السفير هيثم أبو سعيد: دول عربية في دائرة الشبهات لصمتها عن جرائم إسرائيل

ولفت إلى أن "موفد الأمين العام للأمم المتحدة، مارك لوكوك، يقوم بعمل جبار في اليمن، وفقا للمعطيات الموجودة لديه...".

وشدد على أن "التعاون مع السورية يجعل المحاسبة أقرب إلى الواقع من باقي الأطراف التي تتنازع ضدها وهي مجموعات مسلحة غير منضبطة وليس لها أي هرم يمكن التواصل معه".

إلى نص الحوار:

نريد أن نطلع على دوركم كمفوض للّجنة الدولية لحقوق الإنسان بالشرق الأوسط؟

البيت الأبيض

© Sputnik . Vladimir Astapkovich

الدور الذي نعتمده في عمل المجلس الدولي لحقوق الإنسان هو رصد وأرشفة ومتابعة كل الانتهاكات التي تحصل في الدول، خصوصا ما تقوم به بعض الحكومات من جهة عدم احترامها للشرعية الدولية والعهد الدولي الذي وقعوا عليه وهو ملزم لهذه الدول، ولكن هناك بعض الدول نتيجة بعض السياسات الخاصة بها لا تحترم هذه الشرعية ودورنا هو مراقبة هذه الدول من أجل حثها على تطبيق القوانين الدولية.

انتقدتَ إسرائيل بشدة بسبب هجماتها الأخيرة في سوريا والعراق ولبنان... لكن ألا توجد أي آلية لدى اللجنة الدولية لحقوق الانسان لاتخاذ إجراء ضد هذه الانتهاكات؟

انتقاد العمل في إسرائيل والدور الذي تقوم به خاصة مع الفلسطينيين، نحن قمنا بجر الكيان الإسرائيلي إلى المحاكمة الدولية من خلال الاستعراض الدوري الشامل، الذي تخضع له الدول من أجل أن تجيب أسئلة ومواضيع تم رفعها إلى المجلس الدولي واللجنة الدولية من شكاوى حول انتهاكات صارخة قامت بها. لقد حاكمنا إسرائيل في 18 آذار / مارس 2019، برغم كل الإجراءات والاتصالات وما تملكه إسرائيل من علاقات حاولت أن تجهض هذه المحاكمة لكنها لم تفلح. خرجنا من بعدها بتوصيات ملزمة تشير إلى أن ما قان به الكيان الإسرائيلي في غزة يرقى إلى جرائم حرب. وبالتالي بدأنا بالعمل على ما يلزم من الإجراءات القانونية الدولية من أجل تطبيق مقررات المجلس الدولي لحقوق الإنسان.

وجهتَ أيضا انتقادا لاذعا للدول العربية التي لا تتخذ مواقف واضحة من الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين وعلى بعض الدول العربية... هل توضح لنا ماهية هذه المواقف؟ ولماذا برأيك تتخذ بعض الدول العربية هذا المنحى من التحالف مع إسرائيل؟

هناك دول عربية باتت في دائرة الشبهات بالنسبة لخط استراتيجي فكري معين، وهذا حاصل نتيجة سكوت تلك الدول عن جرائم إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. وهناك دول خلعت ثوب الحياء والحرج وذهبت أكثر مما أراده الكيان الإسرائيلي. لقد طبعت تلك الدول دون أي مسودة اتفاق. عندما تريد التطبيع مع الكيان الإسرائيلي فليكن ذلك على العلن وضمن اتفاق واضح وبنود واضحة. وهذه المواقف أذهلت إسرائيل قبل العرب التي لم تتوقع هذه الهرولة تجاهها من أجل إقامة علاقات وتطبيع هذه المفاهيم. وهذه الدول قامت بمؤازرة معنوية لعدوان إسرائيل على لبنان وسوريا والعراق، وواكبت سلسلة من التفاهمات العربية مع إسرائيل. تفهمت وضعية إسرائيل بحقها توجيه ضربات عسكرية من أجل الدفاع عن نفسها دون مراعاة أي مما تبقى من المشاعر العربية والإسلامية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

© Sputnik . Григорий Сысоев

دائما ما تنتقد المفوضية السامية لحقوق الانسان إسرائيل... لكن لا توجد أية اجراءات عملية ضد ما يحدث... فكيف يمكن تطوير دور هذه المفوضية لاتخاذ مواقف عملية؟

