أخبار عاجلة

عقوبة «التشهير» الحل الأمثل لمواجهة المخالفين

عقوبة «التشهير» الحل الأمثل لمواجهة المخالفين عقوبة «التشهير» الحل الأمثل لمواجهة المخالفين

    تعُد عقوبة التشهير من أهم أساليب وطرق ردع المجرم أو المخالف من ارتكاب أفعاله مرةً أخرى، فعندما نرى اسم وصورة المجرم فإننا سنأخذ الحذر منه، كذلك يعلم الجاني أن فعلته ستجني له الويل وسيُفضح أمره في مجتمعه.

وفي ظل ما تعمله عقوبات التشهير من أثر إيجابي وبارز في حفظ الأمن وصون المجتمع من ارتكاب المخالفات والجرائم شهدت كل من وزارة "الداخلية" ووزارة "التجارة" ذلك الدور الهام، من خلال نشرهم عقوبات التشهير للمزورين المخالفين، وكذلك التشهير بأصحاب الشيكات بدون رصيد عبر الصحف بشكل شبه يومي, حيث اتفق الكثيرون نحو إيجابية ذلك التشهير في ردع الجناة من الوقوع مرة أخرى في مخالفتهم, وتحذير الناس منهم ومن فعلتهم، فعندما يرى الشخص أن سمعته ستُمس، وأن ذلك سيؤثر على نظرة الناس له، وأنه قد يُعيّر أبناؤه بأفعاله، وأن هذه العقوبة سيمتد أثرها سنين طوالا، حينها سيضع حدا لنفسه بعدم ارتكاب ما تسول له نفسه به من الجرائم.

مصلحة عامة

وقال د.أنور عشقي -رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية-: إن التشهير عقوبة حددها الإسلام في جرائم معينة، فالتمادي فيها يقلل من شأنها ويضعف القيم في المجتمع، مضيفاً أن التشهير ليس من شأنه عقاب المجرم بل ردع غيره، فلا بأس أن يكون في أضيق الأمور وأن لا تكون في يد القاضي بل من مسؤولية ولي الأمر الذي يدرك المصلحة العامة, مبيناً أنه إذا فشت بعض الجرائم والمخالفات فليس من المستحب التشهير بكل واحد، بل ينتقى من يكون التشهير في حقه لردع الآخرين, مؤكداً على أن التشهير بأصحاب الشركات بدون رصيد عبر الصحف بشكل شبه يومي، سواء كان من قبل وزارة التجارة أو غيرها من الوزارات، فهذا يجب أن لا يكون عاماً بل يكتفى بالعقوبة والتشهير إذا تكرر منه ذلك, مشدداً على أن كرامة المواطن لابد أن تصان والقيم لابد أن تحافظ عليها، فقد رفع عن أمة محمد الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، ولا بأس أن يكون ذلك مقنناً كي يكون التشهير عزيزاً.

جُرم الجاني

وأوضح د.تركي الطيار -مستشار قانوني- أن الشريعة الإسلامية أجازت العقوبة بالتشهير وهو إعلام الناس بجرم الجاني حتى يشتهر أمره فيحذره الناس، مبيناً أنه بتصفح الأدلة الشرعية التي أجازت العقوبة من هذا النوع نجد أن القرآن الكريم والسنة النبوية على رأس هذه الأدلة ففي الآية: "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين", وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من أسد يقال له "ابن اللتبية" على الصدقة، فلما قدم قال: "هذا لكم، وهذا لي أهدي لي"، فقام رسول الله على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: "ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا"، ووجه الدلالة: تبيين خطئه أمام الناس, مضيفاً أن طبيعة العقوبات التعزيرية في الفقه الإسلامي هو تحررها من الضوابط الخاصة التي نجدها في العقوبات الحدية والقصاص, وبالتالي يمكن أن ننزل على عقوبة التشهير تلك الضوابط العامة التي تنزل على مختلف العقوبات مثل وجود الجريمة والتناسب بين الجريمة وعقوبة التشهير, لافتاً إلى أن الفقه القانوني يجيز إقرار مثل هذه العقوبة ولا يرى مانعاً من الحكم بها، وقد نص على ذلك نظام الرشوة في مادته (21)، كذلك مجلس الشورى وافق على إضافة هذه العقوبة في المادة السادسة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية ونظام المناطق المحمية، وبحسب طبيعتها القانونية فغالباً ما تكون عقوبة تكميلية أو تبعية.

