أخبار عاجلة

«الوطن» داخل مقر «تمرد».. هنا مقر الثورة الثانية

«الوطن» داخل مقر «تمرد».. هنا مقر الثورة الثانية «الوطن» داخل مقر «تمرد».. هنا مقر الثورة الثانية
شقة فى عمارة قديمة بوسط القاهرة مكدسة بكميات هائلة من رزم الأوراق.. وحشد من المتطوعين يجمعون التوقيعات ويفرزون ويصنفون

كتب : سماح عبدالعاطى: تصوير : منذ 16 دقيقة

فى شقة صغيرة داخل إحدى البنايات القديمة بشارع معروف بوسط القاهرة يقع مقر حملة «تمرد». مصعد البناية معطل، والطريق إلى الشقة يمر بطوابق أربعة يتخللهم سلم، إضاءة خافتة للغاية تكفى لأن يبصر الزائر طريقه لأعلى، هناك يستقبله باب الشقة المفتوح على الدوام، ما إن يدلف منه حتى تواجهه كميات هائلة من رزم الأوراق البيضاء مصفوفة فوق بعضها البعض، زحام شديد داخل المكان لا يكاد يظهر معه تفاصيله إلا بصعوبة، إذ وسط أعداد الداخلين والخارجين ينهمك عدد من الشباب فى عد أوراق، فيما يركز آخرون على تصنيف وترتيب أوراق أخرى، أحدهم يجلس على جهاز كمبيوتر محمول ويدون عليه شيئاً ما، وآخر يتحدث فى الهاتف بصوت عالٍ. على الحائط بوستر كبير للحملة التى أسسها عدد من الشباب أواخر أبريل الماضى لجمع توقيعات تهدف إلى «سحب الثقة من رئيس الجمهورية» و«إجراء انتخابات رئاسية مبكرة»، وإلى جوارها على حائط مواجه صورة لمصر كما تظهر على الخريطة؛ مساحة صفراء يتوسطها وادٍ أخضر محصور بين بحرين، فيما تستقر صورة ثالثة على حائط آخر لشهيد الصحافة الحسينى أبوضيف الذى راح ضحية أحداث الاتحادية أوائل ديسمبر الماضى.

وسط الزحام تجلس غرام أحمد، 28 سنة، على مقعد وبيدها رزمة من استمارات «تمرد»، تعد غرام الاستمارات المملوءة قبل أن تناولها لأحد الشباب الواقفين إلى جوارها، «أنا باعمل فرز لاستمارات (تمرد) اللى جاية من المحافظات»، تتحدث غرام عن طبيعة عملها بالتحديد، تقول إنها تمارسه بشكل تطوعى، كما تجمع توقيعات الناس فى منطقة طرة حيث تسكن بشكل تطوعى أيضاً. سمعت عن الحملة فى البداية كما سمع كل الناس، فقررت أن توقع على الاستمارة؛ «حال البلد وحش قوى، ومطلوب مننا نتحمل أكتر من اللى احنا فيه»، لهذا قررت غرام أن تتطوع لجمع توقيعات الناس على استمارات الحملة: «خدت ورقة فاضية من الست اللى كانت بتمضينى وصورتها على حسابها واشتركت مع 7 من زميلاتى فى جمع توقيعات الناس عليها».

ولأنها ربة منزل كما تقول وأم ثلاثة أبناء فهى تقصر عملها فى الشارع وسط الناس على فترة الصباح من الثامنة حتى الواحدة ظهراً، كما تخصص يوم الجمعة من كل أسبوع لجمع التوقيعات طوال النهار: «بانزل ميدان التحرير، وباشتغل فى المترو، والحمد لله بالاقى الناس متجاوبة معايا على الآخر»، تقول غرام إنها قبل أن تطلب من الناس التوقيع على الاستمارة تتحدث إليهم عن وضع البلد، وتبصرهم بما يجرى فيها: «باقول للناس مش عايزاكم توقعوا على الورقة قبل ما تسمعونى»، هناك من يوقع معها بالفعل وهم كثر، وهناك من يرفض التوقيع من باب «حرام إدوا الرئيس فرصته»، لكنها اعتادت أن تخرج من منزلها كل يوم بـ200 ورقة فتعود بخمسين فقط فارغة والباقى يحمل توقيعات.

