أخبار عاجلة

"كورونا النخيل".. معركة خريف كل عام لإنقاذ خُمس إنتاج من التمور

"كورونا النخيل".. معركة خريف كل عام لإنقاذ خُمس إنتاج مصر من التمور "كورونا النخيل".. معركة خريف كل عام لإنقاذ خُمس إنتاج من التمور

مصراوي Masrawy

تحتل صدارة العالم في إنتاج التمور، برصيد 1.7 مليون طن من 15 مليون نخلة تنتشر في محافظات الجمهورية، وفق أطلس نخيل البلح والتمور الصادر بالتعاون مع منظمة منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو) في 2019، بينما تأتي الوادي الجديد الأولى بين محافظات الجمهورية في الإنتاج، بـ13 نوعًا، تُجمع من قرابة 3 ملايين نخلة مثمرة.

السوسة الحمراء تغزو الوادي

قبل سنوات مضت، تعرض هذا الكنز الغذائي الضخم الذي تحظى به مصر لهجوم "سوسة النخيل الحمراء"، المصنفة علميًا باعتبارها إحدى أكبر الآفات الغازية في العالم، الأمر الذي دفع وزارة الزراعة إلى اعتماد خطة شاملة لمواجهة الخطر، كانت آخر محطاتها محاولة إكساب المزارعين القدرة العلمية الكافية للتعامل معها كخبراء، وذلك بالتعاون مع الفاو، ضمن مشروع "تطوير سلسلة القيمة للتمور".

ما هي سوسة النخيل؟

تُعرف الفاو حشرة سوسة النخيل بأنها تحدث أضرارًا بالغة، تفوق التي تسببها كل آفات النخيل الأخرى مجتمعة.

تنتشر هذه الحشرة في مناطق كثيرة من أنحاء العالم، بينما يعتبر نقل الفسائل وأشجار النخيل ومخلفاته من أهم عوامل انتشار الإصابة في المناطق المختلفة، فضلاً عن قدرة الحشرة على الطيران لمسافة 900 متر يوميًا.

وتتوافر ظروف مثالية لتكاثر الحشرة من رطوبة مرتفعة وحرارة وكثافة زراعة النخيل، وعدم إجراء الفحص الدوري باستمرار وزيادة معـدلات الري، ما يجعل النخيل غض الأنسـجة تسهل إصابته.جانب من الدورة التدريبية لمزارعي الوادي الجديد لمكافحة سوسة النخيل

معركة خريف كل عام

ينشط هذا النوع من الحشرات في فصل الخريف، تزامنًا مع الممارسات الزراعية التي يتبعها المزارعون في أعقاب موسم حصاد البلح خلال شهري أكتوبر ونوفمبر من كل عام، بما تشمله من أعمال النظافة الميكانيكية أو (التقليم)، التي تنتج عنها مواد عضوية تخرج من النخيل، تجذب الحشرة التي تتغذى عليها، ما يهدد بتدمير النخلة المصابة في فترة تتراوح ما بين 2-6 أشهر.

ظهرت سوسة النخيل في الوادي الجديد للمرة الأولى عام 2005، وبالتحديد في بئر البلد ودير البلد بالفرافرة، ثم اكتشفت للمرة الثانية في العام 2008 بمركز الخارجة في منطقة طريخة، والخارجة 1، ومنطقة نخيل عين أبو صالح، واستمر تواجدها حتى اليوم، ما هدد إنتاجًا يمثل 20% من المساحة المزروعة في المحافظة، ونحو 90% من مصدر دخل أبنائها، وفق ما أوضح وكيل زارة الزراعة بالوادي الجديد الدكتور مجد المرسي.

ولمواجهة حجم الدمار هذا، الذي تسببه "السوسة الحمراء"، شكل فرع مركز البحوث الزراعية بالوادي الجديد فرق فحص وعلاج أشجار النخيل لمساندة جهود مديرية الزراعة بالمحافظة.

جاء ذلك في ظل تحد من نوع آخر يواجهه قطاع الزراعة في الوادي الجديد، يتمثل في انخفاض عدد المهندسين والمشرفين الزراعيين لعدم تعيين كوادر فنية جديدة بالمديرية، الأمر الذي جعل عمليات الفحص الدوري والعلاج المستمر الذي تتطلبه مواجهة هذه الآفة صعب التحقق، في ظل اتساع رقعة المحافظة التي تبلغ 44 % من مساحة مصر.

ومن هذا المنطلق، استشعر الباحثون في المحطة الإقليمية للبحوث الزراعية بالوادي الجديد، حجم التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي والمخاطر التي تحيط بمحصول البلح؛ المكون الرئيسي الاقتصادي للمحافظة، ما دفع إدارة المحطة لوضع خطة طموحة تستهدف تحويل مزارعي المحافظة لفاحصين ومكتشفين للحشرة من خلال خطة تدريب عملية ونظرية لمزارعي المحافظة بالمجان.

جانب من الدورة التدريبية لمزارعي الوادي الجديد لمكافحة سوسة النخيل

كارثة لا تقل عن كورونا

خليفة محمد حسن، مزارع بمركز الخارجة، وأحد الذين التحقوا ببرامج التدريب الجديدة لمواجهة "سوسة النخيل"، قال لمصراوي، إن هذه الآفة لا تقل خطورة عن كورونا؛ لأنها تهدد كيان المحافظة ومستقبلها الزراعي.

وأصبح محمد حسن، بعد 3 أيام من التدريب، قادر على تحديد الإصابة بهذه الحشرة، وكيفية العلاج بطريقة صحيحة تحافظ على المحصول والنخلة المصابة، بل ويساعد حاليًا جيرانه من المزارعين في رصد وعلاج إصابات النخيل لديهم.

التحق صبحي حمزة، المزارع بمنطقة بئر 10 في مدينة الخارجة، بدورة البحوث الزراعية، وأنهى تدريبه على اكتشاف التلف الذي أحدثته السوسة الحمراء بزراعته، حيث نجح بمفرده خلال اليوم العملي للتدريب في الكشف عن وجود إصابة داخل أحد الحقول الزراعية، تمكن من التعامل معها بحقن المبيد الزراعي في جسم النخل بطريقة صحية وآمنة.

ومن جانبه، قال الدكتور مجد المرسى، وكيل وزارة الزراعة بالوادي الجديد، إنه جاري حاليًا تنفيذ خريطة بالأماكن المصابة بسوسة النخيل الحمراء لمكافحتها بخطي معروفة، وفي زمن قياسي محدد.

وتعقد الدورات التدريبية لمزارعي الوادي الجديد خلال أشهر نوفمبر وديسمبر، التي تشهد نشاطًا حادًا للحشرة، وفق ما أوضح المهندس محمد عبد الحافظ وكيل إدارة المكافحة بمديرية الزراعة، الذي أكد على أنه كلما زادت خبرة المزراعين في التعامل مع هذه الآفة، كلما تقلصت أماكن بؤر هذه الحشرة، وتحقق أمل التخلص منها نهائيًا، كما فعلت موريتانيا.

التجربة الموريتانية

في 2016، أصابت السوسة الحمراء أشجار النخيل في تكانت بوسط موريتانيا، بينما اعتمدت خطة متكاملة للتصدي لها، مكنتها في أشهر قليلة من القضاء تمامًا على آفة "السوسة الحمراء" في أوائل 2017.

وعملت وزارة الزراعة الموريتانية في خطتها وفق عدة إجراءات ذات طابع استعجالي، تمثلت في توفير الفرق والمعدات اللازمة، واستصدار القوانين التي تحظر استيراد الفسائل أو نقلها من أجل الحد من انتشار الآفة، بالإضافة إلى اعتماد منهجية تشاركية، شملت جميع المتدخلين وخاصة ملاك النخيل.

وجاء برنامج الدعم الفني واللوجيستيكي الذي تولت مسؤوليته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة مكملاً لهذه الجهود المبذولة من أجل السيطرة على الآفة والقضاء عليها لاحقًا.

وتمثلت حصيلة عمل المشروع في القضاء على 104 نخلة مصابة، منها 102 سنة 2016، واصطياد 88 حشرة في السنة نفسها، حيث لم يتم اصطياد أي حشرة بعد ذلك، بينما استمرت الجهود لضمان التأكد من خلو واحات النخيل الموريتانية من الآفة.

