أخبار عاجلة

جامعة العقلاء

إنها الجامعة، جامعة الحوار، حيث تتعدد المدارس الفكرية والتيارات فى الآداب والحقوق ودار العلوم. وربما تنضم إليها الهندسة من خارج الأسوار والعلوم والتجارة من داخل الأسوار.

هى الجامعة حيث السؤال والجواب. الطالب يسأل. والأستاذ يجيب. والإدارة تحافظ على الأمن. وتوفر كل أساليب الهدوء والاطمئنان. فالمكان مكان علم. والجامعة موطن هدوء واستقرار. بالرغم من تعدد المدارس واختلاف التيارات يحاور البعض البعض الآخر. وينطلق الرصاص الحى بين المصريين، لا فرق بين شرطة وجيش من ناحية، وطلبة من ناحية أخرى. ويسيل الدم من الفريقين. وتمتلئ المستشفيات. وتحزن الأسر. وتشتد القلوب. وتتعصب فى مواقفها. ولا ينفع ماء أو خراطيش لتفريق المتظاهرين. ويتم الاقتتال فى الداخل بين الكليات والمدرجات، وفى مكاتب الأساتذة والعمداء، فى الداخل وفى الخارج. فى الداخل طبقاً للوصايا، وفى الخارج على باب الأسوار. ويصل الاقتتال إلى حد حرق الكليات، وضرب العمداء.

والشرطة والجيش على الأبواب وعلى حافة الأسوار. ويسيل الدم لصالح مَن مِن أبناء الوطن؟ والدم مازال يسيل. ولا نهاية للخصام أو المصالحة. فلا القيادة على حد أعلى من المسؤولية. ولا الشباب على حد أدنى من المصالحة، وكأن الخصام إلى الأبد. أليس الحوار هو الحل؟ أليس سماع الرأى الآخر هو التقرب إليه؟ وماذا يفعل الأستاذ إن لم يعرض كل الآراء ويستعرض آراء الطلبة فيه؟ وهل يتصلب كل الطلاب، لكل ما يسمعونه من آراء من الطلاب كى يفحصوها عن قرب، ويتبادلوها، ويصلوا إلى حل وسط؟ وطالما امتلأت الروايات بالحوار بعد الخصام، وبالمصالحة بعد العتاب. وطالما انتهت الروايات السينمائية والمسرحية إلى نهاية سعيدة بعد طول صراع درامى هو قلب المسرحية.

وأين يتم الصراع؟ فى الأزهر، موطن الإسلام، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومشيخة الأزهر، وكلها مواطن شبه مقدسة، بارئة من الخطأ، وقد نال الأزهر احترام رجاله وشعبه، والوقوف دفاعاً عن نفسه؟ لقد خرجت منه شرعية السلطات السياسية. ومنه خرجت الثورات الوطنية. وخرج منه الكبار، كبار المشايخ الذين يقومون بدور الإفتاء. وهم الذين يخرجون من الشروق إلى الغروب للصلاة وللعبادة وهم الذين يقومون بالمثل الأعلى للمؤمنين. ويصححون كل محتاج. وجامعة القاهرة أولى الجامعات التى تزامنت بعد نشأتها 1925 مع نهضة . واتحدت مع حركة مصر الوطنية عام 1919، وأقامتها على أرض إحدى الأميرات، فاطمة بنت الخديو إسماعيل، مع حديقة الأورمان وحديقة الحيوان التى أصبحت فيما بعد مكاناً للصراع السياسى، وتمثال نهضة مصر يمثل أحد معالم ثورة 1919 على يد مثّال مصر العظيم مختار. فكيف تنحرف كل هذه الآثار إلى غير مصدرها أو هدفها؟ أصبحت تجرى كلها حول السلطة. وترفض العقل والعلم. مع أن الجامعة إنما نشأت لهذين الفرعين من العلوم: الآداب والعلوم.

ومنذ أن خضعت الجامعات لسلطة الدولة فإن استقلالها أصبح مشكوكاً فيه سواء عن طريق الشرطة والجيش بداخلها أو بالسلطات الجامعية بداخلها التى تأتمر بأوامر الدولة. وفى كلتا الحالتين أصبحت الجامعة جزءاً من الدولة وفى حمايتها. والدولة هى السلطة. والسلطة هى الشرطة والجيش. صحيح أنها تعتمد على العقل فى البحث العلمى وعلى العلم فى تأسيس أسسه إلا أن بقايا الخرافات والخزعبلات مازالت باقية فيها.

الجامعة ليست مصنعاً به آلاف العمال أو متجرا به آلاف التجار أو مؤسسة بها آلاف الموظفين، ولكنها موطن علم واستنارة وقدرة على التخاطب، السؤال والجواب فى بيئة سلمية تثير الفكر وليس الغضب، وتبعث على السلم وليس العنف؛ فالعقل هو القاسم المشترك بين الأستاذ والطالب أو بين الأستاذ والأستاذ أو بين الطالب والطالب، والخلاف والاتفاق يكون على القضايا العامة، قضايا الوطن الذى يستطيع المثقف وحده أن يتناولها دون مصلحة حزب أو طبقة أو طائفة أو جماعة. ويتحول الصراع اليدوى إلى نقاش عقلى. تكفى قضايا التنمية الثقافية التى مازالت تؤرق الوطن على النحو التالى:

1- تنمية سيناء ثقافياً بإنشاء دور ثقافة على مسؤولية وزارة الثقافة ثم وضع برنامج لها لربط شبه الجزيرة بالوادى ثقافياً أى وطنياً بمساعدة أساتذة التنمية وطلبتها فى الكليات حتى لا يعود هناك فرق بين الجزأين من الوطن. وتشمل الثقافة اللغة والفن الشعبى والتاريخ خوفاً من مخاطر الانفصال الذهنى قبل السياسى.

2- وضع برامج تنموية عامة لمصر؛ بحيث تنمى الصحراء والواحات والمياه الجوفية والسواحل والمياه الضائعة فى البحر والأراضى المنزرعة الضائعة المبنية. ويستمر المشروع القومى بربط الواحات بالوادى بفضل الجامعة. تستطيع الجامعة أن تبدأ حواراً وطنياً بين الشقين المتخاصمين الوطنيين. تعمل الجامعات خاصة صيفاً بمشروع قومى يميزها أو كل جامعة بمشروع قومى خاص يُعرف باسمها. ويكون الصراع مع الأرض والجبال والصحراء والبحار والأنهار. ويكون المشروع القومى مع الأمية. فمازال 40% من شعب مصر أمياً. وهذا ليس فقط مسؤولية التى عجزت عن القضاء عليها فى السنوات الماضية كما فعلت الدول المتحررة حديثاً مثل كوبا وفيتنام. ينزل الجامعيون صيفا، أساتذة وطلاباً، فى القرى وفى التجمعات السكانية الكبيرة كالمصانع أو استعمال المدارس والمساجد بعد الظهر لمحو الأمية بدلاً من الشكوى منها وبالتالى من الجهل السياسى.

الجامعة هى جامعة العقلاء وليست جامعة الغضبى والمتعصبين والحارقين والكاسرين، جامعة ثورة 25 يناير كما كانت جامعة ثورة 1919.

SputnikNews