أخبار عاجلة

عندما نضحك لكي لا نبكي.. بقلم || جمال فهمى

عندما نضحك لكي لا نبكي.. بقلم || جمال فهمى عندما نضحك لكي لا نبكي.. بقلم || جمال فهمى

جمال فهمى

فى مثل هذه الأيام من العام الماضى، وتحديدا فى اليوم المعترَف به عالميًّا كيوم للمرأة، برز ضمن أحداثه وفاعلياته الاحتفالية التى غطت خارطة الكرة الأرضية كلها تقريبا (عدا أغلب دولنا العربية لأسباب مفهومة) حدث أو حادثة كانت الأشد إثارة والأكثر استقطابا للأضواء واهتمام وسائل الإعلام العالمية.

إذ قامت سبع نساء تعود أصولهن إلى ثلاث دول إسلامية (تونس ومصر وإيران)، وإقامتهن الدائمة الآن فى فرنسا، بتنظيم تظاهرة احتجاجية غريبة، فقد قمن بخلع كل ملابسهن حتى تلك التى تستر عوراتهن، وكتبن على أجسادهن العارية كلمات وعبارات تندد بما تتعرض له المرأة فى بلاد المسلمين من قمع وتهميش واستغلال.. أما مسرح هذه التظاهرة العجيبة فقد كان باحة متحف اللوفر فى قلب مدينة باريس، حيث أمضين وقتا ليس قصيرا فى هذه الباحة الواسعة المكشوفة والمفتوحة على أزحم شوارع العاصمة الفرنسية وأكثرها ضجيجا!!

وبدا لافتا وقتها أن البوليس الفرنسى أبدى تسامحا غير معتاد مع هؤلاء النسوة، وتركهن وهن على هذه الصورة الشاذة يتحركن ويركضن براحتهن حول الهرم الزجاجى الضخم المنصوب فى فضاء الباحة، بينما جذب المشهد الفريد جمهورا كثيف العدد توقف يتابعه ويلاحق بطلاته وهن يتقافزن ويهتفن بالشعارات نفسها المرسومة على أجسادهن!!

غير أن جمهور النظارة والمشاهدين هذا بدا رد فعله هو أيضا مثيرا وغريبا، إذ بسرعة تجاوز المتجمعون فى باحة المتحف العتيد منطقة الدهشة ثم غرق أغلبهم فى كريزة ضحك تحولت إلى ما يشبه مظاهرة قهقهة صاخبة.. صحيح أن أكثر هؤلاء الضاحكين عبروا بكلمات أو إشارات عن نوع من التضامن والتعاطف مع القضية العادلة (رغم طريقة التعبير الفضائحية) التى دفعت هؤلاء النسوة إلى التظاهر عاريات، لكن قهقهات هذا الجمهور التى سجلتها عدسات الإعلام جعلتنى أعود إلى كتاب نادر فى نوعه وموضوعه قرأته منذ سنين طوال، ألّفه قبل أكثر قليلا من مئة عام (1911) الفيلسوف الفرنسى ذائع الصيت هنرى برجسون، الحائز على جائزة نوبل للأدب.. الكتاب عنوانه كلمة واحدة هى الضحك ، وفيه تكاد الفلسفة وحزلقاتها الصعبة تقف عند حدود المقدمة لا تتعداها إلى باقى الفصول والصفحات التى كرسها برجسون للبحث فى الوظيفة الاجتماعية للضحك باعتباره واحدا من أقدم السلوكيات وأدوات التعبير الإنسانى.

يقول الفيلسوف الذى نزل فى هذا الكتاب من برجه العاجى إلى قلب عاديات الحياة البشرية: إن الضحك نشاط جماعى وليس فرديا (أحيانا يأخذ صورة العدوى) فالإنسان عادة أو فى أغلب الأحوال لا يضحك إلا بالاشتراك أو بالتواطؤ مع شخص آخر .

وقد استخلص برجسون من تأملاته ومن مطالعاته لنظريات واجتهادات أعضاء مدرسة التحليل النفسى التى أسسها سيجموند فرويد وأطلق منتجاتها العلمية فى وقت معاصر تماما لكتاب الضحك أن هذا الأخير هو رد فعل آلى ضد كل ما يبدو لنا فى الحياة آليًّا، فالضحك يحدث تلقائيًّا فى كل مرة نلاحظ فى كلام وتصرفات شخص ما إفراطا فى النزعة الميكانيكية .

والبشر جميعا فى رأى هذا الفيلسوف الفرنسى المفرط فى جديته وتحفظه يضحكون ليس فقط من مواقف تعكس عيوبا ونواقص، و لكننا نضحك أيضا فى مواقف تتجسد فيها معانى عكسية، أى تلك التى تكون فيها الفضائل بارزة وواضحة ورغم ذلك تثير فينا رغبة عارمة فى الضحك والقهقهة لأنها ربما تتلوث وتكتسى بملامح سلوك ميكانيكى يشى ويفضح بدوره شيئا من الادعاء وعدم الصدق.. هنا تصبح القهقهة جرس إنذار يدوّى منبهًا بأن ها هنا يحدث أمر يجافى ويتعارض مع الاستقامة والحس السليم.

صباح الخير.

أونا