محذر للناس

وأكد د.الطيار على أنه إذا نظرنا إلى عقوبة التشهير من جهة وإلى طبيعة المجتمع في الحفاظ على السمعة نجد أنهما يسيران بشكل طردي, فكلما زاد خوف المجتمع من الفضيحة وتشويه السمعة كلما كانت عقوبة التشهير أكثر تأثيراً وأشد ردعاً وتخويفاً للمجرمين, مضيفاً أن مقدار الزجر والردع بالتشهير يكون بمقدار نظرة المجرم والمجتمع للسمعة والخوف من الفضيحة, مبيناً أن التشهير يلعب دوراً هاماً في رد كثير من الجرائم وردع كثير من المجرمين فعندما يرى الشخص أن السمعة ستمس وأن ذلك سيؤثر على نظرة الناس له وأنه قد يعيّر أبناؤه بأفعاله وأن هذه العقوبة سيمتد أثرها سنين طوالا حينها سيضع حداً لنفسه بعدم ارتكاب ما تسول له نفسه به من الجرائم، مشيراً إلى أن تشهير وزارة التجارة بمحرري الشيكات بدون رصيد يُعتبر رادعا لمحرر الشيك ومحذر للناس من التعامل مع هذا المحرر المشهر به, كذلك تشهير وزارة الداخلية بالمزورين يعُد إجراءاً رادعاً، إلاّ أنه يجب أن يستند التشهير على حكم قضائي يحمي من دعوى التعويض الذي قد ترفع عليها أمام ديوان المظالم، ذلك أن التشهير دون حكم قضائي أو سند نظامي يعُد إجراء إدارياً يخضع لرقابة القضاء الإداري.

تحقيق الردع

وتحدث د.ماجد قاروب -عضو لجنة مكافحة الغش والتقليد بغرفة التجارية الدولية- قائلاً: إن التشهير يعُد من العقوبات الخطيرة التي تمس الأمن الوطني وكامل المحيط الاجتماعي من مرتكبي المخالفات، لذلك هو محدد، مضيفاً أنه لا يجوز أن تمارس عملية التشهير إلاّ وفق حكم قضائي ينص على تلك العقوبة بشكل واضح وصريح، مبيناً أن عقوبة التشهير تُعد ذات أثر واسع يتخطى الشخص المذنب إلى محيطه الاجتماعي والأسري ويصل إلى كافة شرائح المجتمع وتحقق الردع المطلوب، بل وتقدم رسائل التحذير والعظة من مغبة ارتكاب مثل تلك الجرائم، متأسفاً على أنه فقدت عقوبة التشهير الضرورة اللازمة كأمر قضائي وقانوني في ظل ما نعيشه اليوم من قبل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والثقافة والممارسة الإعلامية السلبية لعملية التشهير بالآخرين، ذاكراً أن سبب ذلك يعود إلى ضعف إمكانات اللجان الخاصة للفصل في المنازعات الإعلامية وما يجري من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام بجميع أنواعه التقليدية أكانت الفضائية أم المقروءة، وبالتالي انتشر بشكل كبير جداً التطاول على الآخرين بدون أي رادع.

سيادة القانون

وأوضح أنه مع كل التقدير والاحترام لجهود وزارة التجارة التطويرية إلاّ أن ما يتم من تشهير ضد بعض المخالفات يُعد أمراً غير نظامي -حسب قوله- ، مشدداً على أن تلك الممارسات التي نؤيد مضمونها من زيارات مفتشي الوزارة على المحال التجارية والمطاعم والأسواق ومعارض السيارات، إلاّ أننا نختلف مع أسلوب تصويرها ونشرها؛ لأن ذلك اعتداء اجتماعي وقانوني وقضائي على التاجر والقانون والسلطة القضائية؛ لأنه لا يمكن أن يكون هناك تشهير بدون حكم قضائي، مشيراً إلى أن احترام سيادة القانون هي الأساس ويجب أن تكون سائدة على الجميع، ذاكراً أن النظام لا يجيز نشر عقوبات التشهير إلاّ من خلال الصحيفة الرسمية، وبالتالي يمنع نشر تلك العقوبات في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي.

