«شبكات التجسس» تغري المتآمرين.. و«الخونة»!

«شبكات التجسس» تغري المتآمرين.. و«الخونة»! «شبكات التجسس» تغري المتآمرين.. و«الخونة»!

    أضحت "الجاسوسية" علماً مستقلاً بذاته له قواعده وأصوله التي يسترشد بها العدو؛ ليتمكن من إنجاز وأداء واجباته كما تتطلبها الغاية التي يسعى إليها، وأصبحت هذه الوسيلة واقعاً وتحدياً جديداً تواجهه دول المنطقة -منها المملكة- في ظل الأحداث المضطربة والمتغيرات العديدة التي تعج بها، والتي خلقت معها الكثير من الثغرات لتدخلات سياسية وأمنية واستخباراتية على دول المنطقة.

ومع خطورة وتعقيدات وتداخلات مفاهيم وأدوار الجاسوسية ومخططات الدول الحاضنة والمجندة للجواسيس؛ يبقى المواطن خط الدفاع الأول في التصدي لهذا الخطر بوعيه وإدراكه للمخاطر التي تحاك ضد وطنه وأمنه واستقراره، وبحسه الأمني الذي يُراهن عليه في التمييز بين المعلومة التي تمس أمن وطنه وتضر به والتي قد تقدم للعدو خدمة لا يحلم بها على طبق من ذهب، وبين ما يخدم وطنه ويحمي مقدراته من عبث العابثين وكيد الأعداء وشبكات التجسس التي باتت تخترق الكثير من شؤون الحياة ووسائله الحديثة للوصول إلى هذه المعلومة.

ولم يكن مستغرباً ما كشفت عنه وزارة الداخلية وفقاً لمعلومات من الاستخبارات قبل فترة عن تورط مواطنين ومقيمين داخل المملكة في أعمال تجسسية تعمل لمصلحة إيران، في ظل ما تشهده المنطقة من رسم سياسات جديدة واضطرابات أمنية وتحولات متسارعة؛ إذ تبقى المملكة هدفاً أساسياً للأعداء وجواسيسها وأجهزة الاستخبارات المعادية بفعل دورها المفصلي والمهم في المنطقة الرامي إلى تعزيز الأمن والاستقرار فيها.

وعلى الرغم من أنّ مهنة التجسس كانت من أقدم الأعمال التي باشرها الإنسان ضد خصمه، إلاّ أنّها أصبحت الآن جزءاً من حرب تُستخدم فيها أعلى تقنيات العصر، ولا تقتصر على الجانب الأمني والعسكري فقط، بل دخلت دهاليز الاختراعات ومجالات التجارة والصناعة وغيرها، ويعرف المختصون "الجاسوس المزدوج" بذلك الشخص الذي يعمل لحساب دولتين في وقت واحد، وهو أذكى وأخطر أنواع الجواسيس، إذ لا يمكن أن ينجح في هذه المهمة سوى الشخص الذي يتصف بالذكاء والمكر الشديد حتى يستطيع أن يكسب ثقة الطرفين ويخدع كلاً منهما في الوقت نفسه وغالباً ما تكون حياة الجاسوس المزدوج هي رهن لأي خطأ بسيط يقع فيه دون قصد، لكن ما يحققه من مكاسب كبيرة من هذه اللعبة الخطرة يجعله لا يبالي حتى بحياته في سبيل ما يحصل عليه من أموال من كلتا الدولتين.

الوطن آمن مستقر مهما كانت «المؤامرات» وتسريب المعلومات ومن يسعى لهزيمته نفسياً قبل اختراقه والهيمنة على مقدراته

الأمن الوطني

في البداية ذكر العقيد أركان حرب متقاعد "إبراهيم آل مرعي" -الباحث في الشؤون الأمنية- أنّ شبكات التجسس هي إحدى وسائل العدو الملتوية في الحروب الحديثة والقديمة؛ إذ تمثل خطراً داهماً للأمن الوطني السعودي، وتعمل في الخفاء تحت شعار كاذب من خلال غطاء دبلوماسي، أو تجاري، أوديني، أو سياحي؛ بهدف الحصول على معلومات عن التشكيلات العسكرية للدولة، وقدراتها التكنولوجية الحديثة، أو قراراتها السياسية، أو تحركاتها الدبلوماسية، موضحاً أنّه لا يقتصر عملها وقت الحرب فقط فهي نشطة وقت السلم، وعلى مدار الساعة ليلاً ونهاراً، مستغلةً الاضطرابات الإقليمية، والفتن الطائفية، والمؤامرات الدولية من أجل السيطرة على مناطق النفوذ، وتحقيق مصالحها الإستراتيجية.

وقال إنّ هذه الشبكات تستخدم عناصرها المدربين الذين يجيدون عادةً عدة لغات، ويمتلكون مهارة الاندماج وقدرة التواصل مع المجتمع المحيط، مستغلين أبناء الوطن غير المدركين لخطورة المعلومات التي يتناقلونها عبر وسائل التواصل، أو أثناء المكالمات الهاتفية، والتي حصلوا عليها بحكم عملهم بالقرب من صانعي القرار السياسي، أو في وزارتي الدفاع أو الداخلية، أو في قطاعات الدولة المختلفة.

استخبارات إيرانية!

ولفت العقيد "آل مرعي" إلى شبكات التجسس الإيرانية التي تم اكتشافها في دول الخليج العربي، سواءً في البحرين في مايو 2010م، أو قطر في نوفمبر 2011م، أو الكويت في سبتمبر 2012م، حيث تم اكتشاف أكبر تجسس في "بنيد القار"، مكونة من (9) خلايا و(97) عنصراً استخبارياً، مضيفاً: "لم تكن المملكة استثناء من هذه العمليات الاستخبارية المعادية، ففي 28 مارس 2013م تم اكتشاف خلية تجسس إيرانية مكونة من (18) جاسوساً، منهم (16) سعودياً خائناً لوطنه، والعنصر السابع عشر يحمل الجنسية الإيرانية، والآخر يحمل الجنسية اللبنانية، وبعد ذلك بشهرين فقط تم اكتشاف الخلية الثانية والمكونة من (10) عناصر منهم (8) سعوديين خونة، والعنصر التاسع يحمل الجنسية اللبنانية والآخر يحمل الجنسية التركية".

وأشار إلى أنّ هذا غيض من فيض من الشبكات التي تم اكتشافها، والمواطن الفطن يدرك تماماً أنّ هناك حرباً شرسة موجهة ضد وطنه وقيادته، حيث استطاعت المملكة بقيادتها الحكيمة ومواطنيها المخلصين وبتلاحم منقطع النظير، إحباط هذه المحاولات اليائسة والحاقدة على بلاد الحرمين التي تنعم بالأمن والاستقرار في ظل بيئة إقليمية بركانية، وانفلات أمني عالمي.

حماية المقومات

وأوضح العقيد "آل مرعي" أنّ الأمن الوطني يعني سلامة الدولة وصيانة شخصيتها الدولية وحماية مقوماتها الوطنية من كافة التهديدات الداخلية والخارجية، وضمان علاقات دولية جيدة مبنية على صيانة المصالح المشتركة وتنميتها، كما أنّ مفهوم الأمن الوطني ينطلق من أبعاد ثلاثة تتدرج بشكل تكاملي انطلاقاً من الأمن المحلي الساعي لخلق وترسيخ بيئة آمنة ومستقرة محلياً، ثم الأمن الإقليمي على مستوى المنطقة التي نعيش فيها، ثم الأمن العالمي بمفهومه الشامل، وبالتالي فإنّ الاستقرار في العالم أو في الإقليم الذي نعيش فيه حتماً سينعكس على أمن واستقرار السعودية وخير مثال على ذلك انعكاس ما يجري غرباً وشرقاً على الأمن الوطني السعودي.

وأضاف أنّ أهمية الأمن الوطني تكمن في أنّه حق وواجب يستدعي التعاون والمشاركة من قبل الدولة والمواطن والمقيم للحفاظ على الوطن الذي نعيش في ظله وخيراته وننعم بأمنه وأمانه، مشيراً إلى أنّ ذلك لا يقتصر فقط على حماية حدود الدولة فقط، وإنما يشمل الأمن الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، والغذائي، والثقافي، والمائي، والزراعي، والمعلوماتي.

تحديات الأمن

واعتبر العقيد "آل مرعي" أنّ التحديات الخارجية العديدة التي تواجه الأمن الوطني السعودي تتمثّل في الحرب على الإرهاب، والضغوط الدولية على دول الإقليم، والضغوط الكبيرة التي تُمارس على المسلمين في جميع أنحاء العالم، وكثرة التنظيمات المسلحة وازديادها، واستخدام الدين من قبل هذه التنظيمات غطاءً لها، والعولمة، واستمرار القضية الفلسطينية بدون حل، واستمرار الانفلات الأمني في العراق، ولبنان وسورية، وانفراط عقد الدولة في اليمن، واستمرار المواجهات ما بين المتطرفين والمتشددين وقوات الأمن في ، وانقسام السودان والحرب الأهلية في ليبيا، وتردي الحالة الأمنية بشكل عام في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم العربي والإسلامي، ترافق ذلك مع ثورة في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلامية المختلفة والمتعددة، والتي استخدمت بشكل مخيف من قبل شبكات التجسس والمنظمات الإرهابية.

وأشار إلى أنّ حفظ أمن الوطن منوط في المقام الأول ليس بالأجهزة الأمنية، بل بالمواطن والمقيم الذي استُقبل بالحفاوة والتكريم وأكل من خيرات هذا الوطن، ووفر له ولأسرته الحياة الكريمة، ولذلك يجب أن يتحلى بحس أمني رفيع، وأن لا يسلم عقله لأي جهة خارجية أو داخلية تريد النيل من مقدرات الوطن ووحدة أراضيه ولحمة شعبه وقيادته.

تجنيد تقني

وأكّد "د.محمد السلمي" -باحث متخصص في الشأن الإيراني- أنّ العمليات الاستخباراتية لم تعد تتبع طرقها الكلاسيكية المعروفة، بل تنوعت الوسائل والطرق وأصبح من السهل على الأجهزة الاستخباراتية رصد وتحليل وتجنيد أشخاص وأعضاء هذه الأجهزة الاستخباراتية "يحتسون كوباً من القهوة في أقصى نقطة من العالم"!، لافتاً إلى أنّ الثورة المعلوماتية والإعلام الجديد نعمة ونقمة في الوقت ذاته، إذ تم تطوير برمجيات متقدمة جداً تعمل على الرصد والتحليل والوصول إلى أي معلومة، بغض النظر عن مدى أهمية مصدرها، وبالتالي تستطيع جمع أجزاء صغيرة لتضعها سوياً وتشكل معلومة كبيرة في غاية الأهمية، أمنياً، ثقافياً، اقتصادياً أو اجتماعياً.

وأضاف أنّه الأجهزة الاستخباراتية حول العالم تعول كثيراً على وسائل التواصل الاجتماعي ليس كمصدر لمعلومة حساسة وحسب، بل وبوابة لتجنيد بعض ضعاف النفوس في هذه الدولة أو تلك، وربما يتم تبادل رسالة واحدة واثنتين على "التايملاين"، ثم تنتقل المحادثة إلى الرسائل الخاصة المتاحة في وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا يقفز السؤال الأهم: من يستطيع تتبع كل ما يدور في تلك الرسائل البعيدة عن أعين الجميع؟.

وعي المواطن

ورأى "د.السلمي" أنّ التوعية تكون ذاتية في المقام الأول، إذ على المواطن أن يعي جيداً بقلبه وعقله، مدى المؤامرات التي تطبخ في الظلام ضد هذا البلد ومجتمعه، شبابه وفتياته، ويجب أن يكون الحس الأمني حاضراً في جميع الأوقات، ومن المهم أيضاً ألا يكون "السبق الصحفي" على حساب أمن البلد واستقراره، منوهاً بأنّ نشر وتدوير التعاميم السرية والمستندات الحكومية خيانة كبرى للوطن، وهذا ما ينبغي أن يؤمن به كل من تقع في يده معلومة سرية يفكر في لحظة من اللحظات بنشرها أو الترويج لها، مستشهداً بما قاله الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله:"المواطن رجل الأمن الأول"؛ لذا يجب المواطن أن يكون على قدر المسؤولية وأن يحذر من خفافيش الظلام التي تبحث عن معلومة في هذا الركام المعلوماتي لتستخدمها ضد الوطن وضد أمنه واستقراره.

دائرة الشبهات

وشدد "د.السلمي" على أنّ الأمر يتعلق بشكل مباشر بالحس الأمني والوطني لدى أفراد المجتمع، حيث يحتاج المواطن البسيط إلى إهمال كل من يروج للشائعات والمغالطات، كما أنّ عليه أيضاً أن يشتبه في كل من يحاول الحصول على معلومات تفصيلية وأحياناً دقيقة حول مسألة ما قد تضر بالوطن وأمنه واستقراره، معتبراً أنّ كل من يحاول خلق نوع من الهزيمة النفسية أو الإحباط لدى المواطنين، من خلال التركيز على قوة الخصوم وتضخيمها، وتحجيم والتقليل من قدرات الوطن أو إنجازات أبنائه وإمكاناتهم يقع تحت دائرة الشبهات، وقد يقع بعض الأشخاص في هذا بقصد أو دون قصد، إذ إنّ هناك من يحاول خلق مجتمع، مهزوم، ومرتبك، وفاقد للثقة في قيادته وأبناء جلدته، موضحاً أنّ هؤلاء أشد خطراً على المجتمع من أي شيء آخر؛ لأنّه بذلك يجعل هذا المجتمع مستسلماً وواثقاً في كل ما يروج كذباً وزوراً ضد الوطن وأهله.

وأشار إلى أنّ من المهددات الرئيسة للّحمة الوطنية التركيز على الصراعات المذهبية والطائفية، والجنوح نحو العصبية القبلية، والجهوية، والفئوية، والطبقية، حيث إنّ كل هذه مهددات حقيقية للنسيج المجتمعي واللُّحمة الوطنية، وهي أشد خطراً من التهديدات الخارجية؛ لأنّ التهديدات العابرة للحدود أكثر وضوحاً وأسهل رصداً من التي تنتشر في داخل المجتمع.

طابور خامس

من جانب آخر دعا "د.زهير الحارثي" -عضو مجلس الشورى- إلى ضرورة تحصين الجبهة الداخلية لمواجهة خلايا التجسس عبر عدة عوامل، كالحوار المجتمعي، وطرح القضايا التي تهمه وبحثها، واحتواء الشباب، مشدداً على ضرورة تعزيز الانتماء الوطني، ومراجعة خطابنا الوطني ومناقشاتنا الوطنية؛ لتقويمها وقطع الطريق على من يحاول اختراق نسيجنا المجتمعي، منوهاً بقدرة التنسيق المعلوماتي ما بين الاستخبارات العامة والمباحث العامة في إسقاط الشبكة التجسسية في السعودية وكشف مخططاتها قبل فترة، مؤكّداً أنّ هذا إنجاز ترجم على الأرض ويحسب للأجهزة الأمنية في الإمساك بالخيط الأول ومتابعته، كما أنّه يكشف عن أن آلية التعاون ما بينهما تتم على أعلى مستوى من الاحترافية والمهنية.

وأشار إلى أنّ محاولة اختراق المجتمع تهدف بشكل أساسي إلى تقويض النفوذ السعودي في المنطقة، ومحاولة إضعافه، وسحب الريادة الإسلامية من المملكة مهما كلف الثمن؛ لذا فإيران لديها مشروع توسعي، بدليل الخلايا الأخيرة التي ضبطت في البحرين، والكويت، واليمن، حيث لم يكن مستغرباً أن تخترق طهران الأكاديميين في المجتمع الخليجي؛ لأنّ هذه الشريحة تبقى من الشرائح المهمة لديها لتواصلها وتأثيرها الاجتماعي، ومواقعها الوظيفية، وقدرتها المالية أيضاً، إلاّ أنّها في نهاية المطاف لا تختلف عن أي شريحة أخرى؛ لأنّ العبرة بالمصلحة المشتركة بين الطرفين، منوهاً بأهمية الاعتراف بوجود "طابور خامس" يتجسس لمصلحة دولة معادية.

هاجس مستمر

وكشف "د.الحارثي" أنّ المملكة كانت ولا زالت تمثل لإيران هاجساً سياسياً وعقائدياً، فما لبثت أن لجأت إلى مختلف السبل من أجل تضييق الخناق عليها، مدركة بأنّ مخططها التوسعي لن يتحقق له النجاح طالما أنّ تؤدي دورها ونفوذها المؤثر في المنطقة والعالم، مبيّناً أنّ القضية تكشف أيضاً عن تصعيد خطير وتطور غير مسبوق على مستوى العلاقة ما بين طهران وحزب الله من جهة، والرياض من جهة أخرى، رغم أنّ البيان الرسمي السعودي "الأول" لم يسم الدولة، ولكن من السياق وربط الأحداث والأسلوب والطريقة فإنّ الأمر قد بات واضحاً للعيان، مستطرداً: "إذا ثبت فعلاً تورط إيران في العملية فأعتقد أنّه قد بلغ السيل الزبى، وأنّ الكيل قد طفح، ولابد من تعاط مختلف، ورد معلن يتم على الصعيد الدبلوماسي على أقل تقدير".

تصريحات استفزازية

وبيّن "د.الحارثي" أنّ المملكة لم يكن لها أساليب تجسسية مشابهة لما تقوم به إيران، رغم قدرتها المادية واللوجستية؛ لأنّها تؤمن بمبدأ "عدم التدخل في شؤون الغير"، غير أنّها في الوقت ذاته تستهجن إمعان طهران واستماتتها في طرق أية وسيلة من شأنها إزعاج المملكة، أو زعزعة أمنها أو محاولة هز جبهتها الداخلية، لافتاً إلى أنّه رغم أن الدبلوماسية السعودية تسعى دائماً إلى الحوار وإدارة أزمة الاختلاف بانفتاح -وهي التي مدت يدها لإيران مرات عديدة، ونادت بالمعالجة السلمية لبرنامج طهران النووي-، إلاّ أنّ المفارقة هي في سياسة طهران التي تأتي على النقيض تماماً، حيث تصب الزيت على النار فلا تخدم استقرار المنطقة، بدليل تصريحاتها الاستفزازية وتدخلاتها المكشوفة وتجنيدها للعملاء وتمويلها للمخربين.

خلايا تخريبية من «الطابور الخامس»

قال «د. زهير الحارثي» إنّ الأساليب التي تعتمد علها «الخلايا التخريبية» تبدأ من تنظيم مظاهرة سلمية، ثم تتحول المظاهرة من سلمية إلى أعمال عنف وإضرام النار في مؤسسات ومنشآت واستهداف البنية التحتية -في إشارة إلى ما نُشر مؤخراً حول الكشف عن مجموعات مسلحة تستعد للقيام بأعمال تخريبية بهدف إثارة الفوضى والبلبلة في الكويت والسعودية وعدة دول خليجية أخرى، إذا ما تعرضت إيران لضربة عسكرية بسبب برنامجها النووي، أو حتى في حال تضييق الحصار الاقتصادي المفروض من الأمم المتحدة على إيران-.

وأضاف أنّ الطابور الخامس مصطلح شائع جاء نتيجة للحرب الباردة التي كانت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي آنذاك، حيث أُطلق على الجواسيس أو العملاء الذين يمارسون نشاطات التجسس وجمع المعلومات العسكرية والأمنية والاقتصادية، فضلاً عن إثارة الرأي العام بترويج الإشاعات، غير أنّ هذا المصطلح وباختصار وفق بعض المؤرخين بأن نشأته جاءت في فترة الحرب الأهلية الإسبانية خلال أعوام 1936-1939م، وأثناء حصار مدريد من قبل اليمين «الثوار» بقيادة «فرانكو»، والذي انقلب على «اليسار»، رغم فوزهم بالانتخابات، حيث خطب أحد الجنرالات آنذاك عبر المذياع لإثارة حماس الجنود واستنهاض هممهم: «هناك أربعة طوابير تحاصر الجمهوريين في العاصمة، وهناك طابور خامس من أنصار الانقلاب -ويقصد به مؤيدي الثورة من الشعب-»، ومن تلك اللحظة بات يُطلق على الجواسيس الذين يتعاونون مع دولة معادية لدولتهم.

كيف تتكون

شبكة الجواسيس..؟

تتكون شبكة الجواسيس من رئيس الشبكة وهو الرجل الكبير والمجهول دائماً، وتضم الشبكة حاملي الرسائل، والعملاء السريين، والعملاء المزدوجين، والجواسيس، ومخزني المعلومات، وخيال الظل.

وتعمد أجهزة الاستخبارات المعادية عادة عند تجنيد الجواسيس على بلادهم إلى اختيار المعارضين لنظام الحكم أو لمذهب من المذاهب السياسية أو الدينية في بلدانهم، وذوي الحاجة الملحة إلى المال بسبب الفقر أو ضعف الذات، ومحبي السهرات الماجنة التي تتيحها لهم الجاسوسية، كما أنّ هنالك العديد من الصفات التي يجب توافرها في هؤلاء العملاء حتى يكونوا قادرين على أداء مهامهم داخل بلدانهم بالشكل المطلوب، منها قدرتهم على الخداع والكذب والتضليل عندما يتطلب الأمر ذلك أو للضرورة الملحة.

وبعد اختيارهم للمهمة الدقيقة تضعهم أجهزة مخابرات العدو أمام الأمر الواقع، وأحياناً يتم تهديدهم بكشف أعمال سبق أن ارتكبوها والتي اطلعت عليها المخابرات بطريقتها الخاصة.

ويتعين على الجاسوس أثناء مهمته استخدام أجهزة تنصت صغيرة لنقل الحديث من على بعد ويسهل إخفاؤها، ويثبتها داخل المكان المراد التنصت عليه، كما يستخدم الجواسيس كاميرات التصوير في عملياتهم التجسسية أصغر هذه الأحجام يمكن إخفاؤه داخل علبة السجائر، أو داخل ولاعة السجائر، وبعض أنواعها تمكن من التقاط الصور في الظلام.

ومن صفات الجواسيس عند الانتقال إلى البلد المطلوب التجسس فيه، التظاهر بممارسة مهنة معينة يحتاج إليها أبناء ذلك البلد، أو فتح مكاتب تجارية بالتعاون مع أفراد البلد التي يعيشون فيها، أوعرض رؤوس الأموال لتأسيس شركات وتنفيذ مشروعات عمرانية وإنشائية بالتعاون مع أبناء البلد، ومنهم من تكون له مشاركات إعلامية، وكذلك شراء فنادق جاهزة أو إنشاؤها وغير ذلك من النشاطات.

المخابرات الإيرانية «تلعب على المكشوف»..!

وضع بيان وزارة الداخلية الذي أُعلن في شهر جمادى الأولى 1434ه النقاط على الحروف، من خلال الكشف صراحة عن الارتباط المباشر لشبكة التجسس التي سبق الإعلان عنها في ذات الشهر بأجهزة الاستخبارات الإيرانية. وعلى الرغم من أنّ بيان الداخلية الأول لم يحمل أي دلالات صريحة لعلاقة المخابرات الإيرانية بهذه الشبكة، حيث كشف بناءً على ما توفر لرئاسة الاستخبارات العامة من معلومات بأنّ الشبكة مكونة من (16) شخصاً من الجنسية السعودية، والإيرانية، واللبنانية، متورطه في أعمال تجسسية لمصلحة "إحدى الدول" -وفق البيان-.

وأضاف البيان أنّ هذه الشبكة كانت تجمع معلومات عن مواقع ومنشآت حيوية والتواصل بشأنها مع جهات استخبارية في تلك الدولة، إلاّ أنّ البيان الثاني أظهر وبوضوح أنّ المخابرات الإيرانية، باتت تلعب على المكشوف عبر نشاطات معادية تستهدف أمن المملكة، حيث أعلن المتحدث الأمني بوزارة الداخلية أنّ التحقيقات الأولية والأدلة المادية التي تم جمعها والإفادات التي أدلى بها المتهمون في قضية الشبكة التجسسية قد أفصحت عن ارتباطات مباشرة لعناصر هذه الخلية بأجهزة الاستخبارات الإيرانية.

وأشار البيان الإلحاقي إلى تورط عدد من المواطنين والمقيمين في أعمال تجسسية والتواصل مع أجهزة الاستخبارات الإيرانية، كما كشف أنّ هذه العناصر دأبت على استلام مبالغ مالية وعلى فترات مقابل معلومات ووثائق عن مواقع مهمة في عملية تجسس لصالح تلك الأجهزة.

تصنيف «العملاء» بحسب المهام والموقع

تتفرع الجاسوسية إلى عدة أنواع حسب طبيعة عمل ومهام كل جاسوس، ويمكن تصنيف الجواسيس على النحو التالي: الجواسيس المحليون، وهم جواسيس من عند العدو، والجواسيس الداخليون، وهم أعضاء أو قادة لدى نظام أو جيش العدو، والجواسيس المرتدون -العميل المزدوج-، وهم جواسيس العدو الذين تم كشفهم وتسخيرهم لخدمته، والجواسيس المكشوفون، وهم جواسيس يتم تسليمهم إلى العدو عن طريق جواسيسه، وهم أشبه بتمويه لإخفاء جواسيسه الحقيقيين، وأخيراً الجواسيس الناجون -العاديون-، وهؤلاء الجواسيس الذين يرسلون ليعرفوا معلومات عن معسكر العدو. ويميز المخابرات صفة السرية ولها ثلاثة أقسام: مهام المخابرات وتتمثل في الحصول على أسرار الدول الأجنبية وحماية أسرار الدولة الخاصة ضد التجسس الأجنبي، ونشاط المخابرات والذي يجب أن يمارس في سرية تامة، وإنشاء جهاز المخابرات نفسه والذي يجب أن يظل طي الكتمان.

ويهدف التجسس إلى معرفة السياسات الداخلية والخارجية للدولة، وتحديد الموارد الطبيعية والإنتاج الاستراتيجي، كما يهدف إلى توظيف وكلاء للعدو في كثير من مجالات القوة الاقتصادية الاستراتيجية للدولة المستهدفة في مناحي الإنتاج، والبحث، والتصنيع، والبنية التحتية، إلى جانب توظيف وكلاء من الأوساط الأكاديمية والعلوم والتقنية والمؤسسات التجارية، وفي المجالات العسكرية الدفاعية والهجومية وغيرها.