أخبار عاجلة

الإخوان والحداثة.. تقلّبات الحفيد

أُتابع باهتمام المشروع الفكري للدكتور طارق رمضان المحاضر في جامعة أوكسفورد وحفيد الأستاذ حسن البنا، ولقد كنتُ مأخوذًا بنجاحاته الأكاديمية الباهرة في سويسرا وبريطانيا، وبحضوره الطاغي في مؤسسات الغرب، وتعاطفتُ معه دومًا في مواجهة الإعلام الفرنسي، الذي كان مدفوعًا في جانبٍ منه باللوبي الصهيوني، الذي حاول مرارًا كسر صورة طارق رمضان وما يطرحه بشأن «الإسلام الأوروبي».

( 1 )

يمتلك طارق رمضان مشروعًا فكريًا مهمًا، وتمثل قراءاته في السيرة النبوية الشريفة وفي القيم العالمية للإسلام جهدًا متميزًا لا تغفله عين، كما تمثل رُؤاه في تحديث المسلمين وكسر المسافة بين الإسلام والحداثة عملاً فكريًا لافتًا.

إن جانبًا مما يطرحه «رمضان» يثير الخلاف والاختلاف.. وقد لقي نقدًا من أطراف متعددة.. لكن مُجمل ما مضى من مشروعه يستحق النقاش.

ولقد وجدتُ أنه من المناسب أن أتابع أفكار وآراء طارق رمضان بعد ثورة 30 يونيو، وعمّا إذا كانت «الحداثة» قد تمكنت – حقًا – من «الأخونة»، أم أن «السياسي» عند طارق رمضان قد عاد ليطغى على «المفكر»، ولقد حزنت كثيرًا لأن طارق رمضان قد رسب في الامتحان.. عاد «الأكسفوردي» إلى «الإخواني»، وعاد «المفكر» إلى «الحفيد» وانهزمت «السيرة الأكاديمية» أمام «السيرة العائلية».


> ( 2)
> تحدث طارق رمضان أمام عدد من المسلمين في كندا.. ثم تحدث عن ثورة يونيو، وفاجأ الحضور بالقول: «إن المشير كان على اتصال بأمريكا وإسرائيل»، ثم قال: «إن زوجته كانت تذهب لزوجة مرسي لتعلم القرآن».. «كان هذا الطاغية يتلاعب بمرسي.. إنه طاغية وكذاب».. ثم واصل القول: «لم أذهب إلى بعد يناير لأن الجيش كان يلعب خلف الستار، وحكومتي قالت لي لا تذهب».

لم أصدق أن هذا هو طارق رمضان.. لم أصدق أن هذا هو مستوى معلوماته أو مستوى تحليلاته أو مستوى لغته وخطابه!
> تصورتُ أن طارق رمضان قد يفاجئنا ويعلن قبوله لثورة يونيو أو ألا يفاجئنا ويصفها بالانقلاب، لكن اعتماد صاحب «الكونية والتنوع» على معلومات صفراء.. واتهامات ركيكة ثم وصفه السويسرية بأنها «حكومتي».. كان ذلك في مجمله.. صادمًا ومفزعًا.

تمنيتُ لو أن طارق رمضان لم يذهب إلى هذا المستوى.. وتمنيتُ لو أنه بقي مفكرًا إسلاميًا حداثيًا.. ولكن صاحب كتاب «على خطى النبي».. مضى على خطى نيويورك تايمز.. ناقلاً لا ناقدًا.. وناشطًا لا مفكرًا!


> (3)
> من المناسب أن أعرض هنا هوامش من تناقضات الحفيد التي أتت على جانبٍ كبيرٍ من صورته.. على مستوى الفكْر وعلى مستوى الصدْق:
> 1. انتقد طارق رمضان جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها جده حسن البنا وقال: «إن الإخوان يعانون من ركود فكري.. وإن المناقشات التي كانت تجريها الجماعة على مدار خمسين عامًا لم تقدم جديدًا».. وقال في حديث لمجلة «لوتون» السويسرية: «إن الإخوان ارتكبوا أخطاء فادحة خلال عام حكم مرسي .. وإن الإسلاميين في مصر استخدموا ورقة الدين في محاولة للعب دور حُرّاس الدين». وقال في سياق آخر: «إن مرسي لم يستمع إلى صوت الشعب.. قراراته غير موفقة، والرؤية السياسية غائبة».. «أن تسمع الرئيس مرسي يقول للفريق السيسي قبل عشرة أيام من الإطاحة به.. أنه قد يلجأ إلى خفض رتبته العسكرية وأن أمريكا لن تسمح بحدوث انقلاب عسكري.. فإن هذا أمر غريب ولا يُصدق. إن غياب الوعي السياسي لديهم كان مخيبًا ومدهشًا».. «فشل مرسي في محاربة الفساد والفقر، واستسلم –هو والجماعة- تحت وطأة الوضع الاقتصادي، وتخلّوا عن القضية الفلسطينية».

• وهكذا فإن حفيد حسن البنا يرى أن الرئيس السابق محمد مرسي بلا مزايا تقريبًا، وأنه وجماعته فشلوا فكريًا وسياسيًا على نحو يثير الدهشة.. غير أنه يرى أن خروج الشعب لإسقاط النظام كان انقلابًا عسكريًا!
> 2. يرى طارق رمضان أن (25 يناير) ليست ثورة.. وإنما هي انقلاب عسكري. يقول «رمضان»: «إن شباب 25 يناير هم جزء من مؤامرة إمبريالية قادتها أمريكا للسيطرة على العالم العربي .. وأن هناك عددا من النشطاء والمدونين في مصر وتونس تلقوا تدريبات عام 2004 بدعم أمريكي للقيام بمظاهرات وتحركات.. وأنه عندما قررت مصر وقف العمل بشبكة الإنترنت يوم 28 يناير زودت شركة جوجل المدونين في مصر بتفاصيل عبر الأقمار الصناعية. لا يجب أن نكون ساذجين.. أنا ضد القول بأن 25 يناير نشأت من لا شيء.. أو أن هناك شبابا قرروا الثورة.. هكذا ببساطة!».

• إن حفيد حسن البنا الذي كان يرى ثورة يناير انقلابًا قاده المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، ويرى في ثوار يناير حفنة من العملاء الذين تدربوا في الغرب في إطار المشروع الأمريكي للشرق الأوسط.. بات يرى أن ثورة (30 يونيو) هي انقلاب عسكري قاده المشير السيسي.. وأنها الثورة المضادة لثورة يناير التي تُمثلها جماعة الإخوان المسلمين!

تحول «انقلاب يناير» إلى ثورة، وتحولت ثورة يونيو إلى انقلاب، وتحول «عملاء يناير من التيار المدني» إلى «ثوار يناير من الإخوان».. وعلى أَثَرِ ذلك تحول المشروع الأمريكي للشرق الأوسط إلى المشروع الإخواني للتحول الديمقراطي!


> 3. يرى رمضان أن العلمانية ليست نقيضًا للإسلام، وتجب المساواة المطلقة بين الجنسين.. وأنه من الأفضل استخدام مصطلح «المدنية» لا «العلمانية».. ويرى أن من أعراض أزمة الوعي الإسلامي المعاصر إشكالية قلب الوسائل والأهداف، ويقول: «إن هناك أناسا يزعمون العمل باسم الله وينسون هذه الغاية.. وينتهي الأمر بالهوس بأعمالهم وتنظيماتهم وحركاتهم إلى حد الهوس بالسلطة والمال».


> • لكن هذه الرؤية المنفتحة في جزئها الأول والأخلاقية في جزئها الثاني.. أصبحت لا تعني شيئًا بعد أن أصبح طارق رمضان أحد منظري التنظيم الدولي للإخوان الذي بات مهووسًا بالسلطة والمال، ومتجاهلاً ما كان يطرحه عن إشكالية قلب الوسائل والأهداف.


> 4. يقول حفيد حسن البنا إنه لا يوجد نظام حكم إسلامي، بل توجد مبادئ إسلامية، وفي عام 2003 نادى بتعليق حدّ رجم الزناة، وأطلق دعوة لتجميد العمل بحِدود الشريعة الإسلامية. وفي عام 2005 أصدر بيانًا يربط فيه تطبيق الشريعة بتوافر الشروط الموضوعية لتطبيقها ويدعو إلى تعليق فوْري لمبدأ العقوبات الجسدية (الحدود في الإسلام).. ذلك أن ظروف تطبيق الحدود ليست موجودة في كل العالم الإسلامي.

ويرى طارق رمضان أن الأيديولوجيا السلفية خطر كبير، وأنها تعتمد على الدعم الغربي.. ببساطة لأنها رأسمالية وتتوافق مع المصالح الجيوسياسية للغرب، ثم إنها تحقق هدف الغرب في خلق الانقسامات داخل المجتمع المسلم ومنع الحركات الإصلاحية المناهضة للغرب من اكتساب المصداقية الدينية. وبدلاً من أن يدخل الغرب في صراع مباشر مع المسلمين فيقوم بتوحيدهم ضده، يقوم بتقسيم المسلمين حول الإسلام نفسه.. أي تحول التنوع الطبيعي إلى فرقة.

وينتهي حفيد البنا إلى أن التحالف بين السلفية والغرب هو الوسيلة الأكثر فعالية للتحكم في الشرق الأوسط وتلغيم الدول المسلمة.. لذا يجب الانتباه حتى لا ننتهي منقسمين باسم الدين الذي يدعونا للتوحدّ.


> • إن طارق رمضان الذي ذهب إلى هذا المدى في رؤية الشريعة والحدود والأيديولوجيا السلفية أصبح داعمًا لرؤية التنظيم الدولي في التحالف مع السلفية الجهادية وتنظيم القاعدة.. من المؤكد أن طارق رمضان كان يرى ذلك التحالف بين الإخوان وبين التيارات المتطرفة.. ومن المؤكد أيضًا أنه واصل رؤية ذلك التحالف الآثم في منصات الإخوان وفي سيناء قبل وبعد ثورة 30 يونيو. لكن حفيد البنا الذي ذهب أبعد من المتوقع في رؤيته للتوفيق بين الحداثة والشريعة.. لم يذهب خطوة واحدة في إدانة التوفيق بين الإخوان والعنف.


> 5. يرى «طارق رمضان» أن «الإسلاموفوبيا» و«اليهودفوبيا»، أي العداء للمسلمين أو اليهود، كلاهما مشكلة غير مقبولة ويجب إدانتها. ونشرت له صحيفة «هاآرتس» مقالاً يدافع فيه عن تهمة معاداة السامية الموجهة له.. قال فيه آراء خلاف آراء جده حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين.

وفي إجاباته عن أسئلة بشأن دولة إسرائيل قال: إن إسرائيل لها الحق في الوجود، وأدين كل التفجيرات الانتحارية. وحين سُئل: كيف يمكن للفلسطينيين أن يقاوموا.. أجاب: إنه حقيقة أمر صعب، عليهم أن يستعملوا وسائل مشروعة في المقاومة.. يجب المقاومة السلمية.


> • إن رؤية طارق رمضان في الاعتراف بوجود إسرائيل ورفض المقاومة الفلسطينية المسلحة ضد إسرائيل والإقرار فقط بالمقاومة السلمية.. تتعارض تمامًا مع الرؤية العلنية لجماعة الإخوان المسلمين ومع أيديولوجيا حركة حماس.. ألمع فروع الجماعة والحليف القوي لها منذ 25 يناير. ولكن «رمضان» الذي يناهض حماس فكريًا ويحالفها سياسيًا.. ترك التناقض على حالته وعاد داعمًا للتنظيم الدولي، تاركًا المعضلة الفكرية إلى «أيديولوجيا النسيان»!

( 4 )

إن طارق رمضان لم يفكر لحظة واحدة: لماذا خرج الناس في 30 يونيو؟.. لكنه لو فكّر الآن لأدرك أن ذلك التخبُّط الفكري في رؤاه ورؤى الجماعة.. كان واحدًا من الأسباب.. ذلك أن المصريين قد أسقطوا: «اللامعنى».

في 30 يونيو أكد الشعب أن «التناقض» لا يمكن أن يكون «رؤية».. وأن «الارتباك» لا يمكن أن يكون «وجهة نظر».