أخبار عاجلة

كلنا فوكس نيوز!

لم أعد أندهش حين ينقلون عندنا عن قناة فوكس نيوز الأمريكية. فأغلب إعلامنا المرئى صار أداؤه أقرب لفوكس من فوكس نفسها! وفوكس نيوز أنشأها رجل الأعمال اليمينى روبرت موردوخ فى 1996 كإحدى مؤسسات إمبراطوريته الإعلامية الضخمة. وهى الإمبراطورية التى ثبت أداؤها اللامهنى فى فضيحة كبرى فى 2011 انطوت على رشاوى لرجال الشرطة وتنصت على الهواتف.

وفوكس نيوز ظاهرة محل دراسة لأنها تمثل انحرافا عن المعايير المهنية للإعلام. فهى سعت منذ البداية لإزالة الخط الفاصل بين الخبر والرأى، حتى إن الرأى فيها صار يحل محل الخبر. وبمنطق «يكاد المريب يقول خذونى»، ترفع فوكس شعارا يصفها بأنها «منصفة ومتوازنة». لكن مجلة كولومبيا جورناليزم ريفيو، التى تراقب المهنية الإعلامية، وتصدرها جامعة كولومبيا، نقلت عن إعلاميين، استقالوا من فوكس احتجاجا، أن الخبر فيها ليس مهما على الإطلاق. فالهدف الرئيسى هو أن «يقفز المشاهد من مقعده أمام الشاشة، وهو فى قمة الغضب تجاه من تهاجمه فوكس». والمشاهد الذى يتابع فوكس نيوز يتصور أنه يعرف، إلا أنه واهم لأنه لا يحصل على الأخبار، وإنما يتلقى الرأى الواجب تبنيه تجاهها. والأخبار يتم تحريرها «بالتوجيه، فتطبخ الحقيقة» على المقاس المطلوب. وظاهرة المذيع الذى لا يحاور، ولا يعرض الخبر، بقدر ما يتحدث وحده طويلا للكاميرا معلنا رأيه الشخصى بالتفصيل، ظاهرة نمت مع فوكس، تماما مثلها مثل استخدام الألفاظ الخارجة وتوزيع سيل من الاتهامات للخصوم. و«خبراء» فوكس كثيرا ما يُروّجون لأكاذيب تثبت عدم صحتها فيما بعد فلا تعتذر القناة.

وتمارس فوكس نيوز تأثيرا بالغ الخطورة على الإعلام الأمريكى. فهى على سبيل المثال، لعبت دورا خطيرا بعد 11 سبتمبر وعشية غزو العراق دفع ثمنه المواطن الأمريكى وحده، حين تم إسكات الأصوات التى كان من الممكن أن تضع قيدا على جنون القوة وقتها. فالقناة كانت تضع على يسار الشاشة شعار الحرب على الإرهاب، ثم خلطته لاحقا «بتحرير العراق». وهى رفعت شعار «وطنية أقرب للفاشية» قدمت من خلاله رأيا واحدا ملفوفا فى العلم الأمريكى، ووجهت اتهامات بالجملة للمعارضين، شملت العمالة والخيانة، واعتبرت من لا يعجبها رأيه «كارها لأمريكا». حتى الدول الحليفة التى عارضت سياسة أمريكا تعرضت لوابل من البذاءات. ولم يسلم الإعلام الأمريكى نفسه من فوكس، حيث تعرضت رموزه المعارضة للاغتيال السياسى، مثل هيلين توماس، عميدة إعلاميى البيت الأبيض، الراحلة التى طالبوا بطردها من البيت الأبيض، حين اعتبرت «بوش أسوأ رئيس فى تاريخ أمريكا». ومثل الذى تعرضت له كريستيان أمانبور، مذيعة «سى. إن. إن»، التى اتهمت «بالعمل مع الإرهابيين». وقد خلقت الهستيريا التى بثتها فوكس رقابة ذاتية لدى إعلاميين، بل قنوات، كما أكدت أمانبور وقتها. وكان الضحية فى كل ذلك هو المشاهد الذى لم يحصل على أخبار دقيقة يبنى عليها موقفه فى لحظة مهمة فى تاريخ بلاده. المهم، عزيزى المشاهد، أقصد القارئ، إزيك أنت؟!