الميراث وزواج المسلمة بغير مسلم.. قضايا تنذر بأزمة بين مصر وتونس

التحرير

ارسال بياناتك

فجر الرئيس التونسى الباجى قائد السبسى، مفاجأة من العيار الثقيل، عندما دعا إلى تفعيل "المساواة" بين الرجل والمرأة في الميراث.

ووجه "السبسي"، في خطابه، الذي ألقاه منذ أيام خلال العيد الوطنى للمرأة، أمام سياسيين وحقوقيين، وزير العدل بإعادة النظر في المنشور رقم 73 الذى يمنع زواج المرأة التونسية بأجنبى غير المسلم، غير أن تلك المقترحات لاقت رفضا شديدا وهجوما من الأزهر الشريف بمصر.

وترصد "التحرير" خلال السطور القادمة، تداعيات الأزمة بين تونس والأزهر على خلفية موقف كل من تونس والأزهر الشريف.

الإفتاء بتونس تؤيد

 a38ba68e8b.jpg

أصدر ديوان الإفتاء فى تونس، بيانًا ساند فيه مقترحات رئيس الجمهورية الباجى قايد السبسى، التى طرحها فى كلمته بمناسبة العيد الوطنى للمرأة التونسية، ودعا فيها للمساواة بين الرجل والمرأة فى الميراث والسماح للتونسيات بالزواج من أجانب غير مسلمين.

وقال ديوان الإفتاء، إن مقترحات “السبسى” تدعم مكانة المرأة وتضمن وتفعل مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات، التى نادى بها الدين الإسلامى فى قوله تعالى “ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف”، فضلا عن المواثيق الدولية التى صادقت عليها الدولة التونسية التى تعمل على إزالة الفوارق فى الحقوق بين الجنسين.

شومان يرد : تبديد وليس تجديدًا

e1c6542658.jpg

وفى أقل من 24 ساعة على دعوات السبسى، خرج الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر، ليؤكد عدم صحة تلك الدعوات من الناحية الشرعية. 

وقال الدكتور شومان، إن الدعوات المطالبة بإباحة زواج المسلمة من غير المسلم ليس كما يظن أصحابها في مصلحة المرأة، مؤكدا أن زواج المسلمة من غير المسلم، فيه فقد المودة والسكن المقصود من الزواج، إذ لا يؤمن غير المسلم بدين المسلمة، ولا يعتقد تمكين زوجته من أداء شعائر دينها فتبغضه، ولتستقر الزوجية بينهما، بخلاف زواج المسلم من الكتابية لأن المسلم يؤمن بدينها ورسولها، وهو مأمور من قبل شريعته بتمكين زوجته من أداء شعائر دينها، فلا تبغضه وتستقر الزوجية بينهما.

وأوضح وكيل الأزهر أن أحكام المواريث قطعية الثبوت، وعلى الجميع أن يفرق بين حقيقة الأحكام من حيث القطعية التي لا تقبل الاجتهاد، ولا تتغير بتغير زمان ولا مكان، وبين الظني الذي يقبل هذا الاجتهاد، وأن هذه الدعوات هى من التبديد لا التجديد.

حزب السبسى: نقاش داخلي ونرفض التدخل

f01268720a.jpg

وردا على تحفظ الأزهر على تلك المقترحات قال القيادى فى حركة نداء تونس، حزب الرئيس السبسى، برهان بسيّس، إنه من المفيد “التذكير بأن نقاشنا التونسى الداخلى يظل ظاهرة صحية ومطلوبة مهما بلغ حجم اختلافاتنا تجاه قضايا مثيرة للجدل مثل المساواة فى الإرث أو زواج المسلمة بغير المسلم”.

ورفض بسيس تدخل مؤسسات غير تونسية فى هذا الجدل، لافتا الى أن مقترحات السبسى قضايا تهم مجتمعنا التونسى فقط وليس من حق أحد الدخول فى هذا النقاش، وأضاف عبر صفحته على “فيس بوك”: “علينا تحصين أجواء الجدل الفكرى والثقافى بيننا كتونسيين من أى تشويش خارجى فقط عن طريق جعلها رفيعة المستوى راقية المضامين لا تقع مهما بلغ الاختلاف فيها فى مصيدة التكفير المتبادل محافظون يكفرون غيرهم دينيا وحداثيون يكفرون غيرهم مدنيا”.

علماء الأزهر للتونسيين: باطل 

7da3d21ea8.jpg

شاهد أيضا

وأمام هجوم قطاع عريض من تونس وبالأخص العاملين فى مجال حقوق المرأة بتونس، على رفض الأزهر تلك المقترحات، فضلا عن حديث البعض بأن ذلك الأمر داخلي ولا يحق للأزهر التدخل به، أكد عدد من علماء الأزهر أن المؤسسة الدينية معنية بالحفاظ على ثوابت الدين باعتبار أن الأزهر مؤسسة عالمية، رافضين الهجوم على الأزهر من قبل بعض التونسيين المؤيدين لمقترحات السبسى.

وأكد الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، للتحرير، أنه لا يجوز للمسيحي أو اليهودي الزواج من المسلمة؛ وفقًا للنصوص القرآنية وإجماع الفقهاء في هذا الصدد.

وعلق الدكتور محمود عاشور وكيل الأزهر السابق، على تلك المسألة، بالتأكيد أنه لا يجوز شرعًا أن ينكح المرأة المسلمة غير مسلم، حتى ولو كان من أهل الكتاب.

وبرر عاشور، في تصريحات لـ"التحرير"، مشروعية زواج المسلم من المسيحية واليهودية وليس العكس، قائلا: "الرجل المسلم أمين على المرأة غير المسلمة، وعند زواجه بها سيسمح لها بممارسة شعائرها الدينية سواء المسيحية أو اليهودية، أما غير المسلم إذ تزوج من مسلمة، لن يكون مخلصًا أو أمينًا عليها، فلو كان أمينًا عليها لشرع الله ذلك".

الرئاسة التونسية ترد على علماء الأزهر 

66d6d2a189.jpg

ولاحتواء الرفض الشاسع لعلماء الأزهر لتلك المقترحات بالتأكيد بأنها مخالفة للشريعة، تدخلت الرئاسة التونسية بالحديث عن أن مشروع المساواة بالميراث لا يتنافى مع الدين. 

وأكدت سعيدة قراش المتحدثة الرسمية باسم الرئاسة التونسية، أن مشروع المساواة فى الميراث الذى طرحه رئيس الجمهورية الباجى قائد السبسى لا يتنافى مع الدين الإسلامى، معتبرة أن السبسى دخل التاريخ من الباب الكبير كـ"مُصلح".

وأوضحت المتحدثة الرسمية باسم الرئاسة التونسية، خلال استضافتها بالإذاعة الوطنية، أن هناك محاولات من قبل بعض الأطراف للإنقاص من المبادرة والاستخفاف بها، متابعة: "ستفاجأون بسرعة التنفيذ ففى الدين نفرق بين العبادات والمعاملات، لأن العبادات لا تمس والمعاملات يمكن النظر فيها لأنها تتعلق بالحياة اليومية وتطور الإنسان".

وقالت قرّاش، إنّ إلغاء منشور 73 المتعلق بزواج التونسية بغير المسلم سيتم فى وقت قريب للغاية، لافتة إلى أن رئيس يمكن له اتخاذ قرار بإلغاء هذا المنشور الذى يعتبر غير قانونى خاصة أن العديد من الإشكاليات التى تواجهها التونسيات فى الداخل والخارج بسبب هذا المنشور".

وأشارت المتحدثة الرسمية باسم الرئاسة التونسية إلى أنّ الإسلام مسألة شخصية والدين هو شأن شخصى والفصل 6 من الدستور ينص على حرية الضمير، مشيرة إلى أنّ المنشور عندما تم إقراره لم يكن له هاجس دينى بل كان يهدف إلى الإحاطة بوضعيات اجتماعية تعرّضت لها تونسيات وهو منشور غير مؤسس قانونا ولم يكن له موجب وحان وقت الغائه.

 الطيب يرد على الرئاسة التونسية

7a96083fbe.jpg

أكد شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، أن رفض علماء الأزهر لمقترحات السبسى، ليس تدخلا فى الشأن التونسى.

 وأوضح  شيخ الأزهر في بيان له أنه انطلاقًا من المسؤولية الدينية التي تحمَّلها الأزهر الشريف منذ أكثر من ألف عام، بل تزيد إزاء قضايا الأُمَّتين العربية والإسلامية، وحرصًا على بيان الحقائق الشرعية ناصعة أمام جماهير المسلمين في العالم كله، فإن الأزهر الشريف بما يحمله من واجب بيان دين الله وحماية شريعته فإنه لا يتوانى عن أداء دوره، ولا يتأخر عن واجب إظهار حكم الله للمسلمين في شتَّى بقاع العالم الإسلامي، والتعريف به في النوازل والوقائع التي تمس حياتهم الأسرية والاجتماعية".

وأورد البيان أن النصوصَ الشرعية منها ما يقبل الاجتهاد الصادر من أهل الاختصاص الدقيق في علوم الشريعة، ومنها ما لا يقبل، فالنصوص إذا كانت قطعية الثبوت والدلالة معًا فإنها لا تحتمل الاجتهاد، مثل آيات المواريث الواردة في القرآن الكريم، والنصوص الصريحة المنظمة لبعض أحكام الأسرة، فإنها أحكام ثابتة بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة بلا ريب، فلا مجال فيها لإعمال الاجتهاد.

وأكد أن مثل هذه الأحكام لا تَقْبَلُ الخوضَ فيها بفكرةٍ جامحةٍ، أو أطروحةٍ لا تستندُ إلى قواعد عِلم صحيح وتصادم القطعي من القواعد والنصوص، وتستفزُّ الجماهير المسلمة المُستمسِكةِ بدينها، وتفتح الباب لضرب استقرار المجتمعات المسلمة. وأضاف البيان أن الأزهر الشريفَ إذ يُؤكِّد على هذه الحقائقَ إنما يقوم بدوره الدينيِّ والوطنيِّ، والذي ائتمنه عليه المسلمون عبر القرون، والأزهر وهو يُؤدِّي هذا الواجب لا ينبغي أن يُفْهَمَ منه أنه يتدخَّلُ في شؤونِ أحدٍ ولا في سياسةِ بلد. وتابع: رسالةَ الأزهر الشريف، خاصةٍ ما يتعلَّق بحراسةِ دين الله هي رسالةٌ عالمية لا تَحدُّها حُدُودٌ جُغرافية، ولا توجهاتٌ سياسية، وهذا ما ينتظرُه المسلمون من أزهرهم الشريف ولا يقبلون به بديلًا. حفظ الأزهر وأبقاه للعالمين الحافظ الأمين على دين الأمة وسلامتها من الفتن والشرور.

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع لإعلاميين مصريين وتونسيين يدعم كل منهما موقف مؤسسات دولته، إلى أن تطور الأمر لدى بعض الإعلاميين المغمورين من الجانبين لحد التطاول على الدولتين، وهو الأمر الذي حال استمراره قد يؤدي إلى تعكير الصفو بين وتونس.

التحرير