أخبار عاجلة

مبادرات لا تحل أزمة سد النهضة

بعد فشل المباحثات الفنية بين والسودان وإثيوبيا والتى كانت تهدف إلى إعادة واستكمال الدراسات الإنشائية والبيئية والهيدرولوجية والاقتصادية والاجتماعية لسد النهضة، تردد فى مصر خلال الأيام القليلة الماضية طرح قديم تم تجديده لحل أزمة هذا السد. ويتمثل هذا الحل فى أن تقبل مصر بأن السد أصبح حقيقة واقعة، وأنه من الأفضل لمصر التعاون والتوافق مع إثيوبيا حول عدد سنوات ملء بحيرة السد لمحاولة تقليل آثاره الضارة بمصر. وكان هذا الطرح قد اقترحته إثيوبيا منذ فترة قصيرة وبدعم من الغرب بحجة أنه تم الانتهاء من أكثر من 30% من بنائه. وهذه المبادرة يتبناها بعض المصريين نتيجة عدم إدراكهم الكافى بهندسة السدود وتداعياتها المائية. إن جسامة تأثير السد الإثيوبى على مصر تأتى أساسا من حجمه التخزينى الضخم الذى يبلغ 74 مليار متر مكعب بالإضافة الى فواقد التخزين الأولية عن طريق تسرب المياه المخزنة إلى باطن الأرض والتى تقدر بحوالى 20-25 مليار متر مكعب. أى أن إجمالى كميات المياه التى سوف يحجزها هذا السد مع بداية كامل تشغيله تقدر بحوالى 90-95 مليار متر مكعب. وهذه الكميات الهائلة من المياه التى سوف تحجز أمام سد النهضة كانت من المفروض أن تحجز أمام السد العالى فى مصر.

والسد العالى سعته التصميمية الحية (الفعالة) تبلغ 90 مليار متر مكعب، وهى التى تستخدم لتخزين المياه الزائدة عن حصة مصر فى سنوات الفيضان العالية لاستخدامها فى سنوات الفيضان المنخفضة لكى تزيد حصة مصر المائية من 48 مليار متر مكعب سنويا قبل بناء السد العالى إلى 55.5 مليار متر مكعب، بزيادة مقدارها 7.5 مليار متر مكعب سنويا. ومع بداية حجز المياه أمام سد النهضة سيقل إيراد النهر لمصر مما يتطلب استنزاف كمية مماثلة من مخزون السد العالى للإيفاء بالاحتياجات المائية للبلاد، وسيستمر سيناريو استنزاف مخزون السد العالى سنة بعد أخرى مع استمرار التخزين أمام سد النهضة حتى يتم تفريغ المخزون الحى للسد العالى تماما مع قرب امتلاء سد النهضة بالمياه. إن الهدف من سد النهضة هو نقل مخزون المياه من أمام السد العالى إلى أمام سد النهضة، وتوليد الكهرباء من سد النهضة وإلغاء أو تقليص كهرباء السد العالى وأن تعود حصة مصر المائية السنوية إلى ما كانت عليه قبل بناء السد العالى أى 48 مليار متر مكعب، وبالتالى إفشال مشروع السد العالى الذى نجحت مصر فى إنشائه دون رغبة إثيوبيا والغرب فى ستينات القرن الماضى. والحقيقة أن هذا الطرح كان يفكر فيها المسؤولون المصريون فى فترة وزارة قنديل رغم تحذيراتنا الشخصية المتكررة لها بأن هذا النهج خاطئ وضار بمصر وأمنها القومى. وقامت وزارة الموارد المائية والرى أثناء الفترة 2012-2013 بتكليف خبير أمريكى مشهور بتقييم هذه المبادرة وتحليل نتائجها. وقد وجد الخبير الأمريكى أنه حتى إذا تم ملء السد على 25-30 عاما فى فترات الجفاف أو على 15-20 عاما إذا كان إيراد النهر متوسطا أثناء سنوات الملء، فإنه سيكون هناك عجز مائى فى حصة مصر يصل إلى 7 مليارات متر مكعب سنويا، وما لذلك من تداعيات على كهرباء السد العالى وخزان أسوان. وهذه الكمية من المياه هى نفسها التى أضافها السد العالى لحصة مصر المائية، مصادفة غريبة!! أن التخزين على سنوات أطول ستؤدى إلى تأجيل الآثار الكارثية لعدة سنوات ولن تؤدى إلى تفادى هذه التداعيات. وجدير بالذكر أن إثيوبيا لن توافق على هذه الفترات الطويلة لملء السد لأنها ستؤدى إلى عدم جدوى السد اقتصاديا، بل سيكون من الأفضل لإثيوبيا اقتصاديا وكهربائيا بناء سدا أصغر وملئه فى سنوات أقل.

والمبادرة الثانية والمطروحة من قبل بعض المختصين والمسؤولين المصريين هو تقليل حجم سد النهضة من 74 مليار متر مكعب إلى 14.5 مليار متر مكعب كما كان التصميم الأصلى للسد وذلك قبل قيام ثورة يناير المصرية. وقد رفضت إثيوبيا هذه المبادرة لأنها ترى أن قبولها لهذه المبادرة يعتبر انتصارا سياسيا لمصر مما يقوض أحد الأهداف الرئيسية للسد وهو كسر الإرادة السياسية لمصر، ويؤدى أيضا إلى تراجع كبير لشعبية الإثيوبية داخليا. والسبب الفنى والاقتصادى لرفض إثيوبيا لهذه المبادرة أن تصميم السد بهذه السعة الصغيرة كان يرتبط ببناء ثلاثة سدود أخرى قبله لحجز المواد الرسوبية وأيضا لتوليد الكهرباء، وكانت مصر قد رفضت عام 2010 هذا المخطط للسدود الإثيوبية الأربعة. وفى حالة بناء هذا السد بسعته المحدودة (14.5 مليار متر مكعب) مع عدم بناء السدود الثلاثة الأخرى، سيمتلئ هذا السد بالمواد الرسوبية فى سنوات قليلة مما يقلل من عمره الافتراضى والكهرباء المولدة وجدوى السد الاقتصادية، وبطبيعة الحال لن تقبل مصر ببناء السدود الثلاثة الأخرى.

إن حل هذه الأزمة يتطلب فتحا شاملا لملف مياه النيل مع إثيوبيا والتوصل إلى اتفاقية شاملة مع إثيوبيا لتقليل سعة سد النهضة وذلك فى إطار تعاونى متكامل لدول حوض النيل الشرقى بما فيها جنوب السودان للاستغلال الأمثل لمياه النهر واحترام الحصص المائية القائمة والتعاون فى العمل على زيادة إيراد النهر لصالح الجميع. وقد تشمل المبادرة دولة أريتريا أيضا وهى إحدى دول حوض النيل بهدف تحقيق استقرار حقيقى لهذه المنطقة الملتهبة والمهمة من أفريقيا. إن نجاح أى مبادرة لحل هذه القضية الشائكة يلزمها تحقيق نصر سياسى لكل من الدولتين مصر وإثيوبيا وتحقيق استقرارا لدول الحوض الشرقى، وذلك فى إطار القواعد الأساسية للقانون الدولى وأهمها قاعدة عدم الإضرار. وإذا نجحت مصر فى تحقيق هذا الاتفاق على مستوى الحوض الشرقى فسيكون الاتفاق مع دول الهضبة الاستوائية بعد ذلك أيسر كثيرا، خاصة أن معظم مشاريعهم المائية المعلنة لا تسبب ضررا مؤثرا بحصة مصر المائية.

*وزير الموارد المائية والرى الأسبق
>

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة