أخبار عاجلة

سلسلة من الأكاذيب!

سلسلة من الأكاذيب! سلسلة من الأكاذيب!

سألت نفسى وأنا أقرأ ما كتبه المستشار طارق البشرى عن ثورة يونيو، التى أنكر فيما قاله عنها إنها ثورة واعتبرها انقلاباً عسكرياً، سألت نفسى: هل يمكن أن تكون هذه شهادة حق رجع فيها المستشار للوقائع التى رأيناها جميعاً وتابعناها، ونظر للأطراف التى شاركت فيها، وعرف موقف كل طرف مما حدث ودوره فيما حدث؟

والجواب واحد من اثنين: إما أن المستشار لم ير ما رأيناه ولم يسأل ولم يحقق، وسمح لنفسه مع ذلك بأن يقضى ويحكم فيما لا علم له به، وإما أنه رأى وسمع وعرف وحقق، لكنه تجاهل الواقع وأنكر الحقيقة وأصدر هذا الحكم، الذى نستطيع أن نفهمه من أحد المهيجين فى ميدان رابعة العدوية، ولا نفهمه من قاض يمسك بالميزان.

لقد سلك المستشار «البشرى» فى نظر هذه القضية سلوكاً يتناقض كل التناقض مع أبسط قواعد المنطق والإخلاص للحق، إذ تعمد فى روايته للأحداث أن يسقط منها عامداً متعمداً ما لا يوافق هواه، وأن يرتبها على النحو الذى يجعلها تنطق بأحكامه المسبقة بدلاً من أن تكون أحكامه هى الناطقة بما تمليه عليها الأحداث. هكذا يبدأ من النهاية فيحصر القضية فى المرحلة الأخيرة التى وقف فيها الفريق أول عبدالفتاح السيسى يعلن سقوط دولة الإخوان، وبدء المرحلة الانتقالية التى ستسمح للمصريين بتصحيح مسار ثورتهم وتحقيق أهدافها، المستشار يبدأ من هذه المرحلة الأخيرة فيقول «إن متابعة الأحداث منذ 3 يوليو الجارى تكشف أننا أمام حركة قامت بها قيادة القوات المسلحة وأعلنها القائد العام وزير الدفاع بعد اجتماع سياسى مع بعض الوجوه السياسية والدينية، التى اصطفاها لتقف معه وتؤيده، وأعلن بذلك تعطيل الدستور المستفتى عليه من الشعب المصرى والحائز على 63.6٪ من أصوات الناخبين فى حركة استفتاء حر ونزيه، كما عين رئيساً مؤقتاً للجمهورية، بما يفيد عزل الرئيس الدستورى فى انتخابات باشرها المجلس الأعلى للقوات المسلحة وكانت حرة ونزيهة».

وفى هذه الفقرة التى بدأ بها المستشار مقالته سلسلة من الأغاليط - على وزن الأكاذيب - يجر بعضها بعضاً، وأولها البداية من 3 يوليو وتجاهل ما سبق هذا التاريخ، كأن 3 يوليو لم يسبقه 30 يونيو، وكأن 30 يونيو كان يوماً عادياً، ولم يكن ذروة نضال شعبى شارك فيه ملايين المصريين بالاعتصامات، والتظاهرات، والاحتجاجات التى تواصلت طوال العام الذى مضى وعلت موجتها، خاصة واشتدت بعد الإعلان الدستورى الباطل، الذى جمع فيه الرئيس المعزول بين سلطات الدولة كلها، فهو يصدر القوانين وينفذها ويعين القضاة ويقيلهم، ويبث أنصاره وأهله وعشيرته ويزرعهم فى كل مكان، ويجعلهم وزراء وسفراء ومستشارين ومحافظين، ولا يبالى بردود الفعل حين يجعل النكرات كتاباً ومفكرين، وحين يعين الإرهابيين أعضاء فى المجلس القومى لحقوق الإنسان!

هل ذهب الفجور بأى طاغية إلى هذا المدى الذى بلغه هذا الطاغية؟ فكيف سمح المستشار لنفسه بأن يتجاهل كل هذه المقدمات ويبدأ حديثه عن الثورة بالكلام عما حدث فى الثالث من يوليو زاعماً أننا «أمام حركة قامت بها قيادة القوات المسلحة»! حين تتردد هذه المزاعم على ألسنة الأوروبيين نعذرهم بعض الشىء، لأنهم لم يروا ما رأيناه، ولم يعيشوا ما عشناه، وإنما فوجئوا بما لم يكونوا ينتظرون، ثم لأنهم يعرفون عنا ما يدفعهم لإساءة الظن بنا، فقد كانت وما يحيط بها من باكستان إلى المغرب، ومن تركيا إلى السودان، مسرحاً للانقلابات العسكرية طوال العقود الماضية، لكننا لا نعذر طارق البشرى ولا نعذر سواه ممن سمحت لهم ضمائرهم بأن يشهدوا هذه الشهادة المزورة على واقعة من وقائع التاريخ، لم تسبقها سابقة، كيف تحولت ثورة الملايين الثلاثين من المصريين إلى حركة قامت بها قيادة القوات المسلحة؟ وكيف تحول زعماء المعارضة ورؤساء المؤسسات الدينية إلى وجوه اصطفاها وزير الدفاع، كأن «البشرى» أراد أن يقول استأجرها! لتقف معه وتؤيده؟ ومن نصدق ومن نكذب؟ زعماء جبهة الإنقاذ، وشباب مصر الأبى، والإمام الأكبر، ورأس الكنيسة المصرية، الذين وقفوا إلى جانب الشعب الثائر، أم المستشار الذى كان فى اليسار فأصبح فى اليمين، وكان مع الشعب فأصبح مع الطاغية؟

