أخبار عاجلة

مقبرة إلكترونية للشتات العراقى

تخرج علينا المبدعة العراقية الأصيلة «إنعام كجه جى»- المقيمة منذ عقود فى باريس - بثالث رواياتها الشائقة بعنوان غريب هو «طشارى» - من طش بمعنى تبدد وتناثر - فى المثل العراقى الدارج «طشارى ماله والى» باعتبارها «رواية كل من سلب مسقط الرأس، ومهوى القلب». وتصدرها بسطرين من قصيدة الشاعر العراقى الكبير بدر شاكر السياب من قصيدته «غريب على الخليج» يقول فيهما:-

«لو جئتَ فى البلد الغريب إلىّ ما كمل اللقاء

الملتقى بك - والعراق على يدىّ - هو اللقاء»

فتبث فيها شجون أفدح شتات عربى جاء بعد الفلسطينى وغطى عليه، ويعلم الله ماذا يلحق بهما من فواجع سورية وغيرها. ولكتابة السيدة إنعام مذاق سردى خاص، يتميز بالنضج والتوثب والحيوية، إلى جانب الجمال المعتق والوثبات التخييلية واللغة المكتنزة، حيث بهرت القراء برائعتها «الحفيدة الأمريكية» وأنصتت إلى إيقاع الحياة فى وطنها الحبيب عن بُعد، فاستطاعت أن تمثله جمالياً بأبلغ وأصدق أدوات القص من تكثيف وشعرية وإتقان فنى. فنرى كيف تلعب المفارقة دوراً بارزاً فى إقامة التخالف بين الداخل والخارج لدى المهاجرين، ولا يقوى الشعور بالأمن ولا الاستمتاع بطيب العيش على محو الحنين الذى يعصف بجوانحهم وقلوبهم المعلقة بالوطن عبر الأخبار والإنترنت الذى جمع شتاتهم فى كل المنافى بأجيالهم المختلفة.

ومع أن الرواية تتراوح بين السرد بضمير المتكلم حيناً والغائب حيناً آخر فإنها تستقر غالباً عند جيل الوسط الذى اغترب فى مطلع شبابه وأنجب فى المهجر، ودعا الكبار كى يلحقوا به، والشخصية المحورية من هؤلاء الكبار هى الدكتورة وردية التى تستحضر صباها الأول وتعرض عليه ما تشاهده حينما قدمت إلى فرنسا عقب المحنة التى تعرض لها المسيحيون وتفجرت كنائسهم فى العراق، وكيف أن وزير الخارجية الفرنسى جاء يستقبلهم بنفسه عند باب الطائرة مثل وفد رسمى، فترصد ما يحيط ذلك من مناورات إعلامية «لقد بدأت إذن حفلة الاستثمار، وكانت كاميرات التليفزيون تصور (الناجين) وهم يضعون أقدامهم على أرض البلد الذى فتح لهم باب اللجوء الإنسانى، والمصور يطوف على الوجوه المتعبة ويركز على المرأة المُسنة المدفوعة على كرسى، عمتى، ثم تستدير الكاميرا لتتوقف - فى لقطة مقربة - على صورة المطران الذى قُتل فى الأحداث وجاء اللاجئون بها معهم من هناك، جواز سفرهم الحقيقى إلى فرنسا، الابنة البكر للكنيسة الكاثوليكية، البلد الذى يزأر كالأسد فى غابة حقوق الإنسان» وعندما تُدعى العمة لحفل استقبال فى قصر الإليزيه، يظن سائق التاكسى المغربى الذى يحملها إلى هناك أنها من صديقات والدة الرئيس ساركوزى أو أنه طلبها كى تقرأ له الطالع، ويتمنى لو أنه شجع امرأته على التنجيم وقراءة الكف بدل المكوث أمام التليفزيون طيلة اليوم ومتابعة المسلسلات التركية فى باريس.

إحياء زمن الديوانية:

تبعث الرواية عبق الزمان، وهى تثير جماليات المكان ورائحة البشر فى تنقلها الرشيق بين عهدين وشخوص عديدة تفصل بينهم آماد طويلة. ابتداء من صبا الدكتورة وردية وبداية عملها بعد التخرج فى كلية الطب وعملها فى مدينة الديوانية طبيبة لأمراض النساء إلى شيخوختها الراهنة، وكيف أنها لم تكن تحب أن تسمى الحبلى مريضة. إنها لا تشكو فتقاً ولا ورماً ولا نزيفاً، بل تأتى متوجة بتلك الحالة التى وصفتها كتب الطب بأنها «افتخار الحمل» تسير متخاذلة وموجوعة، ويشق صراخها الفضاء، لكنها تتعالى على الطبيبة والممرضات، وعلى مريضات الباطنة الراقدات فى الردهة، لأنها من دونهن فى تلك اللحظة من تحمل فى أحشائها بركة الخلق، ورغم فرادتها وسمو رسالتها لابد من إفساح مكان لها حتى تحل «الساعة الخفيفة» وتضع الحبلى حملها، ولا أحسب أن روائياً مهماً بلغت حساسيته فى النقاط والمشاعر الإنسانية الهاربة بوسعه أن يتمثل منظور المرأة التى تحمل بركة الخلق مثلما تفعل الكاتبة فى كثير من المشاهد والمواقف المفعمة بالصدق والعفوية، فهى بعد أن تركت الديوانية وانتقلت إلى بغداد أرسلت مرة ابنتها ياسمين لتجدد لها رخصة السواقة، فيقرأ الضابط المتجهم اسم صاحبة الرخصة فينبسط وجهه ويسأل الفتاة: هل هى وردية إسكندر التى كانت دكتورة فى الديوانية؟ وعندما تجيب بالإيجاب يقول لها «شلون صدفة، هى التى جاءت بى إلى الدنيا»، فتسأله الابنة عن اسم الوالدة لأن أمها لا تنسى مريضاتها «كان الزحام شديداً حول نافذة المراجعين، وتحرج الضابط أن يذكر اسم أمه أمامهم، أخذ ورقة وكتب عليها كلمتين وطواها بسرعة ودسها فى يد ياسمين، ثم قام بالواجب خير قيام وجدد الإجازة فى دقائق، وفيما بعد لما قرأت وردية اسم حميدة ناصر تذكرتها وشقيقاتها وموقع بيتهم على طريق معمل الطابوق، وقالت إن اسم ابنها فاضل وقد ولد فى شهر رمضان» ولا يقتصر الأمر على مثل هذه التفاصيل المهنية الخاصة بالنساء، بل يلاحظ أن سردهن كما يتجلى فى هذا النموذج الفائق يحمل تفاصيل الملبس والمأكل والزينة وألوان الأثاث ودقائق الحياة اليومية بما يتكفل بإعادة تجسيدها بحيوية ونضرة يندر أن نجدها فى كتابات الرجال، وما أجمل وصفها مثلاً لقصة زميلتها فى الكلية، كلير الجميلة، التى كان يطلق عليها زملاؤها «فيفيان لى» بغداد، بطلة فيلم «ذهب مع الريح» وكانت تخاف من الحشرات ولا تطيق لمسها، فحاول أحد زملائها أن يداعبها فدس فى جيب معطفها ضفدعة مخدرة، وعندما وقعت عليها يدها أخذت تصرخ بهستيريا شديدة فى واقعة مشهورة تناقلها الطلاب ووصلت للصحف، «وتركت كلير دراستها فى الطب، وعادت إلى البصرة لتتزوج وتواصل جمالها» أما أسباب هجرة الطبيبة الناجحة بعد هذا العمر فهى بيت القصيد فى الرواية، هاجرت نتيجة لليأس والتعصب، التعصب الكريه الذى دفع بابنتها ياسمين إلى القبول بزواج زوج جاءها بالمراسلة، خطبها من شقيقها بالتليفون، وبعث لها الخاتم مع شركة «أرامكس» للبريد السريع، وتسلمها من مطار دبى مثل طرد بالبريد المضمون.

«هربوها من البلد بعد رسائل التهديد التى كانت تلقى فى بيتهم من فوق السياج وتقول: «السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فعندكم عشرة أيام لتنفيذ هذه الفتوى وإعطائنا بنتكم زوجاً حلالاً لأمير جماعتنا أو أن نذبحكم كلكم ونأخذ بيتكم يا كفار وإلى جهنم وبئس المصير». عثر الخادم على الورقة وسلمها إلى وردية وهو يفتعل الضحك للتغطية على قلقه واضطرابه، قرأتها وانعقد جبينها، وطلبت منه ألا يخبر ياسمين بالأمر، أخذت الورقة وذهبت إلى جارهم الشيخ داوود، فاكفهر وجهه، وشتم الزعاطيط وأدعياء الدين المتعصبين الذين يروعون كرام الناس ثم قال لها: دكتورة، لا تخافى، نحميكم بعيوننا»، أما الخادم فقد ذهب إلى الشرطة وحرر محضراً بالواقعة مع أنهم مرتشون ومتواطئون، وينتهى الأمر بياسمين إلى الزواج، وبالدكتورة إلى الذهاب إلى عمان واتخاذ إجراءات إلى كندا قبل قبول الدعوة الفرنسية والذهاب إلى باريس بعد أن تفرق الأقارب وأصبح من بقى منهم لا يأمنون على أنفسهم ولا يلتقون سوى فى الجنازات الأليمة أما تفاصيل الواقع الفاجع لتغول الروح الطائفية واستحالة التعايش الذى كان العراق مضرب المثل فى سماحته وامتزاج أعراقه وأديانه- فهى لحمة الرواية بتفاصيلها الدقيقة.

المقبرة الإلكترونية:

تطلعت العمة وردية إلى ما كان إسكندر ابن أخيها يعرضه عليها فى شقتهم بباريس، وهو يضع أمامها شاشة الكمبيوتر، إنها مقبرة إلكترونية، رأت شواهد رخامية تتوزع بين أشجار وارفة خضراء، وصلبانا من رخام وخشب وذهب، وضعت السماعتين فسمعت موسيقى ناعمة تتناغم مع حركة فأرة الكمبيوتر، «عرض عليها قبور تفنن فى تشييدها بعد أن وقع فى فخ السلالة وصار خبيراً فى العمات والأعمام والأجداد الراحلين».

اكتشف تفاصيل مسلية عنهم وهو ينحت قبورهم ويسطر العبارات اللائقة على شواهدها، نقر على زاوية الشاشة فتضاعف حجم الصورة، وتمكنت أن تشاهد ما هو منقوش على رخامة قبر زوجها وهو يقول لها: «تركت لك مكاناً بجواره بعد مائة سنة، قرأت: (من آمن بى وإن مات فسيحيا.. وتحت العبارة الإنجيلية: الدكتور جرجس منصور 1928- 1997) أخذ إسكندر يلملم شمل العظام من مقابر الخليج والشام وديترويت ونيوزيلاندا وضواحى لندن وينفخ فيها من موهبته لتستريح فى أرض محايدة، يجمع شمل الرجال والنساء الذين وضعوا الرؤوس على مخدة واحدة لعقود من الزمن ثم تفرقوا وهم أموات فى المقابر الغريبة، طواهم طير الأبادير الذى حلق فوق العراق ورماهم فى بلاد الله الواسعة» لكن من سعوا إلى حجز مكان فى هذا الفضاء الافتراضى وزودوه بالبيانات الكاملة عن ذويهم لم يلبثوا أن أدركوا أنهم قد وقعوا فى أسر وهم كبير، فصديقته التونسية اللعوب التى أصيبت بمرض نادر وشارفت الموت رجته أن يمحو مقبرتها من شاشته لأنها تريد أن تشم عبق أرض وطنها، وبقية أهله ومعارفه انصرفوا أيضاً عن هذا الوهم كما كفوا عن بناء البلاد والمواقع على الشبكة العنكبوتية وهم «يرون وطناً يتسرب من جلده فيمسكون به يحبسونه على الشاشات أصابع أخطبوطية لا تكل عن النقر والإرسال، تفرك لوحة المفاتيح فيخرج العراق مارداً جباراً من فانوس ألف ليلة وليلة». لكن رواية «طشارى» لا تكتفى بتحلل هذا الوهم ختاماً لها. بل تمعن فى متابعة حيوات فروع أخرى من عائلة الدكتورة وردية فى مجاهل كندا بين بقايا الهنود الحمر بدأب ومثابرة واقتدار عجيب على تمثيل هذه البيئة الغريبة المدهشة لتجعل من هجرة العراقيين وتبددهم فى أنحاء المعمورة ملحمة من الإصرار على التكيف وضرب المثل فى حيوية الشعوب التى لا تقهر فتبرهن على عرامة الإرادة الفردية عندما ينفرط عقد العزم الجماعى، وتثبت إلى جوار ذلك أن المبدع العراقى الذى تصدر المشهد الشعرى العربى منذ منتصف القرن الماضى لم يفقد عبقريته الإبداعية فى الفنون الأخرى ومن أبرزها سرديات الشتات المفعمة بالنضج والشعرية.