أخبار عاجلة

إبراهيم كامل

أذكر قبل عدة أعوام، وفى أعقاب ساعة كاملة من حديثه المفعم بالمرارة عن معاناة المستثمرين فى . قلت لصديقى رجل الأعمال: ما الذى يجبرك على الاستمرار؟ يمكن أن تجمع كل خلجاتك وتنتقى دولة أكثر مرونة- وما أكثرها- وهناك سوف تصبح آمناً على أموالك وممتلكاتك. ناهيك عما تقدمه هذه الدول من تسهيلات فى هذا الشأن.

قلت ذلك لأنى بعد كل ما سمعته يجب أن أكون مخلص النصيحة لصديقى. لو كنت مكانه بالفعل لفعلت ذلك. لا يمكن أن أظل مهددا طوال الوقت بتأميم أو باستيلاء أو ما شابه ذلك كما يحلو للبعض أن يردد. لا يمكن أن أكون فى نظر المسؤولين مشبوها إلى أن أثبت العكس. لا يمكن أن أظل طوال الوقت فى موقف المدافع. أدافع عن سمعتى تارة. عن مصدر الأموال تارة أخرى. عن الربح تارة ثالثة. اليوم استدعاء للنيابة العامة. غداً قاضى التحقيق. بعد غد الكسب غير المشروع. ثم اتهامات الضرائب. التأمينات. المحافظة. إلى أن يصل الأمر إلى شكاوى كيدية. وشكاوى غلاوية. وتصفية الحسابات.

المهم أن الحديث بهذه الوتيرة لم يأتِ على هوى صديقى الذى يتعامل مع الموضوع بطريقة مختلفة. هو يرى فى الاستثمار بالداخل عملا من أعمال الوطنية. يرى أنه يرد الجميل لوطن ترعرع فيه ويحمل ذكرياته. بحلوها ومرها. حدثنى عن قصص الحب فى زمن الجامعة. قصص غرامه للنيل. عشقه لشوارع وسط العاصمة. أم كلثوم. عبدالحليم. الأفلام. المسرحيات. الممثلين. باختصار. الرجل ولهان بالوطن. قلت: عليك إذن أن تتحمل. انتهى.

مضت السنون. وجدته يتصل بالأمس. علمت أن زوجة صديقى الدكتور إبراهيم كامل توفيت. قلت: البقاء لله. قال: ليس ذلك هو الموضوع. قلت: هل هناك ما هو أفجع من الموت؟ قال: إبراهيم كامل لم يرها منذ عام كانت خلالها تعالج فى أمريكا. لم يستطع السفر لزيارتها هو أو أى من أولادها. للأسف هم ممنوعون من السفر.

على الفور تساءلت: لماذا؟ كانت الإجابة غريبة. كان إبراهيم كامل يحب الرئيس مبارك. والرئيس مبارك يحب إبراهيم كامل. أى اتهامات بعد ذلك هى فى الحقيقة تتمحور حول هذا الموضوع. معلوماتى عن إبراهيم كامل أنه رجل أعمال دولى لم تكن لديه أى امتيازات ينفرد بها. يستثمر ثم يكسب ويخسر. يتبع التقاليد التجارية المتبعة فى أنحاء العالم. جانبه الشخصى يعكس كرما وشهامة. مبادرا للوقوف مع أى قضية يعتقد فيها. قضية عامة أو قضية شخص ضعيف أو محتاج. بادر بمشروع مساكن زينهم كقدوة للقضاء على العشوائيات. احتضن رياضيين ليصل بهم إلى العالمية. أما الفقيدة فكانت سيدة أقرب ما تكون للكمال. أما عن الظروف التى مر بها هو وأولاده وأمهم تحتضر عبر البحار فالقلوب معه. رحمة الله ستعوضهم عن القلوب التى لم تر أن الرحمة فوق العدل. هم وجدوا مجرد التحقيقات فوق الرحمة.

قلت فى نفسى: هذه الأمور يجب أن تجد حلولا سريعة. بالتأكيد وبدون أن أسأل سوف نجد أن هذا الرجل المكلوم قد تقدم مرات ومرات بطلبات من أجل زيارة زوجته. دون جدوى. بالتأكيد هناك غيره الكثير من هذه النماذج التى أراها فى حقيقة الأمر تجاوزات فى حق المواطنة. بل والإنسانية ككل.

المهم. سألت صديقى المحترم: أين سيكون العزاء. فكانت الإجابة غير المتوقعة. ليس هذا هو الموضوع الذى طلبتك للتحدث فيه. طلبتك لأخبرك بأننى اقتنعت الآن فقط بكلامك لى قبل ثلاثة أعوام. لقد قررت الهجرة، بكل أولادى ومتعلقاتى.

newton_almasry@yahoo.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة