حياة الراهبات.. وجوه محرمة على المرايا وأجساد تحارب الرغبة (الحلقة الثالثة)

حياة الراهبات.. وجوه محرمة على المرايا وأجساد تحارب الرغبة (الحلقة الثالثة) حياة الراهبات.. وجوه محرمة على المرايا وأجساد تحارب الرغبة (الحلقة الثالثة)

التحرير

ارسال بياناتك

كتبت - مارينا ميلاد 

رسومات - عمرو الصاوي

« حياتنا مثل الجيش»

قالتها دميانة مبتسمة. وهي راضية عن ذلك، لكن في الوقت نفسه، لم تستمر طويلًا نبرتها المرحبة بمواصلة الحديث عن حياتها التي هى جزء من دائرة كبيرة تضم 150 راهبة يسكن الدير. إنما تنطق بكلمات سريعة وتنسحب معتذرة لتذهب لتأدية مهامها اليومية، التي لا تتأخر عنها حتى لا تُلام على ذلك.

في هذا اليوم كان دورها الجلوس داخل الكابينة الزجاجية الصغيرة المجاورة لبوابة الدير الحديدية، ومنها تتولى مسؤولية تنظيم دخول الضيوف، وإعطاء زجاجات زيت صغيرة للزائرين كنوع من «البَركة»، واستقبال التليفونات الواردة للدير والتبرعات.

كان أمامها أجندة مدون فيها أرقام ومواعيد وكتابات أخرى، لم أتبين تفاصيلها. كانت تتحدث كثيرًا من خلال «التليفون اللاسلكي» مع راهبات الدير، تستمع إليهن وتدون.

تحركت دميانة من الكابينة ولوحت لأحد بوابي الدير الرجال، وهو يوسف البالغ من العمر 13 سنة، الذي جاء من المنيا في أيام الإجازات من الدراسة ليعمل ويقيم مع قريبه بمقابل مادي يستطيع به أن يساعد أهله عندما يعود إليهم.

أعطت دميانة ورقة لـ«يوسف» اقتطعتها من الأجندة، مدون فيها طلبات تحتاجها الراهبات؛ ليذهب ويشتري المذكور فيها من الخارج.

لا يُسمح لهؤلاء «الراهبات المُنعزلات» الخروج من الدير إلا في ظروف استثنائية كالعلاج أو إجراء عملية، وإذا خرجت أحداهن لأي سبب ترافقها أخرى لتحتمي بها.

انهمكت دميانة في عملها، وكان الدير من حولها هادئا، هدوء اعتدن عليه في أيام الصيام، التي لا يستقبل فيها الدير الرحلات، لكنه ظل يفتح بابه للزوار في مواعيده العادية من التاسعة صباحًا وحتى الخامسة مساء.

استغلت الراهبات الحركة الضعيفة وهذا الجو «الرائق» في الدير تلك الأيام، لاستكمال أعمال تجديد واجهات الدير، الخاصة بالكنيسة والمزار (أماكن صلاة الزوار)، فقطع الهدوء بعض الضوضاء الصادرة عن تلك الأعمال.

انتهى موعد عمل دميانة في الكابينة، وجاءت راهبة أخرى تتسلم منها، وقفن مع بعضهن لتخبرها دميانة بما وصلت إليه وما متبقي لتفعله، ثم اتجهت دميانة ناحية باب حديدي عريض موجود يسار الكابينة والبوابة.

هذا الباب يفصل بين الجزء الخارجي من الدير المتاح للزائرين، وهو المزار والكنيسة والمعرض والمكتبة، وبين المساحة الخاصة بالراهبات الموجودة خلفه، وهى مباني سكنهم.

لا يعبر هذا الباب شخص غريب إلا لسبب واضح يذكره للراهبة الجالسة بجوار البوابة، وتسمح له بالدخول بعد أن تكون قد أبلغت راهبة موجودة في الداخل عن طريق التليفون، لتخرج وتستقبل الضيف وتتبعه.

الضيف الذي يُسمح له بالدخول يذهب برفقة راهبة إلى «المَضيفة»، وهى عبارة عن صالون أنيق، مرتب، نظيف بشكل مُلفت، يزينه مفارش من صنع الراهبات منقوشه بأيات من الكتاب المقدس، ويعلو الطاولة التي تأخذ أحد أركانه؛ علبة حلوى، وأكواب زجاجية للمياة، تقدم له الراهبة هذه المنتجات وتحضر له طعامًا، وحين يقدم لها الشكر، ترد سريعًا: «أخذت بركة كبيرة»، وهذه إحدى أدبيات الراهبات.

بعدما تخطت الباب، ذهبت دميانة إلى قلايتها (غرفتها) في الدور الأول من مبنى الراهبات، المكون من أربع طوابق مكشوفة للشخص الواقف في ساحة المبنى بالدور الأرضي، يغلب عليه اللون الأزرق، وهو لون أبواب القلايات، ويزين الزرع والورود كل أركانه.

لم تسمح  دميانة لي بالدخول إلى قلايتها، بل والصعود إلى هذا المبنى الممنوع على غير ساكنيه، وهو ما كان ضمن قسمها الذي تلته عند رسامتها.

لكن يمكنها أن تحكي عن قلايتها، التي هى ذات مساحة متوسطة، لا يوجد بها سوى سرير ودولاب ومكتب وكرسي ومنجالية (مسند الكتاب المقدس). انتقلت إليها بعد رسامتها راهبة، حيث إنها كانت تعيش قبلها في قلاية بالمبنى المواجه الخاص بطالبات الرهبنة. لم تجد فرقًا بينهما سوى أن قلايتها الآن بها حمام خاص، ولا يكتب على بابها من الخارج اسم ساكنتها مثل الأولى.

3

تمرور الليالي طويلة على دميانة داخل هذه القلاية، لتنسيها معالم وجهها، التي صارت لا تراها منذ رهبنتها، التي لا يناسبها وجود مرآة - حتى في حمامات الزوار - تنظر فيه لنفسها ولجسدها. لذلك، لا يصح لها أيضًا أن تمتلك عطور أو مرطبات أو فرشاه أو أدوات تزيين بسيطة.

«في البداية كان هناك أشياء معي لا أعلم أنها ممنوعة وأراها عادية لكن أدركت بعد فترة أنها لا تليق بالرهبنة»

كانت راهبة مسنة تمر على قلاية دميانة، لتنصحها إذا وجدت معها شئ من «الممنوعات»، وهي تستخدمه دون قصد باعتبارها جديدة على هذا النظام، فتوجهها بضرورة عدم وجوده. دميانة لم تعتبر ذلك «تفتيشًا»، لكنه فقط «متابعة لإعطاء ملاحظات». 

أصبحت دميانة مع الوقت لا تكترث – وهى لازالت لم تتجاوز الثلاثين - بأن تكون ثيابها السوداء مهندمة، أو بأن يكون حذائها الأسود نظيف، أو بتفاصيل أخرى خاصة تهتم بها كل النساء العاديات.

كأن كل ما يمكن أن تشعر به الأنثى يموت داخلها، فتدعي أنها لم تشعر ذات مرة برغبة في الارتباط أو الإنجاب حتى قبل رهبنتها، مؤيدة حق الدير في عدم قبول فتاة سبق لها التفكير في هذا.

«الراهبة يجب أن لا تكون مالت ناحية الحب والارتباط وأن يكون الله هو هدفها منذ صغرها»

قد يبدو من غير المنطقي، أن لا تشعر امرأة برغبة جنسية في أي من الأوقات، دميانة تعترف دون استرسال في التفاصيل، أن كل الأفكار قد تأتي للشخص دون إرداته، و«محاربات الشيطان» - حسب توصيفها -  كثيرة، لكن الحل عندها لمقاومة الرغبات هو إلهاء نفسها بالعمل والصلوات طوال الوقت.

