أخبار عاجلة

طريق فاتن حمامة المسدود || بقلم: إبراهيم عيسى

طريق فاتن حمامة المسدود || بقلم: إبراهيم عيسى طريق فاتن حمامة المسدود || بقلم: إبراهيم عيسى

انشطر وجودى إلى نصفين، نصف تحت الضوء الباهر الذى أعمى عينَىّ، ونصف عشته على ضفة ترعة خلفها الحقول تظهر فى المشهد بيضاء برماديات خفيفة وشجرة وحيدة وأطياف خلفية، وفاتن حمامة وأنا ألاحقها بدراجة أهبط منها إليها. وأدركت أن وجودى التصق بمشهد فيلم «الطريق المسدود»، ها هى فاتن حمامة بجوارى جميلة ناضجة بشعرها الأسود وملامحها العذبة وشفتيها المرسومتين وعينيها الناعستين وأنفها الدقيق ونجوميتها الهادئة وردائها البسيط الأنيق وقامتها القصيرة وخطواتها الخجلة، وأتابعها كظلها فتلتفت على وشك التذمر.

- وبعد، لازم تروح وتذاكر.

وقفت محدقًا فيها بعشق لا قِبَلَ للعالمين بوصفه، ووصف لا محل لشرحه، وذوبان لا امتلاك لضبطه، وتفجر عواطف من الحنو والحب والإعجاب والانبهار والعبادة. كنت أنا الصبى الذى غرق فى عشقها ولاذ بها من الدنيا والحياة، وشعرت نحوها بحبى الأول، أول البدء، وبداية الخلق، وخلق التوحد، ووحدة التفرد، وتفرد المثال. مثال العشق على بوابات الجنة (يحرسها رضوان) والغيرة على بوابات النار (عليها تسعة عشر)، ولذا فقد كانت تقف بالدثار الصوفى والبنطال الشتوى، بينما يدى مثلجة على مقبض الدراجة. هى مشغولة بموعد شكرى سرحان بطلها ومحبوبها، وكل ما كانت ترجوه أن أكف أنا الصبى العاشق عن اللحاق بها وملازمة ظلها حتى تترك كفها لكفه، حضنها لحضنه، شفتيها لشفتيه، ولكننى إذ ألتصق بوجودها أمنعها عن حريتها فتضج بى وتبعدنى ساخطة غاضبة ثم تصرخ فىّ:

- يا ابنى اعرف بنات أخريات.. صاحب وأحِب، لا تتوقف عندى.. فلا تحبس نفسك فى عشق مستحيل، ولا تنظر إلى علاقتك بالبنات على أنها خطأ. مالك تعقد الدنيا لنفسك ولى؟.. أنا زهقت منك ومما تفعله، خلاص بتحبنى، لكن ليس لهذه الدرجة، ارحمنى وابتعد.

- لكننى أحبك كما لم يحبك أحد من قبل ومن بعد.. أعشق تسابيح عينيك، وألثم الهواء العابر على وجهك، وأحلم بك وأناديك، وأشعر الدنيا عند إصبعى حينما أراك، ويدق قلبى بعنف ويهتز وجدانى وتنخلع أوردتى، أليس هذا حبًّا؟ ألا يستحق هذا المثول والاستمرار؟

سقط المشهد برمته وخرجنا من مساحة الشاشة البيضاء إلى السواد حيث لا يرانا أحد، وتركنا الشاشة خالية إلا من الحقول والزروع والأطياف الخلفية. الجمهور يسأل الآن: أين أبطال الفيلم؟ وكانت فاتن حمامة قد قررت تلقينى درسها الأخير فى إمكانية انهيار الحب وطبيعية الفراق- فقالت وهى تخفض صوتها وتزن كلامها وتضم أصابعها منقبضة أمام صدرى:

- لا بد أن تملك إرادة أن تنسى.. وتتجاوز عذابك، لقد مررت أنا بعشرين تجربة حب ولكننى خرجت من فشلها بقوة، تعرف لماذا؟ لأننى واجهتها بالإرادة.. أنت لا تريد أن تخرج من محنتك.

صرخت أخيرًا..

- أية محنة؟ أنا لا أبكى من أجلك، من أنت؟ «فاتن حمامة»، وماذا يعنى؟ أنا أبكى لأجل هذا الرباط المقدس، الحب. تفك الأربطة وتدنس القداسة ويبث البرود بغضه فى العلاقات وتنسحق الوجوه سوداء أمامى، ويسود البياض تجاهى، وأراكم -كلكم- تضحكون منى وتخففون ألمى بماء النار. إنه لا شىء يستحق الحزن والبكاء، الإحباط والألم، التوعك، السوداوية، الاكتئاب. ماشى، أنتم أحرار، أنتم الأعلون لو كنتم تعلمون، لكننى حزين لا من أجلكم أبدًا، من أجلى أنا، كيف جئت هنا؟ ماذا تعلمت منكم؟.. نعم، أنا مركب ومعقد، لكننى أحب، أحبك جدًّا، لدرجة أننى بت أكره حبى..

ما أفدح الحب المكروه.

كان من المفترض أن أبكى، أن أهتز أو يحتبس صوتى كالعادة وتدمع عينى، فيشفق الآخرون على تهدج صوتى، وأشفق على نفسى من الفضيحة، لكننى لم أفعل، بل ألقيت الدراجة، دخلت الآن الشاشة ورآها الناس تسقط فى الترعة، وجريت حتى صعدت إلى كومة تراب رأيت وراءها فاتن حمامة فى حضن شكرى سرحان..

ماذا حدث؟ لا شىء.. رغم أن الجمهور التقط أخيرًا أنفاسه لما عرف مصير أبطاله الذين اختفوا عن الشاشة فجأة.

 

أونا