أخبار عاجلة

الداعية ما بين التجربة الروحية وواقعه الموضوعي

الداعية ما بين التجربة الروحية وواقعه الموضوعي الداعية ما بين التجربة الروحية وواقعه الموضوعي

تميّز الموسم الرمضانيّ التلفزيوني هذا العام بطرح مسلسل ذي موضوع استثنائيّ، يقوم على علاقة مفترضة بين داعية إسلاميّ وفتاة غير محجّبة، تحترف العزف والموسيقى؛ وهو ما يبدو مستهجناً للوهلة الأولى، على اعتبار أنّ الداعية نموذج ومثال يواظب على رفض الموسيقى، ويعتبرها رجس من عمل الشيطان. لكنّ التطور الدراميّ يؤدّي إلى تعقّد الأمور، وإلى تقاطعٍ في العلاقات الاجتماعية وتداخلٍ إلى درجة انفتاح الداعية على البيئة الداخليّة للفتاة المشار إليها، حيث يكتشف حياةً إنسانيّةً راقيةً، رأسمالها ثقافة حديثة ومودّةً ربّما افتقدها على الدوام؛ مودّة فطريّة إنسانيّة غير متكلَّفة، تأخذه باتجاه تجديد النظر في يقينيّاته الفقهيّة والفكريّة، ليبدأ من جديد مرحلة من الدعوة قائمة على الانفتاح والتفهّم للآخرين والإحساس بالقضايا الفطريّة التي شوّهتها التربية الصارمة والتأثيرات الاجتماعية السلبية. لكنّه في كلّ ما يفعله يتميّز بصدق إخلاصه للمبدأ.

في المقابل، يطرح المسلسل صورة أخرى من البيئة نفسها، تعود إلى صهر الداعية، وتتميّز ببنائها النفسيّ الضعيف، ونمط تعاملها مع الوقائع الحياتيّة، إذ يشعر صاحبها بالضعف والعجز الدائم، بالرغم من ارتقائه بمعونة الداعية الأول؛ وبدل أن يتمرّد على نفسه، ويروّضها بالتقوى، انحاز إلى موروثاته السلبيّة، وأسّس عليها، وبدل أن يتوجّه بالشكر إلى اليد التي أخذت بيده، يرتدّ عليها مهاجماً في سياق دراميّ يكشف عن شروط ماديّة وإنسانيّة تبدو مؤثرة في المسألة الإيمانيّة وحاكمة عليها.

ليس المهم في المسلسل من وجهة نظري الواقع الموضوعيّ للحكاية، ولا الموضوعيّة في العرض الدراميّ، ولا أيّ تفاصيل أخرى قد يكون الكاتب أو المخرج أدخلها في النص من أجل بناء المشهد التمثيليّ، إنّما المهم هو جعل المسلسل القضية الإيمانية شأناً اجتماعيّاً عاماً تتمّ مناقشته من جانب كلّ الأفراد من دون أنّ تستأثر جماعة من الدّعاة أو سواهم بالشأن الدينيّ فيجعلونه مورد تسلّط وادّعاء معرفيّ، فضلاً عن جعله مورداً للكسب والربح. فالدعاة والمبلغون للشرع الحنيف من الحالات الأيقونيّة في حياة المسلمين، وإن لم يقرّوا بذلك، وهم يتصرّفون بكلّ ثقة كما لو أنّ الله سبحانه قد اختصّهم بالدعوة أو اصطفاهم على العالمين، وأن ليس من شأن الآخرين مناقشتهم أو محاججتهم، على اعتبار أنّ الآخرين أولئك هم من العوام الذين لم ينالوا حظّاً من العلم الدينيّ، ولا يجوز لهم النظر إلى الواقع من زاوية مختلفة عن زاوية النظر التي اعتمدها المبلغون، حتّى لو كان بين هؤلاء اختلاف كاختلاف المشرق والمغرب.

المهم في هذا البرنامج أنّه طرح المسالة الإيمانية ـ قصد أم لم يقصد ـ كشأن شخصيّ قادر على إلزام صاحبه بمؤدّاه، من دون غيره من الناس؛ إذ المسالة الإيمانيّة ليست حقيقة موضوعية وبإمكان الناس معاينتها والحكم على واقعها، مهما كانت درجة صاحبها العلمية والتقوائية، ولا يمكن ـ بالتالي ـ أن تكون حجة في الميدان العقيديّ والاجتماعيّ، إلا على صاحبها، وعلى من يؤمن به. أمّا الحجيّة فتبقى للدليل الشرعيّ المتّصل إلينا عبر الطرق الثابتة الشرعيّة، من دون أيّ انهيار أمام التهويلات "الإيمانية" و"التقوائية" التي تمارس في العادة ابتزازاً للإنسان العاديّ.

من ذلك ما نراه من فتاوى تنتشر يميناً وشمالاً، تبدأ بيوميات الإنسان البسيطة، ولا تنتهي بالقتل وسفك الدم، فيما شؤون الدولة ميدانٌ، أبطالُه في العصر الحديث دعاةٌ ومبلغون، وأدواتهم اشتغالهم من هذا العالم الماديّ، بما يحوي من مال وناس وأدوات سلطة وتفاصيل دنيويّة عمادها الإغراء.

وفي هذا المجال، يمتاز المفتي القطري عن غيره من الدعاة بصفة العالم والفقيه، لا بل هو رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي كان محاولة لبروز مرجعية شعبية، لا سيما على الصعيد السنيّ، تكون موازية بشكل أو بآخر للأزهر الشريف، وترتبط بالإسلام السياسيّ، وعلى مسافة من الأنظمة، وإن تكن الحاضنة دوحة قطريّة.

إذاً، كان الشيخ القرضاوي قد ابتدأ عهده الرئاسيّ في الفتيا بدعم العديد من القضايا محلّ الإجماع لدى المسلمين، إلى أن حصل تباين جليّ بين أطراف إسلامية كثيرة، انعكس في موقف الشيخ، فانحاز إلى محور من المحاور، ولم يرضَ بالوقوف على مسافة كفيلة باحترام الآراء المختلفة، وجديرة بإصلاح ما فسد من أمور المسلمين والعرب. لقد ذهب الشيخ ـ بقوة ـ مذاهب شتى، ابتداءً من تأسّفه على دعمه المقاومة اللبنانية ضد العدوان الغاشم في تموز من عام 2006، بالرغم من أنّ العدو هو الكيان الغاصب للأراضي العربية والإسلاميّة، ثمّ ذهب إلى نزع الشرعية عن بعض الأنظمة بعد أن كان هو نفسه، وسواه ممّن يؤيّد نظره على المستوى الشعبيّ أو الرسمي، قد أقرّ تلك الأنظمة على حالها، ولم يعلن عصياناً أو تشكيكاً بشرعيتها، ثمّ ها هو يفتي ـ المرة بعد الأخرى ـ بوجوب الطاعة للرئيس الإخوانيّ المخلوع في بحجة البيعة وولاية الأمر وغير ذلك، وباتت النصيحة هي مبلغ ما يفعله المواطن والمسلم تجاه الحكم في البلاد، وإلا كان باغياً ووجب قتاله. ولئن صحّ القول بحق المسلم فما يقول بشأن سواه، لا سيما المسيحيّ؟!

بتلقائيّة تامّة كانت المقارنة تحضر في كلّ مرّة أشاهد فيها المسلسل، لا بل يبدو لي كأنّ المسلسل وقتٌ من حياة داعية لم يفلح في أن يكون هادياً وبشيراً، بل نذيراً.

سيدتي