أخبار عاجلة

صياد بلا طُعم (حكاية الإمام المهدي -1)

خلال أيام تحل الذكرى الـ 170 لهذا الرجل الذي يشبه أبطال الأساطير القديمة، فقد شاعت عنه القصص والحكايات المثيرة، ووصلت إلى حد الخيال، وربما الشطط أحيانا، لكن العجيب في الأمر أن الناس كانت تصدقها، وترددها في حب واقتناع، بل وتتغنى بها عبر الأجيال، كما يتغنى الآن المطرب السوداني الشهير محمد وردي الذي عنى له محمد منير «قلبي مساكن شعبية

«يغني ودري عن معركة كرري قائلا:

كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية

خاضوا اللهيب وشتتوا شمل الطغاة الباغية

ما لان فرسان لنا، بل فر جمع الطاغية

والنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانية«

إنه محمد أحمد فحل عبدالله الشهير بـ«الإمام المهدي» الذي بالغ أهل السودان في التأكيد على التزامه بالدين والأخلاق حتى شاع بينهم أنه لم يكن يضع طعما في صنارة الصيد حتى لا «يخدع» الأسماك، فيما رأى آخرون أن التزامه هذا لم يمنعه من «اصطياد شعب بأكمله»!

هكذا دائما، تفعل الأساطير فعلتها، وتترك لنا التناقضات المحيرة والانحيازات المتطرفة، فنجد فريقا كبيرا من السودانيين يتغنون بأمجاد الثورة المهدية التي هزمت جيوش الامبراطورية البريطانية، وفريقا آخر يتحدث عن خطورة الدجل والتغييب الديني، في الوقت الذي تتواصل فيه قصة المهدي حتى الآن بصورة معاصرة من خلال الملايين من مريديه، ومن خلال حزب سياسي، ورئيس وزراء، وطرق ومساجد وجمعيات، ودلائل كثيرة تؤكد أن ذلك الصوفي الثائر الذي غير وجه السودان، لم يكن مجرد حالة فردية عابرة، لكنه مايزال من وجهة نظر الكثيرين أبوالوطنية السودانية وواضع أسس الدولة الحديثة فيها، والزعيم الشعبي الوحيد تقريبا الذي عاش نصيرا للفقراء يلبس المرقع من الثياب ويأكل الخشن من الطعام.

لكن كيف استطاع ذلك السوداني الفقير أن يهزم الجنرال جوردون، بل ويهزم الزمن ايضا، فيقفز من عصره في القرن التاسع عشر ليظل مؤثرا في القرن الـ21، على الرغم من حياته القصيرة التي لم تكمل نصف القرن؟

الإجابة على هذا السؤال، تقتضي التعرف على سيرة صاحب الثورة المهدية، ليس للتعرف على حياة فرد، ولكن حياة أمة، لأننا لن نفهم السودان الشقيق ومشاكله، وطبيعة علاقته بنا إلا غذا فهمنا قصة هذا الرجل، وما تبعها من تيارات سياسية ونفسية.

المعلومات المسجلة تقول إن محمد بن أحمد ولد في جزيرة «لبب» قرب مدينة دنقلا في 12 اغسطس عام 1844م لأسرة تعمل في صناعة المراكب، (هناك مصادر أخرى تتحدث عن مولده في جزيرة «نبت» أو «حنك»، لكن على كل حال كل هذه الأماكن قرب مدينة دنقلا)

وقد شاع أنه ينتمي لاسرة من آل بيت الرسول صل الله عليه وسلم، فنسبه لأبيه يصل إلى على بن أبي طالب كرم الله وجهه، ونسبه لأمه

السيدة زينب بنت نصر يصل إلى عبدعبدالمطلب عم النبي صل الله عليه وسلم.

وقد وردت شجرة العائلة بالتفصيل في كتاب «تبصرة وتذكرة» للدكتور موسى حامد أستاذ الجراحة بجامعة جوبا بالسودان، كما ذكر الإمام المهدي ذلك بنفسه في أحد منشوراته قائلا: وليكن معلوما لديكم اني من نسل رسول الله صل الله عليه وسلم (...) ولي نسبة إلى الحسين رضي الله عنه.

هذا الأمر منتشر في كثير من العائلات، لكن تاثيراته على الأفراد هي التي تختلف، فقد حدثت هجرات كثيرة من القبائل العربية لاسباب محتلفة، وشاع «سماعيا» أن أسرة المهدي هاجرت ضمن العلويين لما تعاظم عليهم بطش الحجاج بن يوسف الثقفي في عهد عبدالملك بن مروان وابنه الوليد، فقصدو ، وأقاموا في الفسطاط فترة، وأحد افراد هذه العائلة له مقام في «باب الوزير» قرب القلعة، وهو ضريح الشيخ نجم الدين عثمان، الذي يزوره سودانيون ومصريون للتبرك والدعاء.

وبعد سنوات واصلت الأسرة مسيرتها جنوبا وأقام بعضهم في «كشتمة» قرب أسوان، واستمر الباقي في الترحال حتى وصلوا دنقلا شمال السودان، وبينهم نصر الدين بن عبدالكريم جد الإمام المهدي، واستوطنوا هناك ثلاث جزر في النيل هي «لبب»، و«ضرار»، و«آب تركي»، وعرفت هذه الجزر، وما زالت باسم جزائر الأشراف، أو جزر الأشراف، وهي تتضمن حتى الآن آثار البيت الذي ولد فيه، ومسجد جده الفقيه حاج شريف وخلوته وضريحه، ويمكن للزائر مشاهد القباب العالية التي تميز جزرالأشراف، ويزورها الناس للتبرك والدعاء.

كان الجد الحاج شريف هو الأساس الذي بنيت عليه أسطورة المهدي، فقد كان فقيها ذاع صيته بين المريدين وطلاب العلم والأتباع وذوي الحاجات، وكان الناس يتوافدون إليه من كل مكان، وقد عاش هذا الرجل عمرا مديدا، وأنجب عشرة من الأولاد، أنجب كل واحد منهم عشرة أيضا، فصار يقال له «أبوالعشرة جد المائة»، لكن واحدا فقط من أحفاد المائة استطاع أن يؤثر بقوة على مصير ومستقبل السودان، بل أقول بكل ثقة: ومصر أيضا.

كل عام وانتم بخير، ونكمل في مقال الخميس بإذن الله

جمال الجمل

tamahi@hotmail.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة