أخبار عاجلة

الدجاجة الوطنية .. ومآرب أخرى | بقلم: نبيل شرف الدين

الدجاجة الوطنية .. ومآرب أخرى | بقلم: نبيل شرف الدين الدجاجة الوطنية .. ومآرب أخرى | بقلم: نبيل شرف الدين


> “أجمل ما في مستجدات خيباتنا أنها أمست مُسلّية، وأكثرها دهشة أننا اعتدناها”، هكذا كان يُردد “صاحبكم” قبل أن يُجبره الإعياء على النوم كعادته فجرًا، باعتباره كائناً ليليًا وبالأحرى خُفاشًا، لكنه ذلك الصباح استيقظ مبكرًا خلافًا لعادته، يُحاصره الشعور بالعجز، وحين حاول النهوض هاجمته زخّات الصداع النصفي، وقصف مكثف لآلام المفاصل، لكنه طمأن نفسه قائلاً: إنها “حالة عارضة” ستتلاشى تلقائيًا.
> “يا إلهي.. بهذه السرعة أدركتني الشيخوخة؟ أم تراها “حالة الهلوسة” التي تنتابني أحيانًا” فنهض رغم شعوره بالوهن، وبصعوبة بالغة استعان بعكازه وراح يُفتش عن نظارته السميكة، وأدويته المُكدّسة، وسار مضطربًا صوب المرآة فكشفت صورته بلحية بيضاء، ووجهه الباهت الذي تُحاصره تجاعيد عميقة كالأخاديد.
> “هل هذا أنا حقًا؟”، تلفت حوله.. إنه ذات البيت، بأثاثه المتهالك الذي تركه عندما استلقى على السرير منهكًا.. “لعله كابوس”، هكذا قال قبل أن يضع رأسه تحت صنبور ، لكن المرآة لم تغير سحنته، وحين نظر للشرفة التي اعتاد رؤية النهر عبرها فشاهد غابة بناياتٍ عملاقة، فتساءل مستنكرًا: كيف اختفى النهر بهذه البساطة؟
> جلس “صاحبكم” لمحاولة استرداد أنفاسه، وشاهد بالتلفاز مذيعةً تتحدث بجدّية مُتجهمة: “استقبل رئيس الجمهورية العربية الرئيس الأميركي عبدالله الصغير، ودارت مباحثات بينهما حول الحصار “العراقي ـ السوري ـ الليبي” لواشنطن، كما ناشد زعماء أوروبيون وقادة آسيويون رئيسنا مساعدتهم للخروج من المجاعة التي تُوشك إبادتهم، فيما أبدى رئيس وزراء إسرائيل قلقه بعد تجربة التفجير النووي التي نفذتها جارتها “فلسطين”.
> لم يستطع “صاحبكم” احتمال هذا العبث، فارتدى ثيابه بعُجالة، ومضى خارج المنزل واستوقف جاره متسائلاً:
> ـ بالله عليك، ما الذي يجري؟
> ـ البرد قارس هذا الشتاء
> ـ وأين اختفى النهر؟
> ـ ألا تعرف أنهم طردوه بعد ثبوت تعامله مع السفن والأسماك المعادية لمصالح الأمة
> ـ بأي عام نعيش؟
> ـ عام “الغضب الساطع”
> عاد “صاحبكم” لبيته وجلس يحاول ترتيب أفكاره لتمر أمامه أطياف حياته البائسة، وبَدت كتفاصيل خرافية لأمور عادية، فرأى خيالات جميع النُسّوة اللاتي أحبهن أو أحببنه، وأشباح الرجال الذين قاسموه المعارك والغنائم والانكسارات والأمنيات المُبتسرة، فتجاهلهم تحت وطأة الجوع.
> عاد للشارع ليبتاع طعامًا بعدما اكتشف أن الهاتف معطل، فشاهد مطعمًا يبدو جديدًا، يعرض دجاجاً مشويًا مغريًا، فاشترى واحدة، وعاد لمنزله يُمنّي نفسه بالوليمة، لعلها تُنسيه العبث والكآبة، وبينما يهمّ بالتهامها انتبه لفراغ أحشائها فدّون هذه الملحوظة، لكنها لم تؤثر بإعجابه بالدجاجة.
> “سأنسفها نسفاً”.. هكذا حدث نفسه، غير أنه تردد بعدما باغتته معلومة لا يدري أين قرأها، ولماذا تذكرها، بأن الدجاج من أغبى المخلوقات، لكنه عاد ليطمئن نفسه: “وما المشكلة؟ فالأغبياء غالبًا يكونون بصحة جيدة” وأشعل سيجارة، وراح يتأمل فريسته بنهم واشتهاء.
> “تستحقين نهاية أفضل”، قالها “صاحبكم” بينما يستمع لموسيقى ناعمة، ويشعل شموعًا تحيط جسد المستلقية، وارتجل كلمة مؤثرة تليق بجلال الموت، وما كادت احتفاليته تنتهي حتى تغيرت ملامح الدجاجة تمامًا، فراحت تنكمش، وبهت لونها القرمزي، وتلاشت رائحتها التي كانت تغمر الغرفة وتحولت لقطعة بلاستيك.
> “إنها بلاستيكية.. غشني البائع الخبيث” حينها سمع صوتًا عميقًا ينهره بلهجة صارمة:
> “إنها دجاجة وطنية أيها المواطن المُتآمر، فكيف تزعم أنها بلاستيكية، وماذا تقصد بكلامك؟”
> فجأة حاصرت “صاحبكم” جمهرة غفيرة ورجل عملاق يعتلي منصة تتوسطها مشنقة بحجم الوطن:
> أيها المواطنون: هذا المُخرف المُغرض يعتبر دجاجنا الوطني بلاستيكي، وهذا إسقاط يصف اقتصادنا الوطني بالبلاستيكي، فهل تقبلون تلك التهمة لوطنكم؟
> كانت أصوات الجماهير مزمجرة تُطالب بشنقه، وتحول رجل المنصة لديك عملاق، وصارت الجماهير دجاجاتٍ يبضن ويبضن.. حتى امتلأت البلاد بالبيض، وأمسك الديك “صاحبكم” من خاصرته كأنه سيجارة ودفعه لمشنقة تتوسط المكان وسأله:
> ـ أمنيتك الأخيرة؟
> ـ “دجاجة وطنية” تتفهم معنى “الجوع التاريخي”
> والذي جرى بعدئذ.. ومازال يجري، أن أحدًا لا يريد تذوق “الدجاج الوطني” ورفضوا التهامها، ويبدو أنهم جميعًا كانت لديهم مآرب أخرى.

أونا