أخبار عاجلة

داعش (٢)

تبدأ الحكاية منذ القدم من فقهاء السوء فى كل زمان.. حارب (الكتبة) اليهود، وهم نساخ الشريعة اليهود ومفسروها الناموسيون الموكلون بتنفيذ وصايا الناموس، والفريسيون المتمسكون بحرفية الناموس فى التفسير، والصدوقيون، وهم طبقة الكهنة الأرستقراطية من اليهود، جميعهم حاربوا السيد المسيح، عليه السلام، حارب- أولئك الذين يقدسون الكتب أكثر من الله- كلمة الله ذاتها، وكانت هذه النوعية من الناس دائما هى التى جعلت الدين يهبط الدرجات ويتدنى فى محاولات دؤوبة (لدنيوة) الدين، إن جاز التعبير، وهو لن يجوز لغويا، لكنهم أجازوا ذلك حينما حكموا على السماوى بمعايير الدنيوى وآليات السوق.. كان السيد المسيح، عليه السلام، يقاوم هؤلاء الماديين بالروح، ثم جاء الإسلام وقضى على الضلالات والأوهام، وظهر الخوارج.. وهم أول من رفعوا كتاب الله فى وجه الله ذاته جل وعلا، إنها الفكرة المكررة، بذور داعش التاريخية فى كل عصر ومع كل دين وفكرة، تقديس التفاصيل والإجراءات والقشور.. تقديس الأسباب وطرح الروح والهدف خلف الظهور.. صار الفقهاء المتشددون الذين يحفظون القرآن يناقشون ويكفّرون من نزل القرآن فيهم، ولهم ولأجل خاطرهم صار من لا يعرفون من الدين إلا صحائف كُتب فيها كلام الله يتحدون ويجادلون وينكرون ويكفرون من نزل فى مدحهم هذا الكلام، ورُفعت المصاحف فى وجه سيدنا على بن أبى طالب، كرم الله وجهه.. داعش نشأت قديما كمنطق ووجهة نظر مع أحبار اليهود الذين حاربوا المسيح بالتوراة، ومع باباوات روما الذين حاربوا الإنسانية والعلم بالإنجيل، ومع خوارج ومتشددى الإسلام الذين حاربوا الله بكتاب الله.. هم فتنة كل عصر.. فكلما نزل على الناس دين ونور من الله ينقسم البشر إلى أصناف ثلاثة: متعبدين مؤمنين زاهدين صادقين، ومنكرين كافرين، وظاهريين متشددين إجرائيين مراقبين، ويحاول المراقبون أن يكفّروا المتعبدين الزاهدين والمنكرين الكافرين معا فى رغبة ملحة فى التسلط باسم الدين، إنها الرغبة فى الجلوس على دكة عمودية الدين، وكرسى وزارة الدين، وعرش حكم الدين، رغبة أكبر من التدين، وأعقد من الإيمان، وأكثر ظهورا من ابتسامة الشامت، ولو بذل أولئك الذين يفتشون فى ضمائر الناس وحقيقة إيمانهم ربع ذلك المجهود مع أنفسهم لإصلاحها لكانوا تقاة صالحين، يهتدى بصمتهم الخلق أكثر من صراخهم.

داعش ليست جديدة لكنها نشأت مع قابيل الذى فرض وصايته وسطوته وغلظته على أخيه الوديع الهادئ المطمئن، وترعرعت داعش فى بنى إسرائيل الذين أرادوا أن يلمسوا الله بأيديهم ويروه جهرا ويسمعوه بآذانهم حتى يصدقوا بوجوده، أرادوه جسدا له خوار، ولما نفد صبرهم وسقم خيالهم صنعوا عجلا وسجدوا له.. داعش قديمة كانت موجودة فى أرواح أولئك المتشددين فى الكنيسة فى روما وفى الإسكندرية، الذين حرقوا العلماء، وقتلوا كل من فكر أو أنار الطريق لفكرة تحرر الإنسان.. داعش فى الإسلام قديمة، ظهرت مع أولئك الأجلاف الذين رفعوا المصاحف على أسنة الرماح فى وجه ولى الله وصفوة خلقه، وقتلوه بيد أحدهم وهو ساجد لله.. داعش منطق سيطر على العقول حتى التى تدعى التمدين والحضارة.. نظرة سريعة على ملامح وجه بوش الابن كفيلة بالتعرف على صفات ومعالم الوجه الداعشى الكلاسيكى.. ليس شرطا أن يكون الداعشى مسلما متطرفا ضيق الطبع والأفق، لكنه أيضا أمريكى قوى، وأوروبى مهذب، وصينى مجتهد، فداعش منطق ووجهة نظر أصيلة فى العالم وقديمة فى التاريخ، وأعداء الله ليسوا فقط الذين ينكرون وجوده، لكنهم أيضا أولئك الذين يدعون احتكار فهمهم لفكرة الله، واحتقار باقى عبيد الله، وتكفير كل من هو خارج فكرتهم بحجة أنهم الأعلم والأفضل والأصلح، أعداء الله هم أولئك الذين جعلوا بالباطل من أنفسهم لسان الله ويده.

وتصل الفكرة الداعشية ذروتها فى الإسلام عند محاولة قلة من المسلمين فرض مذهبهم وفقههم وتصورهم الدينى على مليار مسلم وأكثر، وإنكار باقى المذاهب والآراء والتصورات، فيقدمون إمامهم على باقى رجال الأمة وثقاتها، ويصفون رجلهم بشيخ الإسلام، (وهو الذى كفّره معظم أهل الدين المعتبرين فى عصره)، ويقدمون أقواله على أقوال الجميع، وتصير أقواله مقدسة، وأن كل قول مردود إلا قوله فى جريمة تجريف تاريخية للدين الإسلامى، وإنكار لكل القيم الروحية التى رسخها مرونة وتنوع مذاقات وتعدد ألوان ومشارب رجال ونساء ذوى أرواح كبيرة حفظت هذا الدين وفتحت أبوابه وتحققت به وتحقق بها.. داعش فكرة قاومها كل الأنبياء، لأن رجل دين واحدا متشددا لنفسه وفاسدا قلبه أسوأ على الدين من كل عدو، ويتسم الداعشى بإنكار الأصل، فينكر اليهودى أن الذى ظهر فى الناصرة منذ ألفى عام هو السيد المسيح، كما ينكر المسلم المتصلب فضل الله على خلقه، ويتهم من خالفه التصور بالكفر، ويكاد المتشددون يحذفون سورا من القرآن تتحدث عن عباد الله المكرمين وكراماتهم وكسرهم العادات كسورة الكهف مثلا، لمجرد أن عقله الصغير لا يرى إلا ما اعتاد أن يراه، فالداعشية منطق ووجهة نظر تكمن فى تقديم الآليات على الهدف، واعتبار الظاهر من الأمور أكثر من حقيقتها.. والداعشى الذى يقترب الآن من التواجد بقوة على ساحة الوجود العالمى هو طريقة تفكير ومنهج بغض النظر عن الدين والجنسية، فالذى كفّر العالم الفلكى الفيلسوف الفيزيائى جاليليو جاليلى واتهمه بالهرطقة وسجنه هو داعشى المنطق، وإن كان الاسم الكنيسة الكاثوليكية ومحاكم التفتيش، والذى كفّر أهل العرفان من أئمة التصوف داعشى، والذى أحرق روما داعشى المنطق والهوى، وإن كان اسمه العلامة أو شيخ الإسلام، والذى اقتحم العراق وغزاها سنة ٢٠٠٣ وأسقط عاصمتها بحجة البحث عن أسلحة كيماوية هو داعشى حتى لو كان اسمه الولايات المتحدة الأمريكية.

تتغير الأسماء ويظل المسمى واحدا، مسمى لطريقة تفكير غليظة تقنن وتحكم وتنفذ وفق زاوية واحدة، زاوية التطرف والمغالاة والأحادية وإنكار الآخر واعتقاد الأفضلية.. المتطرفون من كل حدب وصوب وجنس ولون ودين يحاربون فى وقت واحد ضد قوى الإيمان الحقيقى والتسامح والروحانية والتفاهم والتعدد والحرية والاختيار.. ويظل الاعتدال هو السلاح الوحيد المتاح للمقاومة.. مقاومة التشدد باللين، والتحيز بالاتساع، والريموت كنترول الإعلامى بالصدق والتحرر.. فلكل داعش دواء، وستبقى تعاليم السيد المسيح أقوى وأعظم من صرخات الفريسيين والكتبة والصدوقيين، وسيظل سيدنا على بن أبى طالب، كرم الله وجهه، أصدق من أولئك الذين وقفوا فى وجهه وأعظم، حتى لو رفعوا أمامه على أسنة الرماح كتاب الله.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة