أخبار عاجلة

هل غرقت «الجزيرة» فى بحر الإخوان؟

هل غرقت «الجزيرة» فى بحر الإخوان؟ هل غرقت «الجزيرة» فى بحر الإخوان؟

كانت قناة الجزيرة أول وليد للعالم العربى يمثل انقلابا على الإعلام التقليدى القائم على الشعارات الكاذبة والتغطيات المنحازة للأنظمة الشمولية، وقد بدأت قناة الجزيرة مشوارها الإعلامى عام 1996 من خلال طرح جديد مبنى على مادة إخبارية جريئة وبرامج سياسية بطعم مختلف وصور غير نمطية خلفها مجموعات فنية تعرف كيف تختار المشاهد ومتى تعرضها وخطاب متطور خال من الشعارات القومية الزائفة والانحيازات المعلنة لأى طرف على حساب طرف، لذلك نجحت قناة الجزيرة على مدى سنوات فى أن تلعب أدوارا مهمة وحاسمة فى الكثير من القضايا العربية والإقليمية والدولية كما نجحت فى دعم ثورات الربيع العربى بداية من تونس فمصر فاليمن فليبيا فالبحرين فسوريا... إلخ. لكن وكما يقول المثل: «يا فرحة ما تمت»، فقناة الجزيرة التى كانت تبدو بالأمس حيادية وموضوعية ومهنية وداعمة للتغيير الديمقراطى الحقيقى، تحولت فجأة إلى قناة إخوانية متطرفة، ترتدى ثوب الإخوان وتتحدث بلغة الإخوان وتدافع عن هموم الإخوان وتستضيف قيادات الإخوان بل تغطى الأحداث تماما كما يتمنى أن يعرضها الإخوان؛ حتى إنه بات من غير المستبعد أن يقال من الآن فصاعدا: «قناة الجزيرة من رابعة العدوية بدلا من قطر»، بات من غير المستبعد أن يشترط فى مذيع القناة أن يكون ملتحيا، وفى المذيعة أن تكون منتقبة، وفى مدير القناة أن يعين نائبا إعلاميا للمرشد. منتهى الغرابة أن يكون جزاء احترام المشاهد للقناة هو إهانته وتسفيه معلوماته، منتهى الغرابة أن تمتلك القناة الآليات التى تكفل لها وجودا مشرفا فى كل بيت ثم تطرحها جانبا، انحيازا لجماعة تريد دمج دولة فى تنظيم كان سريا مدة ثمانين سنة.

إن خطورة المنهج الجديد من جانب قناة الجزيرة لا تأتى فى إطار قناة فضائية تبث من هنا أو من هناك وإنما فى إطار حلم رائع فى منبر حر تاقت إليه أعناق الشعوب العربية عامتها ومثقفوها، بسطاؤها وأغنياؤها، وفجأة يتحول ذلك الحلم إلى كابوس مريع ويسقط المنبر الإعلامى من علياء عليائه ليتكسر تحت أقدام جماعة الإخوان المسلمين. إن خطورة هذا المنهج من جانب قناة الجزيرة أنه يهدم تاريخها ويعرض حاضرها ومستقبلها للخطر ويسمح بتنامى الشائعات حولها ويجعلها بدلا من كونها كانت فى يوم من الأيام ملكا للناس إلى قناة للمؤامرات والفتن والأكاذيب والعمالة ونشر ثقافة الكراهية وشق الصف العربى عموما والمصرى خصوصا، الأمر الذى أثر بالفعل على سمعة هذه القناة وشعبيتها وكم المؤيدين لها. أذكر أنه عندما صدر قرار من وزير إعلام المجلس العسكرى أسامة هيكل فى 2011، بوقف قناة الجزيرة عن البث، هاج المصريون وغضبوا معتبرين ذلك التصرف ردة لعقارب الساعة وانتصارا لقمع حرية الرأى والتعبير، بينما لم يتحرك لهم ساكن عندما ألقى القبض على بعض العاملين بقناة الجزيرة فى يوم 3 يوليو 2013، بل طلب الصحفيون من مدير قناة الجزيرة الخروج من المؤتمر الصحفى لوزير الداخلية يوم 6 يوليو، وطلب المتحدث الرسمى باسم وزارة الدفاع طرد قناة الجزيرة من مؤتمره الصحفى يوم 8 يوليو. إذن شعبية الجزيرة تتراجع ومصداقيتها باتت على المحك وتأثيرها - بسبب ظهور وجوه «تورا بورا » على شاشتها باستمرار- صار محدودا للغاية. إن سياسة قناة الجزيرة الآن لا تبدو إعلامية على الإطلاق بل تبدو وكأنها جزء من المشهد نفسه تحاول صياغته وفق مخطط سيئ السمعة منسوب لأطماع الأمريكيين والإسرائيليين فى المنطقة؛ فهل انتقلت الجزيرة من دورها المنوط بها أخلاقيا وإعلاميا إلى دور مخابراتى؟.

لو أن لقيادات قناة الجزيرة عقلا لحرصت على الموضوعية من أجل إعادة اكتساب الشعبية، لما تغاضت عن الملايين التى نزلت للشوارع يوم 30 يونيو الماضى، ولما حاولت تكثيف صورة المتواجدين فى إشارة رابعة العدوية وكأنهم هم ثوار وأصحاب الحق فيها.

أفهم أن الفاشل يتمنى النجاح، أما أن يسعى الناجح إلى الفشل فتلك مسألة عجيبة، ولا أعرف السر فى سعى قناة الجزيرة للسقوط غرقا فى بحر جماعة الإخوان؛ فهل ستبعث يوم القيامة على أنها قناة إخوانية؟.