هناك إجراءات عديدة في الدبلوماسية يمكن أن تقوم بها الدول العربية وأولها جامعة الدول العربية. لم يرقى دور جامعة الدول العربية إلى المستوى المطلوب. لم يتم عقد مؤتمرات ومتابعة حثيثة لهذه الأحداث من قبل الدول العربية وعلى رأسها جامعة الدول العربية. هناك الاستفادة من علاقات الدول العربية من أجل الضغط على إسرائيل من خلال حلفائهم في الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية تحديدا، وهذا لم نشهده على الإطلاق بل بالعكس كان هناك صمت مطبق على الأحداث التي تحصل في الشرق الأوسط وكأنهم يريدون القول حسنا ما تفعلون في هذه المجموعات الفلسطينية واللبنانية والسورية وغيرها من الدول العربية. وهناك أيضا المفهوم الاقتصادي الذي يمكن أن تضغط به على دول ذات علاقة وطيدة مع إسرائيل.

لكن كيف يمكن الضغط في ظل وجود الإدارة الأمريكية الحالية الداعمة لإسرائيل بكل قوة؟

هناك سياسات يمكن أن تنتهجها تلك الدول وهي العلاقات الموازية. المشكلة في معظم الدول العربية أنها وضعت كل إمكاناتها وخضعت للإرادة الأمريكية المطلقة ولم تبادر حتى لمناقشة أي موضوع قد يخص الخصوصية العربية والإسلامية. فعندما يرى الأمريكي أن هناك خنوعا كاملا من الدول لن تكلف نفسها أن تسأل رأي تلك الدول أو سبل الحلول التي يمكن أن تنتهجها الإدارة الأمريكية وبالتالي هي ستنحاز لإسرائيل تطبيقا لسياستها التي انطلقت منها في الشرق الأوسط، لكن على الدول العربية أن تقوم بمبادرة أكثر فاعلية وأن تضغط وتكون حازمة أكثر في كل المجالات من أجل ثني الولايات المتحدة حتى تكون في الوسط بين الجانبين. الولايات المتحدة لا يمكن أن تكون معادية للكيان الإسرائيلي ولكن على الأقل أن تكون منصفة، لذلك يجب أن تكون هناك مبادرة عربية جدية حازمة تقف بوجه هذه الأحادية الأمريكية.

في الفترة الأخيرة قامت الولايات المتحدة بإيقاف دعم الأونروا، والتي تقوم بدور كبير مع اللاجئين الفلسطينيين... فما هو موقفكم من هذا الأمر؟

توقيف دعم الأونروا له أسباب متعددة واستغلت أمريكا هذا الأمر خدمة لإسرائيل، وإجهاض ما تبقى من القضية الفلسطينية وتمرير ما بات يعرف بصفقة القرن، هذا من جهة. ولكن سأتحدث بصراحة أن هناك مشكلة إدارية داخلية في هذا الملف تتحملها الجهات التي تشرف مباشرة على الإدارة المالية واللوجستية لـ الأونروا والتي باتت مفضوحة لحد أن الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن لأخطاء بعض المسؤولين داخل هذه الإدارة والتي من الممكن أن تكون قامت بهذا الأمر عن قصد مستندة لجهات إقليمية أو دولية أو قد تكون متواطئة.

جنود يرافقون مسؤولين حكوميين يقومون بجولة في محطة الحاويات في ميناء عدن

© REUTERS / NAEL SHYOUKHI

في الشأن اليمني... منذ يومين أدانت لجنة من الخبراء الأمميين كل الأطراف في اليمن، وقالت إن جرائم الحرب مستمرة هناك... فما هو دوركم في إغاثة المدنيين والعمل على إيقاف الانتهاكات؟

هناك موفد للأمين العام للأمم المتحدة يقوم بعمل جبار، وفقا للمعطيات الموجودة لديه. السيد مارك لوكوك، لا يحسد على تعاطيه لهذا الملف لأن هناك ضغوطا كبيرة من كل الجهات. الانتهاكات الكبيرة تحدث للأسف من قبل التحالف الذي تقوده المملكة العربية ، ومعظم الانتهاكات والضحايا التي تسقط على أرض اليمن نتيجة القصف العشوائي لسلاح الجو والقصف المدفعي الميداني الذي لا يميز بين مواقع عسكرية ومدنية. وقد شهدنا العديد من الحوادث التي ذهب ضحيتها أطفال وشيوخ ومدنيين لا علاقة لهم بالصراع ولكن مجرد وجودهم في منطقة معينة دفعوا ذلك الثمن. نحن لا نقول إن الطرف الآخر لا يقوم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، على العكس، ولكن إذا أخذنا النسبة الأكبر تعود للتحالف العربي نتيجة المكون العسكري الذي يمتلكه، في مقابل الإمكانيات المتواضعة التي لا توازي إمكانيات التحالف العربي.