مؤسس الحملة: تفرغت لجمع التوقيعات والأيام الجاية هنطوف محافظات الجمهورية للحشد ليوم 30 يونيو

الضجيج الشديد الذى يسيطر على المكان يقطعه صوت يعلو فجأة: «يا ريت يا جماعة حد من الحملة ينزل تحت فى الشارع، واحنا هنوفر له ترابيزة وكرسى عشان يجمع توقيعات الناس». تبتسم منى سليم، صحفية من مؤسسى الحملة، قبل أن تشرح لمن يقفون إلى جوارها: «ده واحد من العمال اللى فى شارع معروف، الظاهر فيه حد من أصحاب الورش باعته من تحت»، تمد منى يدها وتسحب رزمة أوراق تضم ألف ورقة وتناولها لأحد الشباب الذين بجوارها: «انزل معاه لو سمحت وشوف هيوقفك فين، وابدأ فى جمع التوقيعات»، تعود منى إلى ما كانت تفعله من عد مجموعة من الاستمارات فى يدها، تبتسم مرة أخرى وهى تتحدث عن المواطنين العاديين الذين يترددون على مقر الحملة: «كل شوية نلاقى واحد جاى وجايب معاه استمارات موقعة، بيكون طابعها على حسابه، وعشان نشجعه بناخد منه المليان ونديله استمارات فاضية، ويفاجئنا بعد كام يوم إنه جايبها وعليها توقيعات».

توجد منى سليم داخل المقر خمس ساعات يومياً، تقول إنها اعتادت أن تتسلم كميات كبيرة من الاستمارات الموقعة، التى يأتى بها المواطنون المتطوعون: «النهارده مثلاً استلمت 10 آلاف ورقة تقريباً جايين من مناطق كتير». تأتى الاستمارات من كل مكان فى ؛ العريش والإسماعيلية والسويس والقليوبية، هناك منسقون رسميون للحملة فى كل المحافظات كما تقول منى، لكن العدد الأكبر من الأوراق من كل المحافظات يأتى عن طريق متطوعين، يقومون بطباعة الاستمارات على حسابهم ويجمعون عليها توقيعات، ثم يأتون بأنفسهم إلى مقر الحملة ليتأكدوا أنها وصلت إلى يد مؤسسى الحملة.

من باب الشقة يدخل أحد الأشخاص وفى يده رزمة أوراق ملفوفة بأستك، يفك الأستك فتظهر قائمة طويلة تحتوى على 168 اسماً، يجلس على أقرب كرسى بعد أن يناول الأوراق لأحد الشباب الموجودين، اسمه سامح سعد، وعمره 40 سنة، يعمل مهندس تبريد بشارع عدلى: «إحنا زهقنا وعايزين بلدنا ترجع لنا من تانى»، يواصل سامح قائلاً إنه طبع الاستمارات لأول مرة على حسابه الخاص، ولم يتكلف أكثر من الوقوف فى الشارع حيث يعمل، رافعاً استمارة ليجد الناس تتوافد عليه لتوقعها: «باحط ترابيزة فى الشارع وعليها الاستمارات وبالاقى الناس جاية لوحدها»، يشعر سامح بالسعادة لمشاركته فى الحملة: «رد فعل الناس تجاهنا كويس قوى، فيه تحرك، وفيه ناس عايزة تغير بجد». يبتسم سامح عندما يناوله أحد الشباب رزمة استمارات جديدة للحملة: «أول ما أخلصهم هاجى أسلمهم على طول»، يستدير سامح ويعود من حيث أتى.

صاحب محل فى شارع معروف يعرض استضافة الحملة أمام محله ويتبرع بمنضدة وكرسى فى مكان مميز

وفى محاولة للهروب من الحر يجلس محمود بدر، 28 سنة، صحفى ومؤسس حملة «تمرد»، داخل شرفة الشقة بصحبة مجموعة من الشباب، يعلو صوت محمود مخاطباً أحدهم: «تيجى معايا بكرة إسكندرية، هاروح وارجع فى نفس اليوم»، يتعلل الشاب ببعض الارتباطات فيستدير محمود ليكمل حديثه مع المحيطين: «ناس من إسكندرية كلمونى على التليفون وقالوا لى إنهم جمعوا توقيعات على 80 ألف استمارة، راح لهم جورج إسحاق عشان يستلمها منهم رفضوا يسلموها وقالوا له مش هنديها إلا لمحمود»، تلمع محمود وهو يحكى القصة، يشتعل الحماس أكثر وهو يقول: «الفترة اللى جاية أنا ناوى أتفرغ لجمع التوقيعات، هاروح سينا وهاروح الصعيد وكل الأماكن اللى الإخوان بيخوفونا منها، هنثبت لكل الناس إن الصعيد أكتر مكان عنده استعداد يتمرد ضد مرسى، لأنه ما عملش تطوير هناك»، يحرص محمود على الشفافية فى كل تعاملات الحملة، يقول إن الشقة التى تتخذ منها الحملة مقراً لها فى شارع معروف ممنوحة لهم من قبل زميل لهم كان يتخذها مكتباً خاصاً له، فى حين لا تقبل الحملة أى تبرعات باستثناء الأوراق البيضاء التى يطبع عليها الاستمارة، التى تصل منها كميات ضخمة من مواطنين عاديين قرروا أن يتبرعوا بها للحملة، بينما جمع المؤسسون تكاليف أول مؤتمر صحفى أقامته الحملة من بعضهم البعض، وتحمل تكلفة المؤتمر الصحفى الأخير كل من الدكتور عبدالجليل مصطفى والدكتور محمد العدل، فيما عدا ذلك لا يستطيع أى أحد أن يقول إن الحملة تربحت أو حصلت على أى تمويل من أى جهة.

