حلول مبدئية لمنع انهيار الصحافة والإعلام.. بقلم | عماد الدين حسين

29 نوفمبر Ona سياسية 0 41

[المحتوى من Ona]

/
الرابط المختصر
عيون

عماد الدين حسين

 

قبل أيام قليلة شرفنى الدكتور محمد أبوالغار، بزيارتى فى الشروق، من بين الموضوعات التى كنا نتكلم فيها موضوع الأزمة الصعبة التى تمر بها صناعة الإعلام.

قال لى إنه عندما كان يريد تصفح جريدة النيويورك تايمز الأمريكية، على الموقع الإلكترونى للجريدة، كان يجد المقالات أو القصص الخبرية المهمة غير متاحة بالكامل إلا للمشتركين. ولأنه يواظف على قراءة هذه الجريدة، والتى يصنفها كثيرون باعتبارها الأولى على مستوى العالم، فقد ظل يبحث عن طريقة، إلا أن قرأ إعلانًا يقول إن الجريدة توفر عرضًا لقرائها، كى يتابعوها على موقعها الإلكترونى مقابل ٩٩ سنتًا فى الأسبوع، أى حوالى ٥٠ دولارًا سنويًا.

وقبل عامين كنت قد كتبت عن تجربة حية شهدتها خلال زيارتى لمقر صحيفة الفيجارو الفرنسية العريقة، والتى يملكها صاحب مصانع داسو التى تنتج من بين ما تنتج مقاتلات الرافال فى هذه الصحيفة، فإن من يريد أن يقرأ أى مقال أو قصة خبرية حصرية وخاصة على الموقع الإلكترونى ينبغى أن يدفع مقابل ذلك.

وظنى الشخصى أن هذا الأمر سيتم تطبيقه بصورة أو بأخرى فى الفترة المقبلة، وإلا فإن الصحف المصرية وبواباتها ومواقعها الإلكترونية مهددة بالاندثار والاختفاء، فى ظل الأزمة الطاحنة التى تعيشها صناعة الصحافة، فإنه لم يعد ترفًا البحث عن طرق جديدة وخلاقة لإنقاذ هذه المهنة من الخراب.

سيقول البعض وهل القارئ المصرى للصحف أو الذى يشاهد الفضائيات مطلوب منه أن يدفع أيضا كى يقرأ أو يشاهد؟.
> للأسف الشديد فإنه لا بديل عن اللجوء لهذا الأمر ولو بصورة جزئية. وطبقًا للخبراء فى صناعة الصحافة فإن تعويم الجنيه أدى إلى رفع تكلفة طباعة الصحف إلى أكثر من ٧٥٪، ومن المستحيل أن تستطيع الصحف الاستمرار من دون رفع أسعار النسخ المبيعة بثلاثة جنيهات على الاقل، أو حدوث معجزة تهبط من السماء، تغطى فقط مقابل الارتفاع الأخير، اضافة إلى الأزمة الحقيقية وهى تراجع نسبة وحصة الإعلانات.

تشخيص الأزمة يعلمه الجميع، لكن المهم هو التركيز على الحلول، خصوصًا غير التقليدية، وهى مهمة جوهرية ـ لجميع من يعملون فى هذه الصناعة، لكن يتحملها بالأساس المختصون فى أقسام التسويق والتروج والإعلان، إضافة إلى أن مسئولى التحرير، الذين يتحملون مسئولية تقديم محتوى شيق ومختلف وجذاب وعميق كى يقنع القراء والمشاهدين انهم سوف يدفعون أموالا مقابل وجبة إعلامية دسمة لا يمكن الاستغناء عنها.

والمسئولية الأساسية أيضا يتحملها القارئ أو المشاهد والمتصفح، لأنه ببساطة إذ ترك وسائل الإعلام خصوصًا الجادة منها تسقط، فهو الذى سيدفع الثمن الأكبر، لأن الإعلام المحترم والمهنى، هو الذى يمد المواطن بالمعلومات الأساسية والجوهرية التى تجعله قادرًا على تكوين وتشكيل مواقفه فى كل المجالات. اختفاء الإعلام المهنى، سيدفع ثمنه المجتمع بأكمله، ليس فقط المواطنون، بل الحكومة نفسها التى يعتقد بعض أركانها أى اختفاء الصحافة المحترمة سيكون فى صالحها، والحقيقة المرة أن حدوث ذلك سيمهد التربة لكل أنواع الإعلام المدمر سواء كان متطرفًا يمينًا أو يسارًا، دينيًا وطائفيًا وقبليًا وجهويًا، وخطورة ذلك أننا لا نملك حياة سياسية وحزبة فعالة وقوية ومجتمعا مدنيًا عفيًا، وبالتالى فالإعلام هو حائط الصد الأساسى لمنع انهيار المجتمع.

لو كنت مكان الحكومة لدعمت الإعلام المهنى والمحترم بكل السبل، ليس حبًا فى دعم حريات التعبير، ولكن من جانب منفعى بحت.