القائد إبراهيم، بينما مبارك ومرسى أمام ناظريك عبرةً، وأعانك الله.

Nabil@elaph.com