شاهيناز «٢/٢»

المشاكل بدأت بعد زواجهما بثلاثة أشهر. عندما ضرب صلاح شاهيناز لسبب ما. فيما بعد تبين أنه استخدم معها العنف كثيرا، ويبدو أنها كانت راضية بذلك. لكن أباها حين عرف بالأمر طار صوابه واعتبرها إهانة لشخصه. كان قمينا أن يضربه حتى الموت مستعينا بالمخبرين الأشداء، لولا أن بنيان صلاح القوى ساعده على الاحتمال. وأقسم أبوها ليطلقنها وهو صاغر، وأقسم صلاح لينقمن! وانتهت الحكاية بعودة شاهيناز إلى البيت فى غفلة من أبيها، وتبين أنها لا تطيق فراقه فى جميع الأحوال.

ضربنا كفا بكف، وتعجبنا لغرابة أحوال الدنيا، كان رضا شاهيناز لعنف صلاح غريبا علينا فى تلك المرحلة من عمرنا، ولم نكن قد شاهدنا غرائب الحياة.

الجزء الخوارقى من القصة بدأ حين اختفت شاهيناز، وبدأت معه المتاعب. هنا تفترق الروايات. نحن نعتقد، وإن لم نجهر بذلك، أنها ضاقت بعنفه، وهربت، ولم تكن تستطيع العودة إلى بيت أبيها بعد أن قاطعته. أبوها يؤمن يقينا أنه قتلها فى نوبة عنف، وتعهد بقتله ككلب. أما صلاح، فقد كانت روايته لا يصدقها إلا مجنون.

يقول صلاح- والعهدة عليه- إنه عاد إلى منزله، فوجدها واجمة! لاطفها لأنه يحبها حقا، ولأنها كانت حُبلى، ولكنها أخبرته بأن جارتها تجاهلتها على الدرج، ولم ترد تحيتها. تصورت أن هناك شيئا ما أغضبها مما يقع من النساء. ولكن الأمر تكرر حين خاطبت البواب، فلم يرد عليها، جُنَّ جنونها، واستوقفت رجلا فى الشارع، لكنه تجاوزها، وقد بدا أنه لم يرها من الأصل.

كان الرد الوحيد من صلاح أنه فتح فاه! وطلب منها أن توضح أكثر، فقالت وهى تنهار فى البكاء إن أحدا لم يعد يراها لسبب تجهله. بدأ صلاح يشك فى سلامة قواها العقلية، وأجاب بالرد الوحيد الممكن: «ولكننى أراك!».

على حسب رواية صلاح، تبين أن الأمر صحيح. شاهيناز لسبب ما لم يعد يراها أحد سواه. هى لم تمت وإلا فأين الجثة؟ هى حية وموجودة، كما يقسم بأغلظ الأيمان، لكنها محجوبة عن الأنظار.

هذا الهراء لم يكن مقنعا لأحد. خصوصا أباها لواء الشرطة الذى أُحيل إلى المعاش. وتم استدعاء صلاح وضربه حتى أوشك على الموت، ولكن كانت هناك المعضلة: أين الجثة؟ وكيف يمكن تحويله إلى المحاكمة بغير دليل.

كان صلاح قد تعلم من إنكار الجميع لروايته أن يلزم الصمت، ويجيب عن أسئلة المحققين أنه لا يدرى كيف اختفت. لكن بينى وبينه كان الدمع يطفر من عينيه، ويقسم بأغلظ الأيمان إن شاهيناز موجودة معنا، وتسمع كلامنا، وتشارك فى الحوار.

كنت الوحيد الذى أبدى له التصديق، ولذلك كان يأنس بى، ويعتبر نفسه مدينا لى. برغم أن تصديقى من عدمه لم يوفر عليه المتاعب التى أفسدت حياته تماما وحولتها إلى جحيم. جدير بالذكر أن أباها مات فجأة بنوبة قلبية، وإنى أعتقد بإخلاص أنه كان سيقتله لو عاش.

مرت الأيام، وتغير صلاح تماما. فارقه العنف الذى كان يلازمه، وبدت فى عينيه نظرة الفأر المحاصر. أحيانا كنت أشاهده فى الطريق متأبطا لفافة تحتوى على ملابس أطفال. وكان يجيب فى خجل أن شاهيناز ولدت طفلين، هما بالطبع مثل أمهما غير مرئيين. وكنت أسكت محرجا، فيحبس دمعه بصعوبة، ثم يهمس لى: « أرجوك قل إننى لست بمجنون».

aymanguindy@yahoo.com