أخبار عاجلة

عاشت الدولة العميقة

من أبرز أخطاء جماعة الإخوان بعد استيلائها على الحكم فى أن بدأت فى الهجوم على ما سمته «الدولة العميقة»، والتى كان يراها غير المأسوف عليه محمد مرسى أحد أهم أسباب عجزه عن إدارة البلاد، وفات الجماعة وأشياعها أن تلك الدولة العميقة أو مكوناتها من كبار الموظفين فى الوزارات والهيئات هم من أداروا عملية الحياة فى الأوقات العصيبة التى مررنا بها منذ ثورة 25 يناير حتى الآن. وتلك البيروقراطية التى طالما انتقدناها، وعانينا من تحكماتها هى التى وفرت لنا كوب ، وأتاحت استمرار الكهرباء، وتدفق المواد البترولية والأهم أنها وفرت المواد الغذائية، وعلى رأسها بالطبع رغيف العيش.

منذ 25 يناير 2011 تعاقبت الحكومات، وجاء وزراء وذهب آخرون، بعضهم أدى ما عليه، والبعض الآخر ارتبك، وفشل، وظلت الدولة العميقة قابضة على الجمر تؤدى ما عليها، وتقاوم هجوم الإخوان، ولولا تلك المقاومة التى مهدت لثورة 30 يونيو، ما كان لنا أن نأمل فى مصير ليبيا الآن أو فى أحسن الإحوال كنا سنتمنى أن نحيا كالسوريين فى بلاد الله خلق الله، نسأل على استحياء من يحسن إلينا لنبقى على قيد الحياة.

الدولة العميقة الآن تواصل دورها، تحمى مقومات الدولة، وتصلب عودها حتى لا تنهار، من لا يقدر قيمة هذا الدور أدعه فقط للنزول بمستوى رؤيته درجة واحدة.. درجة واحدة فقط يتجاوز بها نقده ووزراءها، ويركز فى أداء رجال الدولة فى الصفوف الثانية والثالثة.

■ أتابع منذ فترة الكاتبة الصحفية حنان البدرى وتقاريرها المهمة التى تكتبها من واشنطن، وفى تقرير أخير لها فسرت الموقف الأمريكى من مصر الآن بالعودة إلى حوار لها قبل ما يقرب من 15 عاماً مع السياسى المخضرم جوزيف سيسكو الذراع اليمنى لـ«هنرى كيسنجر» أشهر وزراء الخارجية الأمريكيين، واعترف الرجل فى الحوار بأن قدرة المصريين على إعادة بناء قواتهم بعد نكسة 67 سببت أرقاً للأمريكيين، وبعد بحث عميق لتفسير تلك الحالة توصل الأمريكيون إلى أن عدم انهيار الدولة المصرية يرجع لثلاثة أسباب، وهى: وجود قطاع عام قوى وفر للمواطن احتياجاته، وروح معنوية عالية فى الشارع، يصعب اختراقها، وجيش قادر على الاكتفاء الذاتى. وأضاف «سيسكو»: هذه العوامل موجودة دائماً على طاولة صانع القرار الأمريكى وهو يدير علاقاته مع مصر. وتشير حنان البدرى إلى أسباب إصرار البنك الدولى بعد ذلك على التخلص من القطاع العام فى مصر، وطموحات الأمريكان فى إمكانية ضرب قدرة الجيش المصرى على الاكتفاء الذاتى عبر محاولات الإخوان إجبار القوات المسلحة على إدماج ميزانيتها ضمن ميزانية الدولة، وأخيراً قرار الإدارة الأمريكية تجميد المساعدات العسكرية لمصر.

الواقع الآن يشير إلى أنه بعد نكسة 2012 (وصول الإخوان لحكم مصر) يعيد التاريخ نفسه الآن، وها هى مصر تستعيد قدرتها على إعادة البناء تحت مظلة جيش قوى، وروح معنوية عالية فى الشارع ترفض أى محاولة للسيطرة الأمريكية على الإرادة المصرية، ويبقى الرقم الناقص فى المعادلة وهو القطاع العام الذى تم القضاء عليه إلا قليلاً.. وأعتقد أن الدولة العميقة هى من تستطيع ضبط المعادلة مرة أخرى، وتقوم بدور القطاع العام.

أعتقد أن مصر الآن تمثل «وجعاً فى قلب أوباما» ذلك الرئيس الأمريكى المسلم الذى تنكر لديانته لحساب طموحاته السياسية، تلك الطموحات التى دفعته لمساندة الإخوان فى مصر بجنون، وبأموال طائلة على أمل السيطرة على كنوز الشرق، وهى أيضاً التى ستؤدى لمحاكمته فى أمريكا، كما ستتم محاكمة مرسى فى مصر. وعاشت الدولة العميقة.