لا أستطيع أن أصدق «البشرى» الذى كذب نفسه وحول تجاهه دون أن يقنعنا بأنه صحح بهذا التحول خطأ وقع فيه أو اقترب من قيمة أخلص لها، بالعكس، وليرجع من شاء لكتاباته الأخيرة وفتاواه التى خاصم فيها العقل وحارب الإبداع وأدار ظهره للديمقراطية، ولنرجع معاً للدور الذى لعبه فى الالتفاف حول ثورة يناير، وشل حركتها ومنعها من استكمال طريقها، وتسليمها للإخوان عن طريق لجنة تعديل الدستور، التى عهد إليه برئاستها.

كان على المصريين الذين ثاروا على نظام مبارك وأسقطوه أن يبنوا نظاماً جديداً، يجسد أهداف ثورتهم، ويحقق لهم الحرية والعيش الكريم والعدالة الاجتماعية، فكيف يبنون هذا النظام الجديد؟

هل يبدأون بدستور جديد تضعه جمعية تأسيسية تمثلهم تمثيلاً عادلاً أميناً وتضمن لهم دستوراً يؤكد المبادئ التى آمن بها البشر، ويضع المعايير التى يجب أن تلتزم فى ممارسة الحقوق واختيار الحكام وبناء المؤسسات؟ أم يبدأون بتعديل الدستور القديم وانتخاب مجالس نيابية على أساسه تتولى اختيار الجمعية التأسيسية التى تضع الدستور الجديد؟

والسؤال بصيغة واضحة مختصرة: الدستور أولاً وعلى أساسه تجرى الانتخابات؟ أم الانتخابات أولاً وعن طريقها يوضع الدستور؟ وبصيغة أخرى أصرح وأوضح: من الذى يضع الدستور الجديد؟ المصريون جميعاً من خلال جمعية تأسيسية تمثلهم تمثيلاً أميناً عادلاً بوصفهم مواطنين أحراراً متساوين؟ أم أغلبية حزبية تتولى تشكيل الجمعية التأسيسية وتعين أعضاءها؟

وقد اختار الإخوان المسلمون البدء بالانتخابات بعد تعديل الدستور القديم، فقد أحسوا فى أنفسهم القدرة على كسب الانتخابات، لأنهم يملكون ما لا يملكه غيرهم ويستخدمون ما لا تستخدمه القوى الأخرى، يملكون التنظيم القوى، ويخلطون الدين بالسياسة، ويستخدمون المساجد فى الدعاية والتجنيد ويتوسلون بالخدمات، التى يرشون بها الناخبين، ويمولونها من جيوبهم وجيوب غيرهم، وقد دخلوا الانتخابات مرات فى عهد النظام الساقط وحققوا فيها انتصارات.

ومن الواضح أنهم لم يكونوا وحدهم فى اتخاذ القرار ووضع الخطة التى رسموا بها مستقبل مصر، لأن هذا المستقبل لا يعنيهم وحدهم، وإنما يعنى معهم الإدارة الأمريكية، التى كانت حاضرة دائماً خلال العقود الماضية، بالإضافة إلى المجلس العسكرى الذى تولى إدارة البلاد بعد سقوط مبارك، ولأن الأمريكان تهمهم مصالحهم أكثر مما تهمهم الديمقراطية، ويشغلهم مستقبل إسرائيل أكثر مما يشغلهم مستقبل مصر، فقد راهنوا على الإخوان الذين بدوا مستعدين لتسلم السلطة فى مصر وحدها، بل فى مصر وتونس وليبيا، فضلاً عن غزة والسودان، ولأن الفرصة التى سنحت للإخوان فاقت كل أحلامهم، فقد عضوا عليها بالنواجذ وقبلوا شروطها، ولأن المجلس العسكرى وجد نفسه بين طرفين متحالفين يتناوبان الضغط عليه، الإخوان من الداخل والأمريكان من الخارج فقد آثر السلامة وسلم السلطة للجماعة التى كانت فى حاجة إلى غطاء دستورى تزيف به الديمقراطية، وقد زودها بهذا الغطاء المستشار طارق البشرى الذى وقع عليه الاختيار ليرأس اللجنة التى عهد لها المجلس العسكرى بإدخال تعديلات فى الدستور تمكن الإخوان المتمتعين بالمساندة الأمريكية من تولى السلطة، وقد قام المستشار بأداء المطلوب منه خير قيام!