موسى وعيسى.. لا نفرق بين أحدٍ منهما

اللغز

"للمرة الثانية تصابون بخيبة أمل٬ عشناها ثلاثين عاما وكنتم تسمونها استقرارا".

لم يستوعبوا درس الاستفتاء على الدستور٬ ثمة جيل تجاوز بأكمله مرحلة الحاكم الذي يربي الشعب ويطعمه ويسقيه٬ "مبارك" الذي أطعمهم من جوع و"" الذي آمنهم من خوف- عنده سواء٬ عاين الموت وأغلبه لم يبلغ الثلاثين.. فلم يجزع٬ وبنيت حوله الزنازين التي صنعت نجم والأبنودي وشاهندة وهيكل فدفع ضريبتها طوعا وكرها.. ولم نخضع٬ جيل جدع.

عن جيل يشبه هذا الجيل قال نزار قباني:

.. "بهروا الدنيا

وما في يدهم إلا الحجارة

وأضاءوا كالقناديل

وجاءوا كالبشارة

قاوموا

وانفجروا

واستشهدوا

وبقينا دببا قطبية

صفحت أجسادها ضد الحرارة

قاتلوا عنا إلى أن قتلوا

وبقينا في مقاهينا

كبصاق المحارة"

الخلطة

لسوء طالع الرئيس القادم مهما كان نوع زيه أو لون خلفيته عسكرية كانت أو يسارية٬ فإن هذا الجيل يحب أحيانا أن يسير بلحية "غير مهذبة" أو شعر "طليق" لا يصل إليه مقص الحلاق في مواعيد محددة من الشهر٬ لكنه أبدا لا يمتثل لتعليمات الأمن حتى في قصة الشعر كما أحمد موسى٬ لا يضطر إلى تغليف بطنه المنتفخ بغازات التحول والتلون ورفع بنطاله المنسدل عن عورته بحمالات "لاري كينج"٬ جيل لا يرى إبراهيم عيسى كما يحب أن يراه الناس٬ مزيج من نبيين٬ الأول حاولوا حرقه فنجاه الله٬ والثاني حاولوا قتله فرفعه الله إليه٬ ولكن هذا الجيل فطن مبكرا إلى "الدور"٬ لم يؤمنوا بموسى ولم يتبعوا عيسى٬ لا تخيفهم عصا موسى وثعبانه الأمنى٬ ولا تجذبهم معجزات عيسى مؤيد الإخوان ومعارضهم٬ شتام مبارك وممتدحه٬ معارض السيسي ومؤيده.. أو كما قال عن نفسه "ماذا أقول بعد كل ما قيل وقد قلته.. هكذا كذلك".

"..لا تعودوا لكتاباتنا ولا تقرأونا

نحن آباؤكم

فلا تشبهونا

نحن أصنامكم

فلا تعبدونا..

نتعاطى القات السياسي

والقمع

ونبني مقابرا

وسجونا

حررونا من عقدة الخوف فينا

واطردوا من رؤوسنا الأفيونا.."

جيل لم يغفر لـ "يسري فودة" صمته وتلعثمه في التمرد فأعطاه ظهره وانصرف عنه٬ وعندما وجد كاتبا "مرتدا" عن ثورة ٢٥ يناير يصفها بالنكسة والوكسة٬ تركه ليتعلم ويفهم من درس ٢٦ و٢٧مايو عله يتوب٬ لا مقالات "اللامؤاخذة الكردوسية" أفلحت٬ ولا الأوركسترا التي عزفت "تسلم الأيادي" و "بشرة خير" حشدت. جيل لا يقبل بأنصاف الرؤساء أو أشباه المعارضين أو نخبة منتخبة من فراغ وتستحدث من العدم.

بعد أربع سنوات من الآن٬ وفي ليلة أقل جمالا من هذه٬ ستجلسون في قاعة المؤتمرات متأنقين في المقاعد الخلفية ترددون مع الجوقة "لا هيديني ولا يرقيني ولا في مصلحة بينه وبيني.." ونحن في الخارج نهتف: "احنا الصوت لما تحبوا الدنيا سكوت".

"لا تبالوا بإذاعاتنا ولا تسمعونا..

اضربوا

اضربوا بكل قواكم

واحزموا أمركم ولا تسألونا..

نحن أهل الحساب والجمع والطرح

فخوضوا حروبكم واتركونا

قد لزمنا جحورنا وطلبنا منكم

أن تقاتلوا التنين

قد صغرنا أمامكم ألف قرن

وكبرتم خلال شهر قرونا."

العقدة

على نفس المنوال٬ ستنقضي السنوات الثماني٬ وسيبدأ ما تبقى من رفات "الجيل المعجزة" في ترديد الأسطورة "من يصلح لحكم بعد السيسي؟"٬ وستأتي الإجابة الخارقة: النساء اللائي نزلن ورقصن واحتضنّ صوره٬ سيفعلن خطيئة أسلافهن٬ في بداية عام ١٩٨٠ تقدمت البرلمانية فايدة كامل بمقترح لتعديل المادة ٧٧ من الدستور ليسمح للرئيس السادات المنتصر ـ رغم تراجع شعبيته في هذه الفترة ـ بالبقاء في الحكم مدى الحياة٬ وانقلبت قاعة مجلس الشعب بالغناء والزغاريد٬ فما بالك بالسيسي ومن حوله نساء مبررات٬ ومعارضة موالية٬ ومؤيدون أغلبهم منتفعون وإعلام يرجع طوعا إلى الخلف.. لقد وقعنا في الفخ.

SputnikNews