وأشار إلى أن الممارسة بالتشهير لأصحاب الشيكات تعُد ممارسة قديمة وأساسها أن يكون هناك تشهير بموجب حكم قضائي، وبالتالي لا بأس فيها، أمّا ما يتم اليوم على التشهير بأي مخالفة على أي تاجر فهذا مخالف للقانون، مؤكداً على أن هناك الكثير من الطرق النظامية والقانونية التي نستطيع فيها محاربة التجار الفاسدين والممارسات الفاسدة لمجتمع الأعمال، لكن من خلال سيادة القانون، ذاكراً أنه فيما يتعلق بوزارة الداخلية فممارساتها صحيحة جداً؛ لأنها تتم في ضوء ما يصدر من أحكام وذلك ما يتعلق بموضوع التزوير.

تعديل الأنظمة

وشدّد د.قاروب على ضرورة تعديل مجمل الأنظمة والقوانين التجارية وغيرها، مطالباً بسرعة التفاعل مع المتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية، وأن يتم احترام سيادة القانون الواجب التطبيق إلى حين التعديل، لافتاً إلى أنه بالإمكان البحث عن أدوات وأساليب وطرق نظامية تؤكد على سيادة القانون ولا تخالفه لمعالجة المشاكل الحالية إلى حين حدوث هذه التعديلات، داعياً وزير الثقافة والإعلام النظر بشكل جدي جداً في التعاون مع وزارة العدل لتقديم الدعم والإسناد القضائي الضروري واللازم لتتمكن اللجان القضائية الإعلامية من سرعة البت في القضايا الإعلامية بنفس سرعة انتشارها وهي الانتشار السريع للمعلومة عبر الثانية، مؤكداً على أهمية أن يكون القضاء الإعلامي سريع جداً وفعّال، ويتناسب مع حجم أعداد القضايا أيضاً، وبالتالي نحتاج إلى لجان موجودة في جميع مناطق ومحافظات المملكة.

جرائم معلوماتية

وقال أحمد المحيميد -مستشار قانوني-: إن التشهير عقوبة تعزيرية أو نظامية يوقعها القاضي المختص حسب المخالفة أو الجريمة وليس الإعلام أو المتعاملين مع مواقع التواصل الاجتماعي، مضيفاً أن ذلك من صلاحيات وتقدير القاضي إمّا كعقوبة تعزيرية أو تطبيقاً لنص نظامي كما في جرائم الشيكات والرشوة، مبيناً أن التشهير عقوبة من اختصاص القضاء تطبيقاً للمبدأ الشرعي والقانوني، فلا عقوبة إلاّ بنص أو حكم قضائي، ذاكراً أن تنفيذها من اختصاص الجهات التنفيذية بعد صدور حكم نهائي، موضحاً أنها عقوبة تكميلية وليست فردية وتمتاز بأنها زاجرة ورادعة وتوفر حماية للمجتمع وأفراده، مطالباً بوضع ضوابط لتطبيق عقوبة التشهير حتى لا تشمل غير المدان بها من أفراد أسرته أو ذويه، مشيراً إلى أن التشهير عبر الصحف والقنوات الإعلامية تختص به وزارة الإعلام تطبيقاً لنظام المطبوعات والنشر، أمّا ما يمارسه البعض بالتشهير بالآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بدون حكم قضائي نهائي، فإنه يُعد جريمة يعاقب عليها نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية بعقوبات تصل للسجن عام والغرامة (500) ألف ريال, محذراً من الاسم المستعار أو الحسابات الوهمية التي لن تحمي أو تعفي من العقوبة.