لو جامد.. افهم الكلمتين دول!

لا تختار اليوم مستقبلها، الموضوع أبسط من ذلك، لأن المستقبل ليس داخل الصندوق، المستقبل في الشارع، ينمو في قلب الحياة اليومية المتدقفة، وليس في مواسم الانتخابات، لذلك أحب أن أقول ببساطة إن نتيجة هذه الانتخابات الرئاسية ليست كارثية كما كان الحال في 2012، لأن مباراة اليوم ودية بين فريقين من الدولة المدنية، والحديث ليس عن الهدف، بل عن الطريق وسرعة التحرك نحو المستقبل، ولذلك فإن الأداء بالنسبة لي أهم من النتيجة.

وأوضح للمرة العاشرة أنني اعترضت على ترشح دون انتقاص لمكانته واحترامي لدوره ودور المؤسسة العسكرية، بل أعتبر فوزه بالانتخابات انتصارا (نفسيا) مقبولا لجيلي وللأجيال السابقة التي تربت تحت راية الانتماء لثورة يوليو، لكنني أخشى (عقليا وسياسيا) أن يكون انتصار جيلي، هزيمة لجيل أولادي والأجيال القادمة التي تحمل وعيا جديدا لا ينبغي أن يظل أسيرا لمفاهيم الخمسينيات والستينيات، فأنا لا أستطيع أن أقنع ابني بأن يعيش ظروف زمني القديم، ولا أرضى له أن يركب سيارة قردة، ويتعامل مع حلاق الصحة، ويتجنب الكومبيوتر والموبايل والمترو، ومكتسبات الحرية الفردية، وثورة الاتصالات.. (ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم).

الزمن يتقدم وتتطور معه المفاهيم والمنجزات، وبالنسبة لي كنت ومازلت اعتبر الجيش صمام أمن مصر، وحامي شرعية ثورة يوليو (شرعية التحول من الملكية إلى الجمهورية)، وهي تعني أن مصر لم تعد عزبة يملكها أولاد الجندي الألباني محمد علي، بل صارت ملكا مستحقا للشعب بضمانة من «آلة قوة» مصنوعة بعقول وسواعد الشعب نفسه.

لا مجال إذن لمزايدات سياسية، ومشاحنات إعلامية تخلط الأمور والمواقف، فنحن عندما نستهدف الجديد، ونطالب بابتعاد الجيش عن الحكم، فإن هذا لايعني موقفا مغايرا من الجيش، بالعكس، يعني انتصارا لأسلوب تحدث الجيش في التلسح والمفاهيم وطبيعة المهام، وأنا ممن يرددون دوما، أن المؤسسة العسكرية في مصر، هي أقل المؤسسات فسادا، وأكثرها تدريبا وتطورا، وارتباطا بأحدث المفاهيم في العالم، من خلال تركيزها في البعثات الإدارية، ومناورات التدريب، ومراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية، وفهم طبيعة المرحلة، والتماشي مع تطور الدور الاقتصادي والاجتماعي والأمني للجيوش في أزمنة السلم، ولذلك كان من المحزن أن أوافق على التضحية بهذا التصور المتقدم، وأهلل لعودة مفاهيم 1954، كنت أتمنى أن يقوم حارس الشرعية بدوره في 30 يونيو انتصارا لإرادة الشعب، ولكن من دون أن يفقد بالضرورة المكتسبات التي حصل عليها مع الزمن، ويشوه الصورة التي وصل إليها باعتباره جيشا عصريا يتعامل بأرقى المفاهيم التي تقوم عليها الجيوش في العالم المتقدم.

لا خلاف إذن مع خارطة المستقبل، الخلاف في الدرجة والسرعة والتفاصيل، وقد كتبت كثيرا في هذا، لكن ضجيج الانتخابات، وطبيعة موجات الدعاية غالبا ما تسيطر على أي تفكير عقلاني، فالكل مشغول بالتحريش والتعبئة، وحساب المواقف بطريقة حادة (مع أو ضد)، لكن في كل الأحوال يجب ألا نعالج الخطأ بخطيئة، ويجب ألا نشكك في اختيار الشعب مهما جاءت النتائج، فلا وصاية على الشعب حتى لو أخطأ، وقد دافعت عن ذلك من منطلق أن الشعب هو مصدر السلطات، وصاحب الحق الوحيد في تقرير مصيره، واختيار حكامه، وقبل أن تندلع مظاهرات يناير بشهرين كاملين كتبت مقالا بعنوان «تحب تعيش فى مصر الجديدة؟» قلت فيه: «أرى ذلك الأمل وسط كل هذا الفساد، ورغم كل هذه الفوضى، ومن لا يصدقنى عليه فقط أن يغمض عينيه عن أوثان العمل السياسى التقليدى من حكومة وأحزاب وطوائف ومماليك، عليه أن يتعمد تجاهل الأجندة الخبيثة المحفوظة والمكررة والمفروضة علينا بلا أى اعتبار للحقيقى والجديد، حينها سيرى مثلى (مصر الجديدة) برعماً صغيراً يتحدى بخضرته ونضارته جرافات الخراب التى تترصد بكل جميل فى هذا البلد»، ونص المقال متاح على موقع «المصرى اليوم» بتاريخ 26 نوفمبر 2010، وقلت فيه أيضا: «مصر ليست الشاذلى وعزمى وشهاب والشريف، ولن تكون عز وكمال وهلال، مصر أجيال جديدة قادمة تحمل وعياً مختلفاً عن أكلشيهات الإعلام الحكومى وترهات المعارضة المصنوعة».

وفي فقرة مليئة بالأمل وقوة الحلم كتبت يومها أيضا: «مصر لم تعد زوجة العسكر، ولا ملك يمين الحزب الوطنى، ولا خطيبة الإخوان، ولا أسيرة معارضة بائسة وعدت ولم تف، مصر صارت إرثاً مستحقاً لناسها، فقط علينا أن نرصد هذه البشائر، وندرك حجم تطور الوعى والممارسات فى هذا الاتجاه، علينا أن نودع مصر السلطوية، وننتظر (مصر الجديدة).. مصر الناس، والعمل الأهلى، مصر التى تستطيع أن تختار حكامها دون وصاية، وتحاكم مسؤوليها دون حصانة، وتجرى انتخاباتها بلا تزوير».

هل كانت نبوءة؟.. أنا شخصيا لا أحب مثل هذه الغيبيات، وأفضل أن أنظر لذلك باعتباره رؤية صادقة للواقع، وانتماء حقيقياً للشارع، وابتعاداً متعمداً عن مصادر «الزغللة» والتمويه، وعزوفاً عن الهرولة إلى ولائم المصالح الصغيرة.

وقبل أيام من استفتاء مارس 2011 كتبت مقالا بعنوان «محدش له وصاية ع الشعب»، وطالبت بتأسيس مركز توثيق باسم «ضمير الثورة» ، لتسجيل مواقف أنصارها وخصومها، ليس لكى نشهر «قوائم عار» و«قوائم شرف»، ولكن من أجل رؤية عملية تساعد في توزيع الأعباء على شحصيات وطنية جديرة بالمسؤوليات الثورية، وليس على «مشتاقين للسلطة» و«أتباع كل سلطان»، وبدأت بالفعل في ذلك، لكن المهمة صعبة ويستحيل أن ينجزها فرد واحد، لأنها مشروع ضخم ومستمر، يحتاج إلى مركز بحثى، ومنابر عرض، وآلية للتواصل مع صناع القرار، بحيث لا نعود مجددا إلى فخ الجدران العازلة بين الشعب ومؤسسات الحكم، أو نستمرئ سياسة التحريض وحشد الجماهير واستخدامها كوسائل ضعط، وليس كمؤشر وعي، وقوة إنتاج، وهو ما يبرر للسلطة استصدار قوانين مضادة للديمقراطية للحد من التحركات الاحتجاجية، كما حدث منذ حكومة عصام شرف وحتى قانون منع التظاهر، وتمريرهذه القوانين السيئة بأسباب قد تقنع البعض مؤقتا، بحجة العبور الآمن من الظروف المضطربة، لكن مثل هذه الحجج تزول، وتبقى مصيبة الوصاية على الشعب وصمة واقعية وتاريخية.

لذلك يبقى السؤال: كيف يمكن أن نحتفظ بالروح الثورية الجامحة والخلاقة، دون أن يتعارض ذلك مع الأمن والاستقرار والتفكير العاقل؟

كيف يمكن أن نتحرر من لعنة المساومات الكريهة التي تضع السيف والصدر والجدار في الظهر، وتخيرنا بين الخبز والكرامة، الأمن والحرية، المستقبل والأمر الواقع؟

رأيي أننا لن نتحرر بجد إلا إذا تجاوزنا هذه الثنائيات المريبة، وعدنا إلى لغة العقل وأسلوب الحوار، وروح التوافق، من دون أن نسمح لأى جهة بالوصاية علينا نحن الشعب.

هل نستطيع؟

الإجابة لا تحتاج إلى انتظار نتيجة الانتخابات

SputnikNews