اللجنة أدانت قوات التحالف، وقالت إن التحقيقات التي أُعلن عنها مرارا بشأن الانتهاكات من الجانبين ضد أطفال ومدنيين لم تسفر عن شيء؟ لماذا؟

كل الأطراف تتموضع وراء أجندات خاصة مرتبطة مع تحالفات دولية. إذا أخذنا اتفاق ستوكهولم الذي عملنا فيه كل ما لدينا من معطيات وطاقات حتى نصل إلى اتفاق فيه، وتأملنا خيرا أن نبدأ مشهد انفراجات أمنية في اليمن، لكن سرعان ما عاد الطرفان ليطلقا اتهامات، وكل طرف ادعى البراءة، لكن عندما بدأنا في التحقيق الميداني وجدنا أن أجندة التحالف هي من بدأت خرق الاتفاق للأسف، وهي القادرة أكثر لما تملكه من قوة عسكرية أن تدير العملية أكثر. إذا كانت نيتها أن توقف العمليات العسكرية في اليمن أعتقد أن التحالف العربي قادر أن يلتزم، لكن هناك أجندات مختلفة وتصفية حسابات دولية داخل اليمن واصطفافات وتجاذبات متعددة لا يدفع حسابها سوى المدنيين.  

هل هناك أرقام خاصة بالوضع الحالي في اليمن من حيث حقوق الإنسان والإغاثة؟

الأرقام لن تكون دقيقة نتيجة الاعتقالات التعسفية والمقابر الجماعية واللجوء من مناطق مختلفة. ما أحصيناه من عام 2015 حتى اليوم هناك أكثر من 90 ألف ضحية في اليمن أثناء العمليات العسكرية وهو رقم مخيف. ناهيك عن الأمراض التي انتشرت والفقر والحالة الاجتماعية المزرية.   

ليبيا

© AFP 2019 / Abdullah Doma

التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية اتهم الأمم المتحدة وممثلها مارتن غريفيث مرارا بالانحياز للحوثيين، كما اتهم الحوثيون أيضا الأمم المتحدة بالانحياز للتحالف العربي... ما هو تعليقكم على ذلك؟

دائما من يكون في الوسط يتلقى الضربات والاتهامات من الجانبين. لا يمكن لأحد أن يتهم الأمم المتحدة بالتقاعس أو الإهمال أو الانحياز فهو كلام غير دقيق ولا يصح. عند وجود تقرير يطال التحالف العربي، لا يرضون به ويخرجون ببيانات تنديد واتهامات، كذلك عندما نخرج ببيانات لانتهاك الحوثي في أي منطقة باليمن. هذا أمر طبيعي وتعودنا عليه ولا نولي هذا الأمر أي اهتمام.

هل هناك بالفعل انحرافات من ممثلي الأمم المتحدة في اليمن بشأن توزيع المواد الإغاثية؟

هذا أيضا يندرج من ضمن الاتهامات. هناك سرقات من قبل بعض المجموعات لكنها لم تكن بالحجم الذي أعطي في الإعلام. اليوم  هناك استغلال لكل شيء. عندما يكون موضوع بحجم معين وتريد قوى سياسية أن تضخم الأمر. نعم حصلت بعض الانتهاكات والاستيلاء على بعض مستودعات الأغذية التي تصرف للمدنيين ولكن سرعان ما تم لجم هذا الأمر.

ننتقل الى سوريا... كيف هي أوضاع حقوق الإنسان هناك؟ وكيف تصل المساعدات إلى المناطق التي ما زالت تدور بها معارك؟ وهل هناك تعاون بينكم وبين والحكومة السورية في هذا الشأن؟

الوضع في سوريا معقد بعض الشيء ولا يمكن تشبيهه بأي ملف آخر سوى الملف الليبي. لكن سوريا منذ اندلاع الأحداث في 15 مارس 2011 كانت تتعرض لمؤامرة خفية غير ظاهرة أعد لها بإحكام وتابعناها من البداية وكان لنا رأي مع الحكومة السورية آنذاك لكن لم تكن هناك أذان صاغية. تسارعت الأحداث وبات هناك تدخلات لدول كبرى حتى وصل العدد إلى 92 دولة. في القانون الدولي عندما تتعرض أي دولة لعمل تخريبي أو أمني يحق لها أن تستخدم القوة لحد معين من أجل إجهاض هذه المؤامرة وإعادة الأمن والاستقرار. ما حصل عندما واجهت سوريا هذه المؤامرة الكبرى بدأت الأمور تتفلت وأخذت منحى غير مستحب من كل الأطراف. تعاوننا مع الحكومة السورية يجعل المحاسبة أقرب إلى الواقع من باقي الأطراف التي تتنازع ضد الحكومة السورية، وهي مجموعات مسلحة غير منضبطة وليس لها أي هرم يمكن التواصل معه. هي مجموعات في معظمها تكفيرية. لا تنطلق من المفهوم الذي تدعيه في الإعلام وهو إعادة الحقوق للشعب السوري، لأن الحق يأخذه أهله وليس مجموعات غريبة لا علاقة لها بالواقع السوري أو المجتمع السوري. من هنا تفاقمت الأمور ووصلنا إلى ما وصلنا إليه. بدأنا نشهد اليوم أمن واستقرار في معظم المحافظات السورية باستثناء بعض الناطق التي بها تجاذبات مثل محافظة إدلب.

وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، 9 سبتمبر 2019

© REUTERS / SATISH KUMAR

بما أن الأمم المتحدة تحققت من مؤامرة ضد سوريا... لماذا لم تكشف عنها وتقف إلى جانب الدولة السورية والشعب السوري حتى لا نصل إلى ما نتجت عنه الأحداث حاليا؟

هناك بيانات بهذا الشأن ودحضنا عدة اتهامات سيقت تجاه الجيش العربي السوري منها الأسلحة الكيميائية. وهي أيضا كانت مدار تجاذبات سياسية. التقرير الأول التي خرجت به لجنة الاستقصاء الدولية للكشف عن المواد الكيميائية في سوريا قال إنها لا تمتلك مواد كيميائية وسلمت كل مخزونها للجيش الأمريكي ودول التحالف الدولي. لنعود مرة أخرى ونرى أن جزء من هذا المخزون تمت إعادته إلى الأراضي السورية لمجموعات تم رصدها في حينها استعملوا عنوان إنساني حينها وهو "الخوذ البيضاء" التي لم تكن بالمفهوم الإنساني التي كانت تدعيه وكان لها دور سيء في سوريا وزيفت الإعلام والحقائق وفبركت الأفلام. كشفنا هذا الأمر وأرسلناه إلى الجهات الدولية. لكن سرعان ما تم الضغط علينا من أجل التوقف عن الأمر لكنه لم يحدث. وعندما كشفنا أن سوريا لم تستعمل الكيميائي في الغوطة الشرقية وخان العسل وأن الأفلام التي سيقت من إنتاج الخوذ البيضاء رأينا الموقف البريطاني الرسمي الذي أكد على أن الخوذ البيضاء من قام بهذه الأفلام المفبركة. 

الأوضاع في ليبيا تزداد سوءا بالنسبة للاجئين مع احتدام المعارك حول طرابلس... فما هو الدور الذي تقومون به هناك؟ في ظل اتهامات متبادلة بين طرفي الصراع باستهداف اللاجئين؟

شكلنا مكتب ليبيا لحقوق الإنسان بقيادة الدكتور مفتاح الفرج الزروق. وعينت مستشار خاص للشؤون البرلمانية، عضو مجلس النواب، جاب الله جاب الله، من أجل متابعة وأرشفت كل الانتهاكات. هناك تضارب في المعلومات, وكل شيء لا يخرج من مكتبنا مباشرة لا يمكن أن نعتمده. حتى الآن الحالة سيئة والانتهاكات على قدم وساق من كل الاطراف سواء ف الجيش الذي يقوده حفتر أو حكومة الوفاق المعترف بها دوليا. للأسف المشهد الليبي لا ينذر بإيجابيات وإذا استمرت الأطراف السياسية بالتعنت والوقوف وراء أجندات خاصة مرتبطة بالخارج قد نشهد نفس الموضوع الحاصل في سوريا.

لماذا برأيك توجد كل هذه الصراعات في منطقة الشرق الأوسط؟ وهل ترى أن أوروبا وأمريكا تحاول بالفعل الوصول الى حلول لأزمات الشرق الأوسط أم أنها تساهم في تفاقمها؟

عندما تكون الدولة نفطية تكثر المشاكل. هناك أطماع دولية والدول الغربية والكبرى في الدول التي تمتلك أو تنتج النفط لذلك نرى أن الاطماع تتجسد عادة بخلق خلافات بين المجتمعات من أجل الدخول بشكل أسهل على هذه الدولة وتمويلها مقابل استخراج الموارد التي تمتلكها. هذا أمر مؤسف لأنه قد تكون هناك طرق أسهل وأنضج ولا تكلف المدنيين هذه الفاتورة الباهظة ويمكن لتلك الدول العظمى أن تنتهج سياسات اقتصادية خارج المنظومة المؤامراتية التي تقوم بها الولايات المتحدة والدول الغربية.

SputnikNews