أخبار عاجلة

«رابعة العدوية» وامتداداته

«رابعة العدوية» وامتداداته «رابعة العدوية» وامتداداته

قمت بأداء صلاة الجمعة فى رابعة العدوية، يوم الجمعة الماضية التى سميت «جمعة الفرقان»، وقد حرصت على استحضار النية قبيل خروجى من بيتى، عملا بالهدى النبوى: «إنما الأعمال بالنيات»، وحرصت أيضا على أن أبقى وسط المتظاهرين، ولا أرتقى منصة، وهذا دور كنت أرتضيه لنفسى فى الأيام التى تواجدنا فيها فى ميدان التحرير من 25 يناير 2011 حتى 11 فبراير: أن أبقى وسط الجمهور. كان لدى حرص شديد على أن أتفحص الأمر عن بينة وعبر تجربة شخصية من أرض الواقع، نسجل خلالها مشاهدتنا.

المهم.. بقيت وسط أبناء وإخوة وشيوخ ونسوة وبنات من مختلف الأعمار، ومن مختلف التوجهات، وربما من ليس له توجه أصلا، اللهم إلا الانزعاج من إزاحة الرئيس مرسى واغتيال الشرعية الدستورية ووأد المؤسسات التى شارك الشعب فى بنائها، كان همى أن أتعرف على نوعية المتظاهرين فعلا، أردت أن أستبين من على أرض الواقع طبيعة المتظاهرين، فأكتشف بسهولة ويسر هذا التماذج الشديد بين هؤلاء المتظاهرين الذين لا يربط بينهم رابط أو علاقة تنظيمية.

وقف رجل جالس على جانب الطريق ليحيينى وهو يحتضننى، وأخذ يستعرض معى تطورات الموقف، وقال أنا هنا لأدافع عن اختياراتى، رغم أنى لست من الإخوان، وأنا أغادره شاكرا باسما تقبل الله منا ومنك ياعم الحاج، فابتسم الرجل وقال: «أنا أستاذ جامعى يا أستاذ» وأخرج بطاقته لأكتشف أنه أستاذ جامعى بكلية التجارة جامعة أسيوط فزاد افتخارى به وتشرفت بوقفتى معه أكثر وأكثر، بينما صرخ آخر فى وجهى «حسبى الله، ونعم الوكيل» لأنك دافعت عن باسم يوسف الذى «أهان» الرئيس.

بين الحين والآخر يمر شاب أو رجل يحمل فى يده قطعة ثلج ليمسح بها رأس المتظاهرين أو زجاجة ماء يرش به على رؤوسهم، فى منظر رائع يزيد الإيمان فى القلوب، ويرفع الناحية المعنوية.

وعلى جانبى الطريق أجد «خيم» الاعتصام مفتوحة تماما، يجلس داخلها المعتصمون أو المارة فى تلقائية طبيعية تنفى كل الادعاءات التى تكذب على المعتصمين فى رابعة أو النهضة بحيازتهم أسلحة أو عصى ونحو ذلك، وإنما قارئون للقرآن أو السنة أو ألسنة تلهج بالدعاء.

كل مجموعة أمتار يستوقفنى بعض المعتصمين، نتباحث فيما يجرى وحدوده، يقولون لى «ليس لنا إلا الصمود فى اعتصامنا».. هذا ما نملكه، ونقدر عليه. سألنى بعضهم عن الشهداء الذين يسقطون فى المسيرات السلمية التى تخرج وجدواها! قلت إن الدماء التى تراق والشهداء الذين يسقطون تطهر الثورة، وهى أيضا سبب أكيد بحول الله وقوته لتفهم كثير من المواطنين المطلب المشروع لهذه الجموع فى حراسة اختياراتها، قلت أيضا إن هذه المسيرات هى بديل لازم لغياب التغطية الإعلامية المتآمرة، سواء فى الإعلام الرسمى أو بعض الإعلام الخاص.

بعض المعتصمين طالبنى بالصعود إلى المنصة، أفهمتهم أن نيتى هى مؤازرتهم والبقاء معهم على الأرض، استفزنى آخرون- سامحهم الله-: هل لا ترغب فى أن يراك أحد فلا تريد الصعود؟ قلت إذا كان هذا مقصدك، فأبشر، فأكيد يتواجد هنا من ينقلون للأجهزة ما يجرى، ولا يوجد شىء نخفيه. المهم تحركت بين المتظاهرين يمينا ويسارا أكحل عينى برؤية المتظاهرين، ويروننى أيضا بينهم يشد بعضنا على يد بعض، واستمررت هكذا ثلاث ساعات كاملة حتى تقدمت إلى الصف الأول أمام المنصة، لأظهر أمام الجميع، وبقيت حتى أذن لصلاة العصر لأنطلق إلى بيتى القريب من المكان.

عدت مفعما بمشاهد إيمانية شعرت معها بأننى صغير أمام هؤلاء العمالقة الذين لا يعرفهم أحد، وأكاد أجزم أن 90% منهم لا علاقة لهم بالإخوان المسلمين، بثباتهم رغم كل القتلى الذين قضوا نحبهم فى مسيرات سلمية، سيكتب التاريخ يوما بعيدا عن التزييف والتغييب أن ملايين المصريين خرجوا، واعتصموا، وتظاهروا أسابيع طويلة فى تحد لكل الظروف القاسية: الشمس، والحر، والخوف، والأراجيف، والدسائس.

لمَ لا نستمر فى تجربتنا الديمقراطية، فننقل ما يجرى فى رابعة العدوية نقلا حيا، وننقل أيضا ما يجرى فى امتداداته، سواء فى النهضة أو تلك المسيرات التى تنتشر فى شوارع ومحافظاتها، فهم أيضا أبناؤها، نحترم رأيهم، ونستمع إليهم، بدلا من حجب جانب الكوب الآخر الذى لا يورث سوى الاحتقان وصناعة التطرف.

بالتأكيد، لا أوافق الخطاب الإعلامى الذى يتدفق من على منصة رابعة العدوية جانحا أحيانا عن جادة الصواب، لكنى أدرك أيضا أن المناخ المأزوم يصنع التطرف كما أسلفنا، كل المتظاهرين أبناؤنا، أبناء الأمة المصرية، وكل القتلى أبناؤنا من المتظاهرين أو الشرطة والجيش.

كانت نصيحتى لأولادى الخمسة الذين يشاركون فى المظاهرات: «احتسبوا ما تفعلونه، واستحضروا النية»، ويبقى قلبى منخلعا كل ليلة حتى يعودوا إلىّ لآخذهم فى حضنى متمتما: «الحمد لله».