أخبار عاجلة

عن مصير الشارع المصرى.. سياسيا وفعليا

عن مصير الشارع المصرى.. سياسيا وفعليا عن مصير الشارع المصرى.. سياسيا وفعليا

يبدو أن زمن المفاوضات والمساومات قد نفد، وأن المواجهة بين جماعة الإخوان ومؤيديها وبين الدولة ومن يساند توجهاتها قد تكون حتمية. الكل تقريبا يأمل فى أن تمر المواجهة بأقل إسالة دماء ممكنة. لكن هناك أسبابا تدعو للقلق، وبعض أصولها منعكس منذ حين فى شوارع .

عندما فاز تحالف جماعة الإخوان بالأكثرية فى الجولة الأولى من انتخابات مجلس الشعب فى نهاية عام 2011، كتبت مقالة تحت عنوان «عن انتصار الإخوان وطابور » قلت فيها إن الجماعة استحقت ذلك النصر لأنها أدارت معركتها السياسية وحملتها الانتخابية كالمسافر الأوروبى الذى يخطط رحلته عبر القارة باستخدام الخرائط لمعرفة الطرق التى سيسلكها والفنادق التى سيبيت بها، وحتى محطات البنزين التى سيتوقف فيها، يوماً بيوم وبدقة... أما التيارات الأخرى فتصرفت كالسائق «المزنوق» فى زحام القاهرة، الذى يريد أن يكسب مسافة متر أو بضعة أمتار، ويغير خانة الطريق التى يسير فيها دون النظر للخطوة المقبلة، أى إذا كانت الخانة التى انتقل إليها متحركة أسرع فعلا.

هذا الانضباط والتنظيم ربما أثر بالإيجاب على قطاع من الناخبين الذين افتقدوه فى حياتهم اليومية. لكن تصرفات الجماعة فى الحكم كانت مخالفة تماما، فاتسمت بالاندفاع والتهور والتوهان، وأيضا بخاصية غاية السوء سائدة فى الشارع والمرور المصرى، وتتلخص فى محاولات لفرض الذات على حساب الآخر عن طريق الـ«التزنيق» عليه أحيانا بعدوانية تفسد المناخ العام وتؤدى لمواجهات عصبية تصل أحيانا إلى العراك العنيف- فمن منا مثلا لم يخض أو يتابع تجربة دخول سيارة فى اتجاه معاكس داخل زقاق ضيق، ثم لا يقبل صاحبها الانسحاب للخلف، بل وقف ربما ما يقرب من ساعة فى حالة تحدى وعناد؟

فى مواجهات وصدامات مماثلة خسرت جماعة الإخوان معظم رصيدها السياسى، لأنها، حين حكمت، كانت الجماعة كمن يسير فى الاتجاه المعاكس لحركة التاريخ وللمسيرة الديمقراطية.. وبداية بقرارات التمكين فى نوفمبر 2012، صارت الجماعة تسير علنيا فى الممنوع، متحدية كل من خالفها، وأوقفت حال الشارع (البلد)، فـ«اتلم» عليها معظم أهل الحى وطلبوا النجدة من السلطات. السؤال الآن: هل ستستطيع السلطة الحالية فض المعركة بطريقة فعالة ومتزنة بعد أن استنجد السائق المخالف بعشيرته وأصدقائه من أهل الحى الذى يسكن فيه، فأتوا ومعهم الشوم والذى منه؟ أم سيتحول الوضع إلى معركة فوضوية مخربة تجمع أهالى المنطقتين.. فى ظل عجز وعدم إتقان، وغياب مهنية سلطوى ينتج عنه تهور وإسالة للدماء، أو حتى الانقسام؟

فى الأسابيع الماضية، تحت الضغط والعزلة، بدأ وجه الجماعة المتطرف فى الظهور بشكل أوضح، والخطر أصبح أقرب. فى المقال المذكور أبديت التخوف من هذا الاحتمال، لأن فى هذه الحالة ستكون أبرز خيارات الدولة وأجهزتها محصورة بين التحالف الضمنى مع الجماعة لنخوض تجربة تشبه ما حدث فى السودان، أو المواجهة على النمط الجزائرى فى التسعينيات.

نتيجة المواجهة المصيرية المقبلة ستحددها فى الأساس قرارات الدولة وقيادات الجماعة، لكن مطلوب من الكل عدم الانصياع فى هذه المرحلة للروح القبائلية.

هل سيكون من الممكن لمجتمع تعود أفراده العراك فى سياق أبسط المواجهات اليومية إدراك أن مجاميعه المتصارعة تتقاسم بلدا وبيئة واحدة، ليس من مصلحة أحد خرابها؟ فى المقابل، ربما قد تساعد المحنة السياسية الحادة الحالية فى إدراك أهمية التخلص من النظرة الصراعية التى تسود حياتنا اليومية وأهمية صيانة المصلحة العامة، وربما حتى إصلاح الكثير من تفاصيل الحياة المصرية التى تجعلها عصبية وفوضوية مرهقة... فى أيام مستقبلية أكثر إشراقا.