جانب من الدورة التدريبية لمزارعي الوادي الجديد لمكافحة سوسة النخيل

قطاع التمور المصري بين القوة والضعف

حددت استراتيجية تطوير قطاع النخيل والتمور، الصادرة في أكتوبر 2018 عن الفاو، 9 نقاط قوة ومثلها ضعفًا في قطاع التمور في مصر.

وكان من أبرز نقاط القوة وجود أصناف تمور ملائمة للسوق العالمي، واتجاه الدولة لإنشاء مزارع جديدة يمكن أن تتماشى مع الأنظمة المطلوبة بالسوق العالمي، بينما شملت أبرز نقاط الضعف نقص الإشراف الاحترافي المتخصص وتوجيه غالبية أصناف التمور للسوق المحلي، وهو ما يعزى إليه انخفاض الصادرات المصرية من التمور إلى مستوى متدن رغم أن مصر الأولى بإنتاج هذا المحصول عالميًا.

الدكتور صلاح محمود جميل، مدير المحطة الإقليمية للبحوث الزراعية بالوادي الجديد، أوضح أن الدورات التدريبية التي يتلقاها المزارعون حاليًا وحتى نهاية ديمسبر الجاري، تشمل إلى جانب إطلاعهم على كيفية اكتشاف وعلاج النخيل المصاب ومعرفة الجانب الوقائي، مختلف المعلومات العلمية الدقيقة عن حشرة سوسة النخيل الحمراء وسلوكها في الطيران والتغذية، ودورة حياتها.

للاطلاع على دليل مكافحة سوسة النخيل الحمراء الصادر عن الفاو.. اضغط هنا

جانب من الدورة التدريبية لمزارعي الوادي الجديد لمكافحة سوسة النخيل

استراتيجية تطوير لتعزيز التصدير

في 2017 نظمت الفاو بالتعاون مع وزارتي الصناعة والتجارة والزراعة وجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، ومنظمة اليونيدو، ورشة عمل افتتاحية لمشروع التعاون الفني لتطوير سلسلة القيمة للتمور في مصر، ضمن استراتيجية تطوير قطاع النخيل والتمور، التي تم تدشينها خلال مهرجان التمور الثاني في سيوه أكتوبر 2016.

يهدف المشروع إلى زيادة مستدامة لدخل مزارعي النخيل ومنتجي التمور والمجمعين وتجار ومصنعي ومصدري التمور في مصر، حيث من المتوقع بنهاية المشروع أن ينتج مزارعي النخيل ومنتجي ومصنعي التمور في مصر تمورًا ذات جودة عالية تقتحم الأسواق الوطنية والعالمية، إلى جانب تجميع الأصناف الجيدة والمهمة وحفظها في مجمعات وراثية كنواة أولى لبنك للجينات، ما سيعود بالنفع على الميزانية العامة للدولة والمستثمرين والمصنعين والتجار وبوجه خاص صغار المزارعين والفئات الأكثر احتياجًا.

ومن أهم أهداف الاستراتيجية خلال الخمس سنوات (2017-2021) زيادة التصدير من 38 ألف طن إلى 120 ألفًا سنويًا، ورفع متوسط سعر التصدير من 1000 دولار للطن إلى 1500 دولار، وتوفير المزيد من فرص التشغيل للشباب، حيث تعد صناعة التمور من الصناعات كثيفة العمالة.

وفي آخر تطور لجهود مكافحة حشرة السوسة الحمراء في الوادي الجديد، أعلنت مديرية الزراعة، الأحد الماضي، عن تقسيم مركز الخارجة لـ 4 قطاعات، لرصد أي بؤرة إصابة جديدة والتعامل الفوري معها، من خلال المهندسين والمشرفيين الزراعيين بإدارة الخارجة الزراعية لمنع تفشي المرض.

ووفرت المديرية المبيدات اللازمة والكبريت الزراعي، الذي يستخدم كرش وقائي على جسم النخلة عقب انتهاء أعمال النظافة الميكانيكية لها (التقليم)، التي ينفذها المزارعون خلال الفترة الحالية.

كما دفعت المحطة الإقليمية للبحوث الزراعية في المحافظة أوائل نوفمبر الماضي، بفرقتي فحص لاكتشاف الإصابة بالحشرة.

 

مصراوي Masrawy

شبكة عيون الإخبارية