أخبار عاجلة

كتاب الموتى.. والأحياء أيضا!

كتاب الموتى.. والأحياء أيضا! كتاب الموتى.. والأحياء أيضا!

لا أدرى كيف سيكون حال والمصريين ساعة نشر هذا المقال؛ ولكننى أحسبها سوف تكون حلقة من تلك الحلقات التى ندور فيها منذ ارتجت الأرض وأخرجت أثقالها ساعة التغيير الكبير فى يناير ٢٠١١. ما جرى قبلها لن يسجله إلا مؤرخون تعددت رؤاهم وتنوعت، وحتى ساعتها سوف يتخيلون أنهم يكتبون حكاية عصر مضى، بينما الحقيقة أنهم يكتبون قصة ما يعاصرون. ما نعيشه بعدها أمر آخر، فالتجربة جديدة وصعبة وتحدياتها إلى المستحيل أقرب، وملخصه هو: هل مازلنا أمام إخفاق آخر فى تاريخنا يوضع إلى جانب إخفاقات أخرى تجعلنا نفشل فى إنجاز مهام الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التى حلمنا بها كثيرا، ولكن الحلم صار كابوسا مروعا أو فشلا صادما؛ أم أن المسألة هى أننا أمام تقلصات الميلاد وآلامه وبعده يولد فجر جديد؟ المسألة رغم ما يعلوها من اضطراب تدعو إلى التفاؤل بعد أن كان التشاؤم غالبا، فلم يكن ما جرى فى الثلاثين من يونيو والسادس والعشرين من يوليو مجرد خروج كثيف للمواطنين، وإنما كان رفضا لمسار تدحرجت إليه الدولة المصرية فى اتجاه دولة ثيوقراطية شمولية جاءت على أكتاف عملية ديمقراطية لا شك فيها. كان المصريون يواجهون نفس الموقف الذى واجهه الألمان فى عام ١٩٣٣، عندما اعتلى النازيون سدة السلطة، ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت ملامح الفاشية والطريق إلى حريق الرشستاغ وما تبعه من سيادة دولة جديدة قادت البلاد إلى الدمار. وربما كان ما واجهه المصريون هو ما واجهه الإيرانيون فى عام ١٩٧٩ عندما جاء الخومينى لكى يقود البلاد، وسط تحالف وطنى واسع للإطاحة بالشاه، وإذا الشهور تمر فتكون الإطاحة بالأحزاب الشيوعية والليبرالية حتى تصل الإطاحة بالمعتدلين الإسلاميين من أمثال قطب زادة، والحسن بنى صدر، وعلى شريعتى وغيرهم ممن كانت فى قلوبهم رحمة وفى عقولهم عدل، وانتهت القصة بولاية الفقيه والدولة التى نعرفها الآن.

ظروف اللحظة الراهنة فى مصر على تعقيدها يجب ألا تشغلنا عن أصول المسائل، التى جوهرها طبيعة الدولة المصرية والتى جعلنا الإخوان المسلمون وحلفاؤهم من تيارات أكثر تشددا وعدوانية، نعتقد أنها يجب أن تسير وفق نموذج يقوم على ولاية الفقهاء الرسميين فى الأزهر بدلا من ولاية الفقيه المرشد الأعلى فى إيران، وفق التوجيه الذى يأتى لهم من أهل «السنة والجماعة»، الذى هو فى النهاية العملية السياسية، يأتى من المرشد العام لحركة الإخوان ممثلا للولاية السنية بدلا من الفقيه الشيعى. هكذا صار الحال فى المادة الرابعة من الدستور والمادة ٢١٩، وأصبحت البلاد جاهزة لولاية فقيه ليس بفقيه، ولدولة أخرى تختلف جذريا عن الدولة التى أرادها المصريون منذ بداية القرن التاسع عشر. هذا الظن من الإخوان لم يثبت أمام الخروج المصرى الكبير والكاسح، فالمصريون المتدينون والمؤمنون بالطبيعة أو بالتاريخ كانوا يريدون دولة أخرى تختلف عن تلك الإيرانية أو الأفغانية أو السودانية أو حتى التركية العثمانية الجديدة، وإنما دولة مصرية تستأنف مسيرة النهضة، وتصلح ما انقضى وفات، وتبدأ عهدا آخر مستمراً هذه المرة، لا يعرف قطيعة أو إخفاقاً تاريخياً آخر.