«لا نترك وقت فراغ لنشعر برغبة. لا نترك أنفسنا للتفكير في هذا»

رغم ذلك لا تمانع الراهبات التعامُل مع الرجال، كالكاهن الذي يأتي إليهن أسبوعيًا بالاتفاق مع رئيسة الدير ليقيم لهن قداس الأحد، وتجلسن معه وتقبلن يديه، كذلك الزوار، الذين يسلمون عليهن، ويحاولون تقبيل أيديهن للتبارك بها، لكن سرعان ما تسحب الراهبة يدها في هذه الحالة كنوع من التواضع، وتسمح له بتقبيل الصليب الخشبي إذا كانت تحمله في يدها. 

شاهد أيضا

9

فيما كانت دميانة تتحمل هذه الحياة «غير العادية»، كانت أسرتها تعاني لفترة طويلة من قرارها. إلى أن تأقلموا مع الواقع الذي اخترته ابنتهم، الذي يسمح لهم الدير برؤيتها في أحد صالوناته 5 مرات فقط في السنة، بمعدل مرة واحدة بعد انتهاء كل صيام.

لا تتم مكالمة بينها وبينهم إلا في «حالات طارئة تستدعي ذلك» بعلم رئيسة الدير، ومن خلال تليفون الدير العام. فلا تملكن الراهبات تليفونا محمولًا إلا لأغراض العمل، كالراهبة الجالسة في الكابينة بجوار البوابة، والتي تتركه بعد انتهاء عملها، والأخرى المسؤولة عن طالبات الرهبنة التي تتواصل مع الفتيات في الخارج.

في أثناء مقابلتها لأسرتها، يمكن أن يتركوا لها أموالًا، هنا عليها وضعها فورًا في الدير.

«الراهب لابد أن يكون فقيرًا.. نحن لا نملك أموالًا خاصة والدير ينفق على كل شئ»

فعندما تحتاج دميانة «متطلبات خاصة»، تتبع نظام الدير في ذلك، حيث إن راهبة تمر على قلاية كل واحدة منهن، كل شهرين، لتأخذ منها ورقة مكتوب فيها ما تحتاجه من أشياء ضرورية، وتصرف ذلك لهن من مخزن الدير الموجود به التبرعات الواردة.

2

في يوم آخر، دخلت دميانة مبنى طالبات الرهبنة، عن طريق السلم الداخلي الذي يربط بينه وبين مبنى بالراهبات، ذهبت وراءها، ولم أجدها، فالراهبة تختفي عندما تشعر أن أحد يأتي خصيصًا لها، لكن وجدت مبنى تكاد تكون محتويات أدواره الخمس متشابهة تمامًا، حيث أن جدرانه مغطاه بصور القديسين وبالافتات الخشبية المكتوب عليها أيات من الكتاب المقدس، بجاورها ثلاجة وغسالة مكتوب عليها «لا تفتح إلا لجلب أو وضع الملابس وبعلم من أمنا المسؤولة عنها»، ومكواة، وبعض أحذية متروكة خارج القلالي المغلقة، وطاولة عليها تليفون وصندوق خشبي مكتوب عليه «خاص بأمنا رئيسة الدير».

كانت الحركة خفيفة في المبنى وقتها، لم يشاهدني أحد، لكن علمت بعد ذلك أن صعود هذا المبنى ممنوع أيضا لغير ساكنيه مثل مبنى الراهبات.

ما هذا الصندوق الخشبي المكتوب عليه «خاص بأمنا رئيسة الدير»؟

لم أتأكد مما يحتويه هذا الصندوق، لكن تذكرت حديث دميانة عن أن هناك تقرير تكتبه كل واحدة منهن عن ما أنجزته في صلاواتها وقرآتها خلال ثلاثة شهور، وما اخطأت وأخفقت فيه، وتُجمع الأوراق لتُسلم إلى رئيسة الدير باعتبارها «مرشدتهم الروحية». وربما وجد الصندوق لهذا الغرض.

رئيسة الدير، وهى سيدة في أوائل العقد الخامس تقريبا، هى من تضع تفاصيل كل شئ وتقرر كل شئ، وتنظم حياة الـ150 راهبة، لكنها كما تقول دميانة، حنونة وأم للجميع وتسمع وتسمح بالمشاركة في الرأي.

تومئ دميانة برأسها وتنحني نصف إنحناء عند دخولها لها لتقبل يدها، وتلقي عليها السلام: «سلام يا أمي»، وهو السلوك المعتاد بينهن.

وحين تخطئ دميانة أو غيرها من الراهبات في فعلِ أو تنطق بشئ لا يصح قوله، فلا تتردد لحظة واحدة أن تقول لها العبارة المتكررة عندهن: «اخطأت يا أمي سامحيني»، وعلى الطرف الأخر - سواء كانت رئيسة الدير أو راهبة عادية - قبول الاعتذار، تنفيذا لأحد أقوال الكتاب المقدس التي جاءت برسالة بولس الرسول، والمطبوعة على لافته معلقة بالدير:«كونوا لطفاءً بعضكم نحو بعض، شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضا في المسيح».

رئيسة الدير هى أيضًا الوحيدة من أهله التي تتابع بالتليفون أو من الصحف الأخبار اليومية بحكم مسؤوليتها، وتبلغ الراهبات بها إذا رأت أن الأمر سيفيدهن معرفته.فيما عدا ذلك لا تعرفن الراهبات شئ، فلا يوجد بالدير تليفزيون، لا يوجد راديو أو انترنت، ولا تصل إليه الجرائد اليومية، حتى أن حادث تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر العام الماضي علمته دميانة بالصدفة من حديث أحد الزوار.

الأيام تتكرر بنفس تفاصيلها عندهن، لا شيء جديد، سوى المألوف والمعتاد فعله، الرتابة تأخذ مددًا أطول من اللازم، لكن دميانة تقول إنهن اعتدن على ذلك، فلا تشعرن بالملل، وإن أردن تغيير هذه الأجواء، تذهبن بقرار من رئيستهن في رحلة إلى أديرة تابعة لهن في وادي النطرون أو الفيوم.

هذه الأديرة، بها راهبات تلتزمن بنفس نظامهن، لكن تختلف نوعية العمل فيما بينهن؛ في وادي النطرون تزرعن الفاكهة وتصنعن منها المربى، وفي الفيوم تربين المواشي، ويتركن لراهبات دير القاهرة عمل المخبوزات والفطائر، لتبيعن كل منتجاتهن في محال الأديرة الثلاث. 

فالكل في الدير يعمل. الكل يعيش ما يسمونها بـ«حياة الشَركة». الكل يساعد بما لديه من خبرة سابقة. ولهذا أصبح الحصول على مؤهل عالي شرط للرهبنة.

«المؤهل العالي لم يعد بالشئ الصعب، ولا يمكن للدير أن يقبل بشخصية فشلت في تعليمها»

هكذا قالت دميانة، ودللت على أهمية ذلك بأن الراهبات خريجي كلية الطب يساعدن عند حدوث وعكة مفاجئة لأي راهبة خاصة من الكِبار، لذلك لم تشعر بأن دراستها الجامعية في كلية الهندسة ذهبت هباءا، فيمكنها الاستفادة بها في الدير.

عندما سألت دميانة عن موعد مجيئها إلى هنا. ردت: «أنا لسه جديدة. أنا لسه جايه».

كيف هذا وهى ترتدي الزي الأسود؟!، فمن ترتدي هذا الزي لابد أن تكون موجودة في الدير منذ 4 سنوات على الأقل!

ضحكت دميانة. كانت تنتظر ردة فعلي. وقتها افهمتني أن المتبع عند سؤال أي راهبة عن موعد التحاقها بالدير، أن تجيب هذه الإجابة لتشعر طوال الوقت أنها جديدة في المكان حتى تجتهد دائمًا لتثبت نفسها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- ما علمته عن حياة الراهبات كان من خلال ملاحظات رأيتها واستفسارات سألت عنها، أثناء ذهابي إلى أحد أشهر أديرة الراهبات الـ5 في ، لمدة 4 أيام أثناء فترة الصيام (قبل 17 يوم من عيد القيامة الماضي).

الحلقة الأولى: حياة الراهبات.. البداية بقص الشعر و «صلاة الموت»

الحلقة الثانية: حياة الراهبات.. يوم أوله صلاة التسبحة وآخره «فترة صمت»

التحرير