«بوحة».. دراجة الموت في شوارع مصر

أحد سائقي التروسيكل بسوق سمنود

أحد سائقي التروسيكل بسوق سمنود

كتبت – نانيس البيلي

ظهر في بداية الألفينات، عبارة عن موتوسيكل بثلاث عجلات وصندوق خلفي يسمى «التروسيكل»، يستخدم لنقل البضائع والحمولات وهو «الغرض الشرعي» الذي تمنح من أجله إدارة المرور الترخيص لسائقه، وفي المناطق العشوائية يستخدمه الأفراد كوسيلة مواصلات لأجرة ركوبه الزهيدة وهو ما يخالف القانون وتكون عقوبته سحب الترخيص، «البوحة» هو الاسم الشعبي الذي أطلقه عليه سائقوه نسبة إلى فيلم «محمد سعد» الشهير.

يتم استيراد قطع غيار «البوحة» من الخارج وتجميعه في ، لا يتعدى سعره آلاف الجنيهات، فأغلى «تروسيكل» يصل إلى 20 ألف جنيه، ورغم أنه يقل كثيراً عن الوسائل الآخرى لنقل الحمولات إلا أن قيادته لا تخلو من خطورة كبيرة قد تصل في بعض الأحيان إلى الإصابة أو الموت، فهو يشبه «الضفدعة» بجانب السيارات الكبيرة، وغير مزود بأي من وسائل الأمان، بحسب سائقيه، الذين أطلقوا عليه «دراجة الموت».

محمد خليل، سائق تروسيكل بسوق سمنود يجلس منتظراً الزبائن

محمد خليل، سائق تروسيكل بسوق سمنود يجلس منتظراً الزبائن

محمد خليل، صاحب «تروسيكل» لنقل البضائع، يقف بـ«سوق سمنود» المطل على ميدان الشرايحي بمحافظة الغربية، منتظراً رزقه، حمولة ينقلها لزبون، بضاعة لأحد المحال الصغيرة يقوم بتوصيلها، أصابه الملل من انتظار الزبائن التي لا تأتي، الساعة تقترب من الثالثة عصراً، قرر الرجل الذي أتم الخمسين من عمره أن يمنح نفسه قسطًا قليلاً من الراحة، توجه إلى إحدى «نصبات» المشروبات الساخنة بأطراف السوق، أوقف مركبته جانبًا وجلس يحتسي كوبًا من الشاي ويدخن سيجارة، يتذكر «خليل» ذو البشرة السمراء بفعل حرارة الشمس، والشعر الأشيب، والتجاعيد التي رسمت ملامح وجهه، بداية عمله كسائق تروسيكل: «كنت شيال، بحمل بضايع، ومن 5 سنين حسيت إن صحتي بقت على قدي، فاشتريت تروسيكل بنقل بيه حمولة للناس وباخد اللي فيه النصيب، وأهو الواحد يبقى حر نفسه بدل ما حد يتحكم فيه».

«التروسيكل» معرض دائمًا للحوادث لأنه غير مزود بوسائل الأمان

قيادة «التروسيكل» لاتخلو من خطورة كبيرة قد تصل إلى الإصابة أو الموت، بحسب «خليل»، ورغم ذلك فإن عمله بمهنة بديلة رفاهية لا يملكها، فهو رجل «أمي» لا يعرف القراءة أوالكتابة، كما أنه بلغ من العمر أرذله ولم يعد يقوى على المهن الشاقة، وعن خطورة تلك المركبة يقول إن التروسيكل معرض دائمًا للحوادث خاصة على الطرق السريعة « بيعتبر ضفدعة جنب العربيات الكبيرة، وممكن يشبك في خطاف العربية اللي بيتربط منها الحبال حوالين البضاعة فبيكون متعلق فيها زي الميدالية تطوحه يمين وشمال ويبقى عليه العوض في اللي سايقه».

ويضيف الرجل الخمسيني، أن التروسيكل لا يمتلك أي من وسائل الأمان فهو بدون زجاج أو باب أو خوذة تحمي سائقه، وفي حالة زيادة السرعة فهو معرض للانقلاب «لو خد سرعته على طريق وزحلقته زلطة يبقى خلاص مات وملوش دية».

يلتقط أطراف الحديث منه «مصطفى بدير»، الشاب العشريني، صاحب «فرشة» ملابس متواضعة بالسوق، يحكي بمرارة عن حادثة كان شاهداً عليها لموت أحد أصدقائهم أثناء استقلاله «دراجة الموت»: «من حوالي 5 شهور، صاحبنا اسمه أحمد فزاع كان راكب في صندوق التروسيكل بتاع صاحبه، وكان معاه ابنه وابن أخته، وهما على الطريق السريع بتاع المنصورة – المحلة، جت عربية ملاكي خبطت التروسيكل من وراء، طاروا هما الثلاثة في الهواء ووقعوا على الأسفلت، أحمد وقع دماغه انفجرت، والولدين الصغيرين حصلهم كسور في كل حتة، والعربية اللي خبطته طارت وحقه ضاع».

سائقوا التروسيكل: شهادة محو الأمية عائق أمامنا لاستخراج رخصة القيادة

معظم «التروسيكلات» غير مرخصة، بحسب «خليل»، ويشير إلى أن الباقي منها يملك رخصة قيادة المركبة فقط ولا يملك رخصة القيادة نفسها، وهو واحد منهم: «دفعت 650 جنيه ثمن ترخيصها، شامل التأمينات والضرائب والمرور، وبجددها كل 3 سنين».
> وعن عدم امتلاكه رخصة القيادة، يقول: «والله نفسي، بس دي محتاجة قراءة وكتابة، ولما بنروح محو الأمية بينجحونا من غير ما نتعلم حاجة».

المرور: التروسيكل يرخص للبضائع فقط.. وسحب الرخص عقوبة المخالف

العقيد مصطفى إبراهيم، مدير العمليات بالإدارة العامة للمرور، يقول إن ترخيص «التروسيكل» بغرض نقل البضائع يعد شرعي، ولكن المشكلة فيما بعد لأنه يساء استخدامه لنقل الركاب والأفراد خاصة في المناطق العشوائية وهو ما يمثل خطورة على حياتهم.
> «سحب الرخص ووقف الترخيص لمدة شهر» هو العقاب الذي تتخذه إدارة المرور حيال سائقي التروسيكل المخالفين للقانون ممن يسخدموه لنقل الأفراد.
> يبدي «خليل» رغبة كبيرة في تقنين أوضاعه بشكل كامل، ولكنه يشير إلى «معوقات» تضعها إدارة المرور: «بقول لظباط المرور ساعدوني أطلع رخصة سواقة، متحطليش شرط القراية والكتابة لأن معظمنا بصمجية، خليني أمتحن عندك وأسوق، ولو عملت غلطة سقطني».

يتأفف «خليل» ويستكمل حديثه: «ظباط المرور بيتلككوا لينا، ساعات يوقفوني ويسألوني عن الرخص، ولما أطلعلهم رخصة التروسيكل، يقولولي فين رخصة السواقة، طيب منين، وبيدفعوني غرامة 500 جنيه، ده شغل شهر يا عالم، هجيب منين».

نقاش بين فرد مرور وسائق تروسيكل حول اهمية الترخيص

نقاش بين فرد مرور وسائق تروسيكل حول أهمية الترخيص

حديث «خليل» يلفت أسماع «سعيد قطب»، فرد مرور بميدان الشرايحي المطل على السوق، يأتي الرجل الأربعيني مسرعًا، يبدأ نقاشًا معه، محاولاً إقناعه بأهمية الرخص: «إحنا مش بنتلكك، لو التروسيكل عمل حادثة، وهو مش مترخص وملهوش نمر، هجيب حق اللي مات أو اتصاب إزاي، ولو انت مش معاك رخصة سواقة، إيه اللي يعرفني إنك سواق بتعرف تسوق ومش هتضيع أرواح الناس، وعشان لو المكنة بتاعتك اتسرقت يبقى ليك حق تطالب بيه».

يؤدي «التروسيكل» نفس مهام السيارة نصف النقل، الاثنان ينقلان البضائع والحمولات، لكن «خليل» يعدد مزايا مركبته ويؤكد أن الناس تفضلها: «الزبون بيحب يجيلي، لأن طلعة العربية نص النقل بـ50 جنيه، أما التروسيكل بـ10 جنيه، وكمان بيوفر أجرة الشيال، لأني بطلعله الحمولة اللي عاوز ينقلها غير العربية، والتروسيكل بيدخل حارات وشوارع ضيقة لكن نص النقل مش هتعرف تدخل أماكن ضيقة».

أمال حماد، 47 سنة، و«سلفتها» إسلام زيادة، 42 سنة، ربات منزل، جئن لشراء احتياجاتهن كالعادة من السوق، يؤكدن أن معظم سكان المنطقة باتوا يعتمدون على «التروسيكل» لنقل حمولاتهم: «أرخص من العربية نص النقل، أقصى حاجة بدفعهاله 10 جنيه، ولو حاجة تقيلة شوية زي عفش مثلاً بديله 15 جنيه، لكن العربية هتاخد مني 60 و70 جنيه، كتير أوي والحالة صعبة، وكمان التروسيكل صغير ممكن يدخل حارة أو شارع ضيق».

يرى «خليل» أن «التروسيكل» أصبح وسيلة نقل لا غنى عنها لكثير ممن يعملون في السوق ولديهم بضائع: «أي واحد له شغل بقى بيشتري تروسيكل، بتاع محل البقالة، بياع الجيلاتي بدل ما يزق الصندوق بنفسه، السريح بخوردة، عامل المحارة بينقل عليه الخشب»

بداية ظهور «التروسيكل» في مصر يعود إلى عام 2008، بحسب «خليل»، فيقول إنه يتم استيراد قطع غياره من الخارج وتجميعه في مصر، وله أنواع محدودة، أقدمها «تروسيكل الحلاوة»، كان سعره 7 آلاف جنيه وقت ظهوره، ثم ارتفع إلى 11 ألف جنيه، وفي عام 2012 توقف استيراده بشكل شبه كامل، والموجود منه حاليًا وهو قليل جداً يصل سعره لـ20 ألف جنيه بعد ارتفاع ، ثم ظهر نوع جديد يتميز بـ«صندوقه الطويل»، وهما نوعين، «الدايو» كان سعره 5 آلاف جنيه ووصل مؤخراً لـ8 آلاف جنيه، و«الروك» ومنه 3 مستويات «روك 4» و«روك 5» و«روك 7»، ويبلغ سعره 7 آلاف جنيه، وسرعة الموتور للأنواع الثلاثة «150 سي سي».

رجب، سائق تروسيكل بسوق سمنود

رجب، سائق تروسيكل بسوق سمنود

أمتار قليلة، يجلس «رجب.ر»، 30 سنة، أعلى «التروسيكل» الذي يملكه، متأهبًا للانطلاق فور اقتراب قدم أي زبون منه طالبًا نقل حمولة، يشكو وقف الحال وعدم وجود زبائن لركود حركة البيع والشراء بالسوق.

يدافع «رجب» عن عمله باستماته: «كنا عربجية، حبينا نطور من المجتمع، قولنا نجيب آلة مستعملة على أد الفلوس اللي معانا، ملقناش قدامنا غير التروسيكل»، يقول إنه لايملك رخصة القيادة أو «التروسيكل»، ويسوق مبررات لذلك: «مبعرفش أقرأ ولا اكتب، ذنبي إني طلعت بصمجي!، بنروح محو الأمية مبنتعلمش حاجة، ومفيش فلوس أرخص المكنة».

التروسيكلات تملأ سوق سمنود

التروسيكلات تملأ سوق سمنود

 

 

أونا