أخبار عاجلة

بين الثورة الشعبية والانقلاب العسكري | بقلم د.أيمن سلامة

بين الثورة الشعبية والانقلاب العسكري | بقلم د.أيمن سلامة بين الثورة الشعبية والانقلاب العسكري | بقلم د.أيمن سلامة

لا يزال الشراح و الفقهاء يجتهدون في تأصيل و تأويل ما حدث في سائر أنحاء يوم 30 يونية الماضي ، و أخذ البعض – و كالمعتاد – في محاولة طرح رؤيته الخاصة و التي لا شك ستكون متعصبة لفريقه السياسي الذين ينتمي اليه ، دون مراعاة لقواعد البحث العلمي و معاييره الموضوعية القياسية .

فانبري البعض ، يحاول أن يظهر بمظهر الباحث المحايد فوصف الأمر علي أنه انقلاب و لكنه ناعم ، و البعض الأخر كيف الحدث الجلل علي أنه انقلاب عسكري محض وفقا لمعاجم المصطلحات و العلوم القانونية و السياسية ، في حين دافع نفر كبير من الباحثين عن ثورية الحدث و شعبيته و التأكيد علي أن الأمر برمته لا يخرج عن نطاق الثورة الشعبية التي حماها الشعب المصري ، بل و اختلافها هذه المرة عن الاحداث التي وقعت في يناير 2011 ، حين تولي المجلس الاعلي للقوات المسلحة مقاليد السلطات سواء التأسيسية حين أصدر الاعلانات الدستورية ، و السلطة التشريعية بعد حل مجلس الشعب ، و كان المجلس ايضا برئاسة وزير الدفاع يمارس السلطة التنفيذية العليا في البلاد التي سيرت أهم الشؤون الداخلية و الخارجية للبلاد

لقد عالج فقهاء القانون الدستوري في العالم الحالتين أو لنقل الظاهرتين ، من خلال التعرض لنقطتين فارقتين تسهل الممايزة بين الثورة الشعبية ، والانقلاب العسكري ، و من خلال دراسة هاتين النقطتين يمكن للقارئ الكريم الاستنباط السريع و المباشر لتكييف الحالة الراهنة في البلاد ، خاصة بعد أن أصبحت الحالة المصرية محط الاهتمام العالمي بشكل أكبر بكثير عن ذلك االاهتمام الذي حصل أثناء ثيام ثورة 25 يناير 2011 .

أولا : يجتهد الباحثون في علم القانون الدستوري في تمييزهم بين الثورة الشعبية و بين الانقلاب العسكري ، بالنظر إلي مصدر الجهة التي قامت بالفعل أي العمل ، فيرون أنه اذا كانت هذه الجهة ذات مصدر شعبي أي أن الشعب هو الذي ثار علي الاوضاع المختلفة القائمة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الأجتماعية و غيرها، و تتسم هذه المعارضة الشعبية العارمة الكاسحة بالعفوية ، و أحيانا العنف غير المنظم .

إن الحالة المصرية ذاخرة بالعديد من الأمثلة التي تعكس و تؤكد هذا الطرح ، فكانت هناك ثورة عام 1919 ، و ثورة يناير 1952 التي كانت انقلابا عسكريا محضا ثم صارت ثورة شعبية وفقا لهذا الطرح بعد أن أيدته كل جموع الشعب المصري ، أما الانقلاب العسكري وفقا لهؤلاء فغالبا ما تقوم به أجهزة و أدوات الدولة أو مجموعات مندسة في النظام و هي جزء منه مثل الجيش أو الشرطة أو الدرك و غيرها من أجهزة أمنية لها القدرة علي قلب النظام الي نظام أخر دون الاستناد علي ارادة الشعب .

لقد كانت حكومة العقداء العسكرية الانقلابية في اليونان عام 1969 -1974 ، والانقلاب العسكري للجنرال ” كنعان افرين ” في تركيا 1980 ، و حكومات الطغمة العسكرية ” العسكر ” في امريكا اللاتينية في الثمانينات و التسعينات من القرن المنصرم من أشهر الأمثلة الانقلابية التي لم تستند في دستوريتها أو شرعيتها علي إرادة الشعب ، بل علي قوتها العسكرية النافذة المسيطرة فاغتصبت السلطة دون سند ، و تشبثت بها و لم تتنازل عنها طوعا ، و لكن إما بعد انقلاب أخر ، أو ثورة شعبية أخري ، أو حرب أهلية تنتهي بانحسارها و انزوائها.

ثانيا : يتوازي مع المعيار الأول الذي ذكرناه في الممايزة بين الثورة و الانقلاب العسكري ، المعيار الثاني الذي يتعرض للهدف المرجو من العمل ، فالثورة تهدف لقلب الأوضاع السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في أغلب الاحيان ، فالثورة قلب للأوضاع و ليس فقط ” واقعة مادية ” ، أما الانقلاب فالهدف منه في أغلب الأحوال تحقيق مصالج مجموعة أو فئة تسمي ” السلطة ” ، باعتبار أن الانقلاب اغتصاب للسلطة .

إننا نري ، أنه فضلا عن المعيارين الأثنين الحاكمين في هذه المسألة ، يمكن أيضا النظر إلي أمر دستوري مهم و هو الحالة التي سيؤول إليها ” الدستور الإخواني ” لعام 2012 ، فاذا تم اعداد دستور جديد للبلاد لا يرتكز في مبادئه و مقوماته الأساسية علي هذا الدستور المعتور ، فهذا الإجراء الذي يعد عرفا دستوريا راسخا يؤكد ثورية العمل الذي جري في 30 يونيو ، أما إذا اكتفي الشعب و الأمر كله للشعب مصدر السلطات و صاحب السيادة بمجرد تعديلات علي ذات الدستور ، فذلك التردد سيفضي إلي إطالة الفترة الانتقالية و لا شك.

د.أيمن سلامة ..
> أستاذ القانون الدولى العام ، وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية.

أونا