أخبار عاجلة

كائن عنيف

الإنسان كائن متجبر منذ الأزل، ولقد تعلم باكراً ألا يكتفى بالحلال الطيب من المأكولات التى تطرحها الأرض والتى تملأ الحقول والأشجار ومضى ينافس السباع والضوارى فى أكل لحوم الكائنات الأخرى. وإذا كان الأسد لا يستطيع لأسباب جينية أن يأكل الكرنب أو القلقاس، فإن الإنسان لا تقهره طبيعته وتدفعه رغماً عنه لتناول اللحوم، وإنما بإمكانه أن يتصرف على نحو محترم ويحفظ على مخلوقات الله حياتها ويكتفى بتناول الخضر والفاكهة إذا أراد.

لكن الإنسان عندما قرر أن يستبيح أكل المخلوقات الأخرى فإن مخاوفه النفسية من الضوارى المنافسة له فى الوحشية ربما دفعته للابتعاد عن أكل النمور والذئاب والضباع التى ربما تصرعه وتلتهمه، بينما يحاول أن يخضعها لسكّينة!.. اتجه الإنسان لأكل الحيوانات الضعيفة التى لا تستطيع الدفاع عن نفسها وتحلم بالعيش فى سلام ولا تريد أن تعتدى على أحد، أو أن يعتدى عليها أحد، فاتخذ من الغزلان والحملان والبط والأوز والدجاج والأرانب والحمام غذاء شهياً له. وربما كان طيب لحم الكائنات المسالمة هو ما أغرى الإنسان باتخاذها غذاءه الأساسى بعد أن جرب- على مضض- لحم الوحوش الكواسر فلم يجده طيباً.. وربما أن الغدر الذى يميز هذه الكائنات قد طبع مذاقها بطعم الويل!

وعلى الرغم من اعتياد الإنسان التهام الحيوانات التى تعيش على الحَب وتأكل الثمار والمزروعات دون الحيوانات التى تعيش على افتراس بعضها البعض فإنه استثنى الحمار من المجزرة ولم يتعود تناوله. وقد فسر البعض هذا الموقف بأن احتياج الإنسان للحمار فى الأشغال الشاقة واعتماده عليه فى أعمال النقل قد أنجاه من المذبحة، ولكن هذا القول لا يصمد أمام استباحة نفس الإنسان للبقرة وذبحه لها على الرغم مما تقدمه له من خدمات فى الزراعة مثل درس الحبوب وتدوير الساقية.

لا يتبقى فى رأيى سبب لإحجام الإنسان عن طبخ الحمار سوى عدم اليقين بأن هذا الحيوان مسالم ونبيل.. وربما كانت أذناه الطويلتان مع صوته المنكر سبباً فى إشاعة تصورات حول كونه غداراً وعنيفاً وأن ركلته مميتة.. ولعل الجهل بحقيقة الحمار ككائن رقيق هو ما جعل الإنسان العنيف يحترمه- على غير أساس- فالإنسان بتكوينه لا يحترم غير الكائنات الشرسة بينما يستخف بالأخرى التى لا تحاول إيذاءه!. ومع هذا فإننا نلاحظ أن نفس الإنسان الذى يحفظ للحمار حياته ولا يأكله يبادر بإهدار نفس الحياة فيذبح الحمير يومياً ويقدمها طعاماً للأسود والنمور فى السيرك وحديقة الحيوان، ولا أفهم لماذا لا يطعمها لحم الأبقار أو الماعز!

عموماً.. التفكير فى هذه الأمور لن يصل بنا لأى نتيجة لأن التناقض فى سلوك الإنسان هو الأساس بينما الاستقامة والاتساق هى أشياء عارضة.. لكن نستطيع بكل راحة ضمير ودون تجن أو افتراء أن نقرر أن الإنسان هو كائن وغد وعنيف بامتياز!

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة