أخبار عاجلة

راتب المرأة.. ضلع حساس

هي موظفة، وزوجها موظف يطالبها بمساعدته في الإنفاق على احتياجات البيت والأسرة، لكنها ترفض ذلك وبشدة، متسلحة برأي الشرع والقانون اللذين لا يلزمانها بمنحه جزءاً من أو كل راتبها، أو أموالها المتحصلة من هبة أو ميراث، وغيرهما "من دون رضاها"، وبين شد وجذب في النقاش، بدأت العلاقة بينهما تنزلق إلى منعطفات خطرة، دفعت ذاك الزوج إلى مساومتها على "السرير"، والمعاشرة الزوجية، ووضعها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما "المعاشرة"، أو "بطاقة الصراف الآلي".

هذه القصة ليست من وحي الخيال، أو من باب الندرة، وإنما حصلت مع إحدى الزوجات التي توجهت لمكاتب الاستشارات النفسية، والتوجيه الأسري، "لتشكو زوجها وتصرفاته معها، وتدافع عن حقها في مالها الذي اكتسبته من وظيفتها، فيما اضطرت زوجة أخرى رفعت إشارة "ممنوع الاقتراب من الراتب" في وجه زوجها الذي صارت تلجأ لسرقة نفقتها المستحقة منه خلسة، بالرغم من إنها تعمل ولديها دخل شهري.

في المقابل، ثمة موظفة أخرى، وهبت نفسها ومالها لشريك حياتها، ورفضت مبدأ "هذا لك وهذا لي"، وأصرت على الوقوف إلى جانب زوجها في مواجهة صعوبات الحياة ومتطلباتها الكثيرة، وأخذت على عاتقها صرف راتبها أو ما تيسر منه، على احتياجات الأسرة، بحكم أن زوجها ينفق حصة كبيرة من راتبه على بناء بيت سيعيشون فيه جميعاً.

على رصيف هذه النماذج من الزوجات، والقصص الواقعية، تصطف بعض الأسئلة التي تبحث عن إجابات باستحياء، بالرغم من أن الشرع والقانون حسماها، ونظماها، ووضعا لها ضوابط واشتراطات، لكن مفهوم الشراكة الشمولية بين الزوجين، وأسس المحبة والمودة، وظروف المعيشة الصعبة، ووقوف المرأة إلى جانب زوجها في السراء والضراء قد تكون لها كلمة أخرى، ورأياً آخر لا يتناقض مع الشرع والقانون، بل يتممانه ويكملانه،، انطلاقاً من قاعدة أن "المحبة ليست وقت الرخاء فقط"، و"إن الكريم هو الذي يعرف للكريم كرماً".

الاتفاق قبل الزواج

الدكتورة ناديا بو هناد استشارية نفسية، وجهت الشباب والفتيات بضرورة الاتفاق على الأمور المالية، بما في ذلك عمل الزوجة وراتبها، قبل "الارتباط"، في وقت ذكرت فيه أن غالبية المقبلين على الزواج، لا سيما متوسطي الدخل، يفضلون الموظفات أو المتعلمات من أجل العمل، ومساعدتهم في توفير متطلبات الحياة المعيشية.

وقالت: "أكبر مشكلة تقع فيها الأسرة العربية بشكل عام، هي عدم الاتفاق على مثل هذه القضايا قبل الزواج، وغيرها من تلك التي تحتاج إلى اتفاق مسبق يضمن ديمومة العلاقة الزوجية من دون أية مشكلات قد تستجد بعد الزواج، ومن هنا ثمة ضرورة ملحة لأن يتسيد الاتفاق جميع شؤون الزوجين، حتى لا نتفاجأ بمشكلات قد توصلهما إلى الطلاق والدمار".

وأضافت: "لا شك أن خلافات الزوجين على المال، تفسد الحياة بينهما، وتؤثر على مستوى الثقة المتبادلة، والمودة، ورغبتهما في الاستمرار في العلاقة معاً، وتوجد فرصاً للخيانة، والمساومة، قد تصل إلى طاولة القضاء".

«لا نفقة على موظفة»

أحمد عبد الكريم بامسلم موجه أسري في محاكم دبي، أوضح أن ثمة حالات مشابهة كثيرة ترد إلى قسم الإصلاح الأسري هناك، متصلة بإصرار بعض الأزواج على عدم الإنفاق على زوجاتهم لأنهن يعملن، ويحصلن على راتب، ويقضين وقت عملهن خارج البيت، بالتوازي مع نوع آخر لهذه الخلافات مفاده أن الزوج يضع زوجته أمام خيارين: إما أن تساعده من راتبها، أو يمنعها عن العمل.

ويبين الموجه أن عمل المرأة ليس إخلالاً بالطاعة، ولو أنها رفعت قضية نفقة على زوجها، فإنها ستكسبها بموجب حقها في ذلك، حتى لو كانت موظفة، وثبت للقاضي أنها لم تتسبب بأي ضرر له وللأسرة".

ويشير بامسلم إلى أن دور الموجهين في هذه الحالات يتركز في نصح "المتخاصمين" بالتفاهم، والتعاون لمواجهة تحديات ومتطلبات الحياة، والتجديف معاً نحو شاطئ أمان الأسرة، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم أخذ الزوج المال لنفسه.

ويستذكر الموجه الأسري قصتين، متشابهتين بالفكرة، مختلفتين بالنتيجة والمضمون، إذ تقدمت إليه زوجة موظفة، تطلب الطلاق، لأن زوجها لا ينفق عليها بسخاء، علماً انه لا يتعمد ذلك، وإنما لضائقة مالية يمر بها نتيجة صرف راتبه على بناء بيت للأسرة، مقابل زوجة أخرى تكفلت بمصروف البيت والأسرة حتى يتسنى لزوجها سد تكاليف بناء بيت لهم.

أروقة المحاكم

 

يتجاوز نقاش قضية "راتب الزوجة"، أسوار الحياة الخاصة بين الزوج والزوجة، ويصل إلى أروقة المحاكم، خصوصاً إذا ما لجأت الزوجة لطلب الطلاق، في حال امتنع شريكها عن النفقة عليها، بحجة أنها تعمل، ولديها دخل ثابت، "وأن عليها الإسهام في مصروفات الأسرة، مقابل غيابها عن البيت في الوظيفة".

في المحاكم قصص كثيرة لزوجات "موظفات" احتمين بالقضاء للدفاع عن حقوقهن بالنفقة، وأصررن على ذلك متسلحات بالقانون الشرعي والوضعي، وبعضهن رفع دعاوى طلاق، بعد امتناع الزوج عن واجب النفقة.

 «الاتفاق» سيد الأحكام وعمل المرأة لا يحرمها نفقة الزوج

في استطلاع لآراء عدد من الأزواج والزوجات، بشأن إمكانية مشاركة الزوجة براتبها، تبين أن كفة من يرى ضرورة ذلك، رجحت على كفة المعارضين، منطلقين من قاعدة أن الشراكة الزوجية شاملة بما في ذلك المال، وأن "يداً واحدة لا تصفق"، وكذا في ظل حاجة الزوج لذلك مع ارتفاع تكاليف العيش، مقابل صورة أخرى لزوجات رفضن المساعدة خوفاً من خيانة الرجل، واستغلال راتب شريكة حياته لمآربه الخاصة.

مساعدة غير مشروطة

سحر عبد الهادي موظفة، ترى أن مساعدة المرأة لزوجها ينعكس على مستوى معيشة الأبناء، ويخفف عنه جزءاً من نفقته عليها، في وقت أكدت فيه أن تلك المساعدة يجب ألا تكون مشروطة، أو تفرض عليها التزاماً بمبلغ شهري معين.

محمد عبد العظيم يفضل عدم الاقتراب من راتب الزوجة لو كان زوجها مقتدراً على سد احتياجات البيت والأسرة كافة، بمن في ذلك الزوجة، لكنه يجد ضرورة لوقوف المرأة بجانب زوجها لو لم يكن كذلك، وأكد أن التفاهم والرضا هما الحَكمان في العلاقة الزوجية.

وأضاف: "طالما أن المرأة خرجت للعمل فإنه يفترض أن تشارك بجزء من راتبها مقابل سماح زوجها لها بذلك، وانه من الذائقة مساعدته في أي التزام للأسرة".

دانة نعمان هي الأخرى تقف بصف الزوجات اللواتي يدركن أهمية مساعدة أزواجهن، ولا ترى أن ثمة فرقاً بين الشريكين، خصوصاً إذا كانا متفاهمين، ومتفقين.

وتساءلت: "إذا لم تساعد الزوجة زوجها شريك حياتها، فمن أحق منه؟ كيف ستصبح الحياة الزوجية في مأمن إذا أمست الزوجة لا تشعر بثقل المسؤولية الملقاة على كاهل زوجها في ظل موجات الغلاء التي تضربه من كل اتجاه؟

مريم الزرعوني لا تتفق مع من سبقوها، وترى أن الزوج هو المكلف بالنفقة عليها وعلى البيت والأولاد، وأنه من غير الحكمة أن تساعده من راتبها، متذرعة بأن بعض الرجال لا أمان لهم، لأنهم إذا ما امتلكوا المال فإنهم يبدأون التفكير بالزواج من امرأة أخرى، أو يستغلون المال لحاجاتهم الشخصية، وربما للخيانة الزوجية، أو إنفاقه على الأصحاب".

قانون الأحوال الشخصية

إن قانون الأحوال الشخصية أوجب النفقة للزوجة على زوجها بالعقد الصحيح، ابتداءً من تاريخ عقد الزواج، وتكون ديناً صحيحاً في ذمة زوجها منذ ذلك التاريخ، حتى لو كان لها مال مستقل، هذا ما وضحه المستشار الدكتور أشرف أمين المحكم القانوني في محاكم دبي.

وأشار إلى أن خروج الزوجة لأداء عملها لا يكون له تأثير على نفقتها، إذا اشترطت على الزوج في عقد الزواج بقاءها في العمل، أو أن تعمل ورضي بذلك، أو كان قد تزوجها عالِماً بعملها، أو إذا عملت بعد الزواج وقبل الدخول بها ورضي صراحة أو ضمناً، أو إذا عملت بعد الدخول بها ورضي صراحة أو ضمناً، ففي جميع هذه الأحوال والتي يثبت رضا الزوج الصريح أو الضمني فيها تستحق الزوجة نفقتها.

دين

وأكد أن النفقة الزوجية دينٌ على الزوج لزوجته من تاريخ الامتناع عن الإنفاق عليها، رغم وجوبه دون التوقف على القضاء أو التراضي، "ولا تسقط إلا إذا أداها أو سامحته"، لافتاً إلى أن ثمة بعض الأحوال التي تسقط معها نفقة الزوجة عند تحققها، ومنها إذا منعت الزوجة نفسها من الزوج، أو امتنعت عن الانتقال إلى بيت الزوجية الشرعي أو تركته دون عذر شرعي، أو منعت الزوج من دخوله دون عذر شرعي، أو امتنعت عن السفر معه دون عذر شرعي، أو في حالة صدور حكم أو قرار من المحكمة مقيد لحريتها في غير حق الزوج، وجارٍ تنفيذه.

المساعدة بالتراضي تشيع المحبة والسكينة بين الشريكين

بيّن الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء، انه لا يجوز للزوج أن يأخذ مال الزوجة من دون رضاها، في وقت حث فيه الزوجات اللواتي اكتسبن ذاك المال من عملهن، أو من الهبة أو الميراث، على عدم الإصرار على هذه القاعدة الشرعية، وان يبادرن للمساعدة بالتراضي، حتى تشيع المحبة والسكينة، ويتجلى المفهوم الحقيقي للشراكة الزوجية، التي تذوب فيها كل حدود الملكية، والأنانية.

وقال فضيلته: "لا شك أن للمرأة حرية التملك والكسب، وأنه لا سلطان لزوجها إلا على جسدها بالمعروف، أما المال المكتسب بجدها، أو بالهبة، أو الإرث أو نحو ذلك، فلا ينازعها في ذلك أحد من زوج أو والد أو ولد، إلا ما وجب عليها من الإنفاق على أبويها، أو أولادها عند فقرهم وعجز أبيهم، هذا هو الأصل عند التقاضي، أما عند التآلف والتراضي فإنه لا ينبغي أن يكون بين الزوجين حدود في الملكية، فما في يد الزوج هو للجميع نفعاً وذخراً، وكذا ما في يد الزوجة، فإذا لم تفد زوجها وبيتها من هذا المال الذي تكسبه فمن تفيد به".

وأضاف: "زوجها أقرب الناس إليها، فهما نفس واحدة، وعيش مشترك بينهما السراء والضراء، كما كانت وما زالت النساء الصالحات يفعلنه مع أزواجهن وبيوتهن، فهذه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها أنفقت كل مالها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، لما أرادت أن تتصدق أرشدها النبي عليه السلام إلى أن تتصدق على زوجها وأن لها أجران، وهكذا ينبغي للنساء أن يقتدين بالفضليات، لاكتساب الأجر، ودوام العشرة والألفة، ولتعف زوجها عن الحرام، فإنه إذا كثرت عليه المطالب، ولم يجد من يأخذ بيده، فقد يوفرها بطرق غير مشروعة من قروض ربوية، أو نحوها، ثم يدخل في ديون تتبعها سجون".

وفي حال أبت الزوجة، أوضح الدكتور الحداد قائلاً: "فإن أبت وطالبت بجميع النفقات، فلها ذلك، بحكم أن القوامة بيد الرجل، والإنفاق يتبع القوامة والولاية، لكن عواقب ذلك وخيمة، فإن من حقه أن يمنعها من العمل، أو الخروج من بيته إلا بإذنه، وهذا سيتنافى مع رغبتها في العمل، وسيؤدي قطعاً إلى تفرق الأسرة، بطلاقها أو هجرها أو نحو ذلك".