يبدى محمود سعادته بنجاح الحملة، يهزه كما يقول أن يرى مئات المتطوعين يتوافدون على المقر ليلاً ونهاراً، يحكى عن صانع أحذية من إمبابة جاء للمقر حاملاً خمس استمارات طبعهم على نفقته الخاصة وجمع عليها توقيعات، وأصر أن يأتى ليسلمها بنفسه. يبتسم عندما يتذكر مجموعة من الموظفات جئن للمقر وبيدهم استمارات جمعن عليها توقيعات لزملائهن فى العمل، وجئن خصيصاً ليسلمنها إلى المقر، مبدين سعادة مفرطة لمشاركتهن فى الحملة. يدهشه أن يتعب رجل كبير نفسه فيأتى له ليبلغه أنه وقع بالفعل على استمارة الحملة ويريد أن يتأكد أن الاستمارة وصلت إليه، فيطلب منه أن يبحث له عنها وسط الاستمارات الموجودة، يفرح بعدد المتطوعين فى طول البلاد وعرضها الذى يزيد يوماً بعد يوم، يسمح لخياله أن يحمله إلى يوم 30 يونيو المقبل، الذى حددته الحملة للاعتصام أمام قصر الاتحادية لمطالبة الرئيس بالرضوخ لإرادة الجماهير الموقعة، والاستجابة لآمالها.

صانع أحذية بإمبابة يأتى إلى وسط البلد لتسليم 5 استمارات.. وموظفات حكوميات يزرن المقر للمرة الأولى

بين استمارات الحملة يقف أمير فيصل، 48 سنة، موجه بالتربية والتعليم، يفرزها ويصنفها تبعاً لكل محافظة، متطوعاً بوقته لجمع التوقيعات على استمارة «تمرد»، يسكن فى الهرم، لكنه يسافر إلى الإسكندرية مسقط رأسه ليجمع التوقيعات هناك: «أنا وزوجتى بنتعاون فى جمع التوقيعات، وعندنا أمل إننا نسترد بلدنا مرة تانية من اللى خطفوها»، يرسم أمير خطة لمستقبل البلد بعد استعادتها: «هيكون فيه مجموعات شباب تتطوع فى كل المجالات، واحنا عندنا أفكار هتساعد البلد على إنها تتقدم وتبقى حاجة تانية».

بيد مرتعشة أفقدتها السنين الطويلة على ما يبدو ثباتها يمد الرجل الستينى يده باستمارات الحملة إلى أحد الشباب: «أنا جاى من المقطم مخصوص، طبعت الاستمارات على حسابى وما عنديش مانع أطبع تانى وأجمع توقيعات»، يلتقط الرجل أنفاسه وهو يتحدث: «باطلب من كل الناس اللى وقعوا معايا إنهم ينزلوا الشارع يوم 30 يونيو، واللى بيرفض يشارك باقوله إنزل حتى عشان تتفرج»، يأتى صوت أحد الشباب ساخراً: «أيوه يتفرج على فقرة المولوتوف والغاز المسيل للدموع».

يتواصل العمل داخل مقر الحملة؛ على جهاز كمبيوتر محمول يجلس أحد الشباب ليختار أحد أغانى الثورة تنطلق بعد ثوان لتشحن الموجودين، ينشط عمرو عبدالحميد، 39 سنة، سائق بهيئة النقل العام، فى عد استمارات الحملة، يتحدث عمرو عن صعوبة اكتشاف تكرار أسماء وسط التوقيعات فى عملية الفرز، ويقول إن اكتشاف ذلك لن يتم إلا باستخدام نظام تسجيل إلكترونى على الحاسب الآلى، مهمته تنحصر فى جمع التوقيعات على الاستمارات وفرزها فى المقر، وهو يقوم بكل ذلك متطوعاً: «أنا معلق استمارة (تمرد) عندى جوه الاتوبيس، واللى بيشوفها بييجى لوحده يطلب منى إنه يوقع عليها، الناس عندها وعى كبير ومش محتاجة اللى يوجهها»، عمرو تطوع فى الحملة منذ أول مايو، ساعتها طبع استمارات «تمرد» على نفقته الخاصة: «300 ورقة طبعتهم بـ45 جنيه، وده مبلغ مش قليل على واحد شغال فى هيئة النقل العام»، لكن بعد ذلك أصبح يحصل على الاستمارات من الحملة: «كل يوم بانزل بـ200 ورقة، فيه أيام باخلصهم كلهم، وأيام تانية بيفضل معايا عدد منهم، أنا مش بازهق، بالعكس عندى أمل إننا نعدل الصورة اللى كانت مقلوبة، ونخلى بلدنا أحسن».

إعلان - Ads إعلان - Ads شبكةعيونالإخبارية

DMC