وببساطة، كان المصرى الذى كتب فى «كتاب الموتى» منذ آلاف السنين: «السلام عليك أيها الإله الأعظم إله الحق. لقد جئتك يا إلهى خاضعا لأشهد جلالك، جئتك يا إلهى متحليا بالحق، متخليا عن الباطل، فلم أظلم أحدا ولم أسلك سبيل الضالين، لم أحنث فى يمين ولم تضلنى الشهوة فتمتد عينى لزوجة أحد من رحمى ولم تمتد يدى لمال غيرى، لم أكن كذبا ولم أكن لك عصيا، ولم أسع فى الإيقاع بعبد عند سيده. إنى (يا إلهى) لم أجع ولم أبك أحدا، وما قتلت وما غدرت، بل ما كنت محرضا على قتل، إنى لم أسرق من المعابد خبزها ولم أرتكب الفحشاء ولم أدنس شيئا مقدسا، ولم أغتصب مالا حراما، ولم أنتهك حرمة الأموات، إنى لم أبع قمحا بثمن فاحش ولم أغش الكيل. أنا طاهر، أنا طاهر، أنا طاهر. وما دمت بريئا من الإثم، فاجعلنى يا إلهى من الفائزين». هذا المصرى استمر فى دعائه دوما مؤكدا أنه «لم يقطف زهرة» و«لم يقطع شجرة» و«لم يقطع طريقا» و«…لم أتسبب فى أذية إنسان، ولم أرغم أحدا من أقاربى على فعل السيئ، ولم أناصر العمل السيئ على العمل الطيب، ولم أمشِ مع المعتدى».

«كتاب الحياة» الذى خرج به المصريون فى أيام الخروج الكبير كان قد أخذ ذات القيم التى توطدت واستقرت وأصبحت جزءا من الوجدان العام بفعل الديانتين المسيحية والإسلام، حتى استقرت ليس بفعل أو قول المرشد العام، أو كبار السلفيين أو الحاملين رايات القاعدة السوداء، وإنما بفعل الضمير المصرى الذى عرف الدين بقدر ما عرف شؤون دنياه بلا وصاية ولا سيطرة ولا أخونة. ويوم تتم كتابة الكتاب، فربما يضاف إلى الأدعية والصلوات التى يقولها المصرى يوم الحساب أنه لم يكن مسؤولا عن استمرار الإخوان المسلمين فى الحكم، وبعض منهم يستطيعون القطع بأنهم لم يكونوا مسؤولون عن مجيئهم من الأصل!

ما بين كتاب الموتى وكتاب الحياة يقف المصريون اليوم أمام الأسئلة الصعبة التى طالما طاردتهم على مدى آلاف السنوات، وألحت عليهم بقوة خلال قرنين من الزمان، وهى تفرض نفسها عليهم عندما يفتحون الملف الأصعب لتطور الدولة المصرية بعد الملف الأمنى والآخر الاقتصادى، وهو ملف التحول السياسى. فما جرى فى دستور ٢٠١٢ قام على جمعية تأسيسية غير مشروعة قانونا، وغير شرعية سياسيا؛ وما صدر من قوانين تلته واستندت إليه قامت على باطل الدستور، وعلى باطل عملية التغيير السياسى لجوهر الدولة المصرية من قبل طائفة واحدة من المواطنين كانت تضع الأساس لأبدية البقاء فى السلطة، واحتكار الحديث باسم الإسلام، كما فعلت النازية من قبل، وكما فعلت دولة الملالى من بعد. ولحسن الحظ أنه ظهر بوضوح أن أنصار الدولة المدنية فى مصر لهم من العمق ما هو أكثر مما تصوره ليس الإخوان وحلفاءهم فقط، بل حتى أنصار الدولة المدنية من المثقفين أنفسهم. كان ما جرى من بناء للجامعات والمدارس، وإقامة للصناعات، وكثافة الإعلام ووسائل الاتصال والتواصل مع العالم، وانتشار التكنولوجيات الحديثة، وتطوير الزراعة وخروجها من الوادى، والاقتراب أخيرا من البحار بدلا من الحصار الصحراوى حول النهر؛ كل ذلك على ما فيه من قصور ونقص وتخلف عن بقية العالم كان كافيا لإنتاج جموع جبارة تستعد لاستكمال ما نقص، وإصلاح ما تخلف، لا أن تعود القهقرى إلى العالم العثمانى مرة أخرى.

هكذا يكون الدخول إلى الملف الدستورى والسياسى فى البلاد، من جوهر وطبيعة الدولة وتصورنا لمستقبلها، فلا دستور ولا سياسة دون فلسفة ومبادئ تقودها، وما بعد ذلك تفاصيل تشتق من كيان ضخم يقود العالم الحديث ونحن فى القرن الواحد والعشرين، حيث نضجت وتطورت النظريات والرؤى الديمقراطية والمدنية فى دول العالم المتقدمة لكى تستوعب التطورات الجارية فى عالم اليوم، سواء كانت هذه التطورات اجتماعية أو اقتصادية أو تكنولوجية. ترى ماذا نحن فاعلون؟