«الوطن» داخل مدينة الخليل: شهيد فى كل بيت.. و«الجوع» طعام الجميع

«الوطن» داخل مدينة الخليل: شهيد فى كل بيت.. و«الجوع» طعام الجميع «الوطن» داخل مدينة الخليل: شهيد فى كل بيت.. و«الجوع» طعام الجميع
صلاة فى الحرم الإبراهيمى: العدو أمامك وخلفك.. لكن الرب يحميك

كتب : أسامة خالد وأحمد الليثى منذ 18 دقيقة

«قبل مائة عام كان القادم على أعتاب المدينة يهمُّ بخلعِ حذائهِ إجلالاً للمكان».. رواية تتناقلها الأجيال، يحكيها أهل «الخليل» لأولادهم ويورثونها لأحفادهم عن تلك الرقعة «المباركة» التى يحاول المحتل «تدنيس» أرضها، وتبديل هوائها، وتغيير هويتها، غير أنها عصيّة على ترك تاريخها العربى فى يد «المُعربدين».. هنا المقاومة «وجود»؛ الصلاة تحت فوهات البنادق فى الحرم الإبراهيمى، العيش وسط بيوت المستوطنين وقاذوراتهم، قبور الأنبياء تحفظها، رفض المُعدمين إغراءات الصهاينة بالملايين، تأصيل العادات والتقاليد فى نفوس الصبية، مدينة لا يعرف أهلها الجوع، الفرح وسط طلقات الرصاص، فى كل بيت بطولة، العِزةُ لأسر الأسرى، التباهى بعائلات الشهداء «هتافاتُ شعبٍ لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين»، الحياة بأقل القليل، الرضا بكل الأوضاع، إلا، فراق «الخليل»..

فى الخليل بلدتان، جديدة وقديمة، الأولى تضج بالحياة، والأخرى تهيم فى سُبات، يقطنهما سكان أصليون، من الصعب أن ينزح إليها غرباء؛ مستبعدٌ أن يعتادوا على قسوة الحياة بها، أهلها يمكنهم العيش فى أماكن أخرى، أصحاب جَلَد، ربما سمعت داخل أروقة فلسطين كلمات على غرار «مرة واحد خليلى»، تارة عن طُرفة ومرات عن مفارقات وبطولات، العبقرية أن يخلقوا الضحكات المجلجلة من كبد الألم.

4500 أسير فى القطر الفلسطينى ثلثهم «خلايلة»، أقرب المناطق لـ«غزة» هى الخليل، المسافة بينهما تستغرق نصف الساعة فقط، خلال حرب «عمود السحاب» فى نوفمبر 2012 كان أهالى «الخليل» يرتقون أعلى تبة متخذين من التهليل لكل صاروخ يُطلق قبل «تل أبيب» فسحة للنفس ومساندة لأصحاب الصمود على الجانب الآخر من الضفة الغربية.. غير أن هناك حالة من الإحباط ما تلبث أن تُهيمن على وجوه البعض من انقسام واضح بين «فتح» و«حماس»، توشك أن تنزع الأمل من الأفئدة، فالمظاهرات التى لا تختفى من المدينة صار ينصب إحداها ضد السلطة، أعباء الاحتلال تنافس أعباء النظام، مرتفعة، تعنت إسرائيلى، تشديدات أمنية، بطالة، حالة احتقان من كثرة الاشتباكات مع العدو، صراع بين الركض خلف لقمة عيش ومقاومة قد تصبح بأضعف الإيمان، تصاريح عمل غير موجودة، ورواتب لا تنتظم..

«على هذه الأرض ما يستحق الحياة» كأن «درويش» خطّها لـ«الخليل» على وجه الخصوص، تنضح من الجدران، تُشم فى نسيمها.. عقب صلاة الجمعة كانت الوفود تتجمع داخل البلدة الجديدة، متجهين صوب «وليمة عُرسٍ»، داخل قاعة كبيرة تصلها عبر طريق منحدر بانسيابية، كان أهل المدينة يجتمعون، كأنهم هجروا المنازل خاوية على عروشها، يصطف نحو 40 شخصاً يستقبلون الوافدين بوجوه بشوشة، يتوسطهم العريس، صاحب الفرح، تخالط كلمات التهنئة تساؤلات عن أماكن الاشتباكات، «مبروك» تعقبها همسات حول مشاورات خروج المعتقلين، شهرياً يتم اعتقال نحو 100 خليلى. المنسف «أرز باللحمة - صنوبر - عيش شراك» وجبة رئيسية فى الفرح.. «الخليل» مدينة تجارية بالأساس، 40% من فلسطين بها.

لافتة تحمل صورة لياسر عرفات و«أبوجهاد» تخلفها أخرى لشهيد من أهل الخليل «فهد القواسمى»، يشير إليها «جهاد القواسمى» -الباحث فى شئون الخليل- بعزة «هذا أخى»، فى بيوت «الخليل» يتم تفخيم العائلات بعدد الشهداء والأسرى، يستقبلون الخبر بالزغاريد «لىّ اتنين إخوات فى الأسر مدى الحياة وشهيد»، يُحسب عمر «الخليلى» بسنوات اعتقاله، يُعاب على أطفال العائلة أن يرتكبوا حماقات بالتذكير «عيب أنت قريب شهيد». الخليل ثانى أقدم مدينة فى العالم بعد «أريحا»، تلك التى كان يقطنها قوم «لوط»، تظهر بتضاريس «خشنة»، وصخور ذات بأس، تنم عن طبيعة «غاضبة».. يعدد «جهاد» معالم «الخليل» بوجود مقامات لأنبياء عدة قبل أن يقول: «تاريخياً ما أحد موثق من وجود قبر نبى 100% إلا قبر الرسول بالمدينة المنورة.. لكن الباحثين يؤكدون قدسية الخليل بقبور الأنبياء»، فى منطقة «دورا» قبر سيدنا «نوح»، فى الجنوب الغربى سيدنا «صالح»، فى «بنى نعيم» سيدنا «لوط»، فى شمال الخليل النبى «يونس» وفى «بيت أمر» والده النبى «متّى»، على رأس تل جبل «أرميدا» أقام سيدنا داود، وفى «يطا» عاش سيدنا «زكريا» وفيها ولد سيدنا «يحيى».. داخل الحرم الإبراهيمى قبور سيدنا إبراهيم وزوجته سارة وأبنائهما «إسحاق ويعقوب، وزوجاتهما»، وقبر سيدنا يوسف. 10 دقائق هى الفارق الزمنى للمسافة بين البلدة الجديدة والقديمة، غير أن هناك قروناً فارقة بينهما، كأن آلة الزمن قد أحضرتك إلى عهدٍ غابر، أحجار ضخمة ذات جلال، شوارع ضيقة لكن بها رحابة؛ كلما ضاقت انفتحت من أجلها الصدور، زهور يانعة، أشجار خضراء على جنبات الطريق، تأهيل الشوارع بتمويل التعاون الإسبانى، لافتة لمشروع تابع للجنة إعمار الخليل، أطفال يركضون خلف كرة بينهم فتيات، لا يعبأن إلا بالاستحواذ على الكرة، السماء ترسم خلفهم مشهداً حالماً.. هدوء يأسر القلب، لافتة تشير إلى مستقر «الحرم الإبراهيمى»، تُلمح بواباته، تلمع الأعين، دقيقة على الأكثر وتكون فى الداخل، الدقيقة تتحول لدقائق، الطريق مغلق من قِبل قوات الاحتلال، البعض يدخل منزله من النافذة؛ فالطريق لباب البيت موصد، السير من طريق «الإسكافية» -صُناع الأحذية- هو السبيل، طريق ممهد، دائرى يدفعك للحرم دون مجهود.. تقول الأسطورة إن مكان الحرم حددته ناقة سيدنا إبراهيم التى استقرت بـ«بير حرم الرامى» -عبارة عن أطلال لآثار غير مكتملة بوسط الخليل- وهو قادم من العراق، قبل أن تُحوِّل الناقة قبلتها لمكان الحرم الحالى..

حواجز حديدية على أبواب الحرم «القدس 30.9 كيلومتر» لافتة بلون أزرق، بوجوه باردة تخلو من حيوية، يتراص 4 جنود على مرحلتين لمراقبة الوافدين بشكل فردى ثم إلكترونى، مجموعة من الأجانب يمرون، أعلام كتائب إسرائيلية تتراءى، الوضع أشبه بمنطقة حرب، غير أن مشاعر الحفاوة لا تخفت «لو بدّهم سلام ليش كل الحواجز دى» يرددها أحد المسلمين، قادم من البوسنة فى زيارة.. للحرم ثلاثة مداخل، واحد فقط هو المسموح للمسلمين، حسبما أقرت لجنة «شمجار» -قاضى المحكمة العليا الإسرائيلية- ذلك المشهور بأنه «كافأ الجانى».. القصة تعود إلى الساعات الأولى من صباح الجمعة، الخامس عشر من رمضان 1427، الموافق 25 فبراير 1994، وسط شروع المصلين فى صلاة الفجر، وتلاوة آيات الذكر الحكيم، كانت أبواب الحرم تزمجر معلنة الإغلاق من الخارج، استغرب المصلون، لكن ما رأوه عقب لحظات كشف اللعبة، حين هاجمهم «باروخ جولدشتين» طبيب الأطفال الذى ارتدى زياً عسكرياً وراح يرش الرصاص فى ظهور المصلين، حاولوا الهروب دون جدوى، لينتج عن فعلته 29 شهيداً، وعشرات المصابين، قبل أن يلحق بهم 60 شهيداً جراء الاشتباكات التى لحقت بالمجزرة.. أُغلق الحرم ستة أشهر، قال الصهاينة إن المجرم مختل عقلياً، قبل أن يصدر «شمجار» حكمه بتقسيم الحرم الشريف إلى نصفين، حسب وصفه، الأول بنسبة 80% تحت السيطرة الإسرائيلية، واكتفى بـ 20% للفلسطينيين، على أن يفتح الحرم كاملاً لكلتا الفرقتين 10 أيام كل عام خلال الأعياد.

سلم رخامى تعلوه كاميرات مراقبة، نسمات هواء تواجه صلف الجنود المصطفين فى تعالٍ، يسترقون النظر، بوابة حديدية هى آخر إجراءات الأمن المشددة على بُعد 4 خطوات من الدخول لساحة المسجد الرئيسية «القاعة الإسحاقية».

لا يزال الحرم الإبراهيمى محتفظا بالأذان السلطانى، ذلك الذى تنشده مجموعة وليس فرداً، فيصنع صورة عجائبية عن مكان أكثر من مبهر.. بثلاث بوابات خشبية خضراء تُظهر عدداً قليلاً لا يكمل أصابع اليدين يصلى العصر «لما تكون الصلاة تحت تهديد السلاح ورعب الناس لازم العدد يقل» بحسرة يقولها الشيخ صبحى أبوصبيح، إمام ومؤذن ومقرئ الحرم الإبراهيمى. منتصف المسجد مقامان، ببناء جرانيتى أبيض مختلط بلون بُنى تغلب عليه الحُمرة، الأول لسيدنا إسحاق، يقابله قبر زوجته السيدة «رفقة»، على بعد 11 خطوة.

منبر صلاح الدين الأيوبى على يسار المحراب، فخم، برأس مخروطى أخضر، تزينه مشكاة، تعلوه مئذنتان صغيرتان، يحيطه لوح زجاجى للحفاظ عليه، ألوانه مزركشة، قام بصناعته بعض الشيعة تقرباً لرأس الحسين، حسب إمام المسجد، عبارة عن 360 قطعة خشبية معشقة بطريقة الأرابيسك دون مسمار واحد، بلغة يونانية داخل برواز صغير يقابله آخر على يمين المنبر يشرح من قاموا بسقف المسجد فى عهد الناصر محمد بن قلاوون.. بناء الحرم يعود إلى ما قبل 2800 عام، رومانى الأساس، تحول غير مرة من كنيسة لمسجد مع هويات المحتلين، قبل أن يستقر كمسجد عقب فتح صلاح الدين للقدس، ممثلاً شكله النهائى كعمارة مملوكية قبل 750 سنة.. سطح المسجد غير مستوٍ لسهولة سريان المياه فى الشتاء، حسب إمام المسجد، 14 درجة سلم أسفل المنبر تصل بك إلى منطقة «الغار الشريف»، قبور الأنبياء مغلقة كرامة لهم، على حد وصف أحد حراس المسجد، من المسلمين.. فى مؤخرة المُصلى شرفة محمولة على ستة أعمدة، بسلم صغير حلزونى يوصل لـ«دكة المؤذن»، مخصصة للمقرئ يوم الجمعة، أسفله فتحة ذهبية اللون تحت قبة بيضاء، ذات ثقوب يظهر منها قنديل زيت يشيع الراحة فى النفوس بالإطلال على الغار الشريف.

خارج المُصلى الرئيسى يطل مقام سيدنا إبراهيم من شباك كبير أخضر، بشكل سداسى تغطيه كسوة خضراء اللون بمساحة ثلاثة أمتار، كلمات نورانية تحُفُّه، أسقف ممهورة بأيدى الأمويين. الواقف على شرفة الخليل إبراهيم يحده حائط خشبى يمنع الوصول للشباك الآخر للمقام، المخصص بدوره للصهاينة؛ كأنهم يقتسمون التراث والمقدسية عنوة.. شباك صغير أمام «الحضرة الإبراهيمية» لموطئ قدم، يقول إمام الحرم إنها مستقر الرسول خلال رحلة الإسراء والمعراج حين أخبره سيدنا جبريل بضرورة الصلاة ركعتين بجوار قبر جده «إبراهيم» عليه السلام.. من الشباك المخصص للإسرائيليين يظهر قبر سيدنا «يعقوب» وزوجته «لائقة»، أما المنطقة اليوسفية الخاصة بقبر سيدنا يوسف فهى خارج «الغار الشريف». أمام مقام السيدة سارة «نجفة» بطول متر ونصف المتر، ذهبية اللون، مُضاءة بنصف طاقتها، كتابات على الحوائط «يا رب أعطِ أولادى الحظ»، صبايا يدونّ تاريخ الزيارة للذكرى، على قدم ونصف تجلس فتاة ثلاثينية تدعو فى رجاء، وريقات صغيرة ملقاة داخل «حضرتها»، يقول أحد الزوار إن هناك اعتقاداً قديماً بأن سيدتنا «سارة» كانت لها بركة فى تزويج الفتيات أو حل مشاكلهن؛ لذا فليس مستغرباً وجود خطابات المناجاة المتراكمة، «قبر سيدتنا سارة رضى الله عنها زوجة النبى خليل الرحمن عليه السلام» عبارة تعلو سجادة أمام القبر، فيما تزين حواف الكسوة أسماء الله الحسنى. فى الخروج من الحرم الإبراهيمى إحساس بعظمة زيارة «الحرم الرابع» وغُصة من رؤية أسلاك شائكة وأسلحة تعانق المنازل، فيما يكمن الأمل فى أولئك الصبية المتفائلين رغم كآبة المشهد، وملابسهم الناضحة بالفقر، كذلك تلك «التكية» المطلة من يمين الحرم والتى تطعم المحتاجين وغير المحتاجين يوميا كنوع من التبرك بالطعام، والتى لم تغلق أبوابها ولم تُطفأ نارها من زمن سيدنا إبراهيم الملقب بـ«أبوالضيفان» والمشهور بجوده الشديد.

فى أروقة السوق بالبلدة القديمة، الحزن يخيم، أبواب حديدية خضراء لمحال مغلقة، هنا يسكن «اللاشىء»، مدينة أشباح، 1500 محل مغلق، ثلثها بأمر عسكرى إسرائيلى، عقب مذبحة الحرم الإبراهيمى، والباقى تركه أصحابه بعدما ملوّا قلة الرزق؛ فأكثر من خمسة شوارع رئيسية بالبلدة موصدة. داخل سوق اللبان يسير على مهل، بملابس رثة يجر عربته اليدوية التى تحمل قمامة المكان، هشام إدريس، يعمل ببلدية الخليل منذ سنوات، لكنه اعتاد الوضع المستحيل، حسب وصفه، الرجل الأربعينى لديه من الأبناء ثلاثة، أحدهم معاق، عسر الحال يتجلى فى شخصه، غير أنه لم يفكر يوماً فى مغادرة «الخليل»، فروحه معلقة بها، يلتقط منه «أحمد المحتسب» أطراف الحديث، يروى سبب الفراغ المهيمن «خلال الانتفاضة الثانية استغل الصهاينة الوضع وحولوا المنطقة لثكنة عسكرية وحظروا التجول، فالناس ملوّا وأغلقوا محلاتهم وبحثوا عن رزق فى أماكن خارج الخليل.. زمان كانت المحلات هنا برقم ضخم دلوقتى برخص التراب والسلطة لا تدعمنا بالمرة»، الآن لا يمنع المحتل أصحاب المحال من العودة، لكن السوق أضحت لا تحمل بين طياتها سوى هواء، ومجموعة من الصبية يلهون، أما الزبائن فهجروا المنطقة بلا رجعة، الحزن يرسم خريطته على وجه «المُحتسب» الذى يسكن خارج «الخليل» منذ 12 عاماً، لكنه أقسم على الزيارة لمنزله القديم كطقس يومى لا يغيره مهما تعثرت الأحوال. حول «الخليل» طوق مكون من 37 مستوطنة، وفى قلبها 5 بؤر استيطانية، هى نواة لمستوطنات آخذة فى التوسع، يقطن فى كل منها -البؤر- نحو 400 صهيونى ويحرس كل مستوطنة 2000 جندى إسرائيلى، على بعد 200 متر من الحرم الإبراهيمى يقبع شارع «الشهداء» يتقدمه باب حديدى وأحجار كتلك المستخدمة فى الجدار العازل، هو أهم شوارع «الخليل»، من هنا تنضح معانى الاحتلال؛ فالشارع الذى يمثل قلب «الخليل»، رابطاً جنوبها بشمالها، ومكوناً لعصبها التجارى موصد فى وجه أصحابه، ومرتع للصهاينة. نحو 1820 محلاً مغلقاً بالداخل، 64% من سكان الشارع الأصليين تم ترحيلهم قسراً «الصهاينة قرروا أن يمحوا تراث البلدة القديمة ويحولوها لمكان يهودى بامتياز»، يشرح بها «جهاد القواسمى»، الباحث فى شئون «الخليل»، موضحاً أن مستوطنى «الخليل» مشهورون بالشراسة؛ فالمستوطنات بكل مدن فلسطين على حدود المناطق، أما فى «الخليل» فهى -المستوطنات- فى المنتصف.

فى مدقات الخليل، بالقرب من مستوطنة «إبراهيم أبينو»، العنصرية «أسلوب حياة»، تظهر فى سلك شبك كبير يصنع أسقفاً للشوارع، يحاول به «الخلايلة» عبثاً أن يمنعوا قاذورات المستوطنين، كابوس مستمر، بامتداد شارع «الشهداء» يطل برأسه من شارع «السهلة» أو «البِركة» مُعرباً عن اغتصاب آدمى ونفسى لأصحاب الأرض، بشارع عرضه ستة أمتار لا يُسمح للفلسطينيين بالسير فيه إلا فى متر إلا الربع، وما عداه فهو ملك للمستوطنين أو «المحتلين الجدد» خلف جدار أسمنتى شق الشارع.

فى «الخليل» كانت علاقة المسلمين باليهود طيبة، حتى عام 1929، حين دبر الاستعمار البريطانى مجزرة «اليهود» بقتل عدد كبير منهم، وهروب آخرين، وإلصاق التهم بالمسلمين، غير أنه قبل 4 سنوات قدم يهودى -من سكان الخليل الأصليين- إلى رئيس بلدية المدينة طالباً منه ألا يدفن خارجها، وأن يصبح منزله وقفاً للبلدية، وأشار فى وصيته إلى رفضه التام لدخول أى مستوطن من دولة الكيان المزعوم، حسبما تُروى القصة فى جنبات الخليل.

«كان» هو الفعل الأنسب للمكان؛ الأطفال الصغار لا يعرفون المعالم القديمة إلا فى حكايات قبل النوم، فهنا مقهى «بدران» أقدم مقاهى «الخليل»، وهناك محل عائلة «دوفيش» إحدى أشهر العائلات، فى تلك البقعة أمهر غازلى الصوف، على اليمين «كان» الآلاف يتوافدون لصلاة الجمعة فى الحرم الإبراهيمى، وعلى اليسار نساء يشترين الهدايا للصبايا، وهنالك أصحاب المهن التراثية كتصليح «وابور الجاز» وسن الأسلحة.. ماضٍ يدعو للرثاء، وحاضر مكبل، ومستقبل تمنَّوا لو صار أفضل.

DMC