وزارة للسعادة في الإمارات

وزارة للسعادة في الإمارات وزارة للسعادة في الإمارات

فاجأ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله مؤتمر القمة الحكومية الذي يعقد في دبي بتغييرات هيكلية كبيرة في حكومة دولة الإمارات ومن بينها تعيين وزير للسعادة، وتبدو الفكرة غريبة لكنها في الواقع هي امتداد لفكر موجود ومتأصل في دولة الامارات وربما يجهل كثيرون أن إمارة دبي اطلقت في اكتوبر 2014 خدمة مؤشر السعادة رسمياً، في 14 جهة حكومية، والمتمثلة في تزويد الجهات الحكومية بأداة ذكية لقياس «مؤشر السعادة»، من خلال المواقع الإلكترونية والأجهزة اللوحية وأجهزة «آي فون» و«أندرويد».

المبادرة وقتها كانت غريبة والحديث عن المؤشرات عادة يرتبط بالأرقام ونسب النمو ولكن كلمة السعادة كمفهوم في قياس اداء جهاز حكومي كان يعتبر فكرا خارج النمط السائد. ووقتها علق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «إن انتظار تقارير نسبة سعادة الجمهور ورضاهم عن الخدمات الحكومية بشكل سنوي أو فصلي لا يلبي الطموحات، لأن العالم اليوم يتغير بسرعة، وتوقعات الناس أيضاً تتغير بسرعة ولا بد من رصد ذلك بشكل يومي».

ومن حينها اصبح هناك مركزية تقوم برصد مؤشر السعادة وإرسال تقارير بشكل يومي لمتخذي القرار لرصد المناطق الجغرافية والحكومية الأكثر سعادة ورضا عن الخدمات الحكومية بهدف تطوير الخدمات وتحسين سعادة الجمهور عن الخدمات المقدمة.

وادخال مؤشر السعادة في الدول هو نقلة نوعية تعني ان المهم هو سعادة الناس وراحتهم. فالدول التي تتحدث عن معدلات نمو عالية وارقام اقتصادية مرتفعة وشعوبها تعيسة فما فائدة هذا النمو ان لم ينعكس على حياة الناس وسعادتهم.

وقد تبنت الأمم المتحدة في 2012 مؤشرات تقيس سعادة الانسان واصدرت سنويا دليلا لترتيب دول العالم وفقاً لمعدلات السعادة، تتعاون فيه مع مراكز الابحاث والخبرات في العالم. وهي المؤشرات التي تعتمد على التعليم والاقتصاد والإدارة العامة، والصحة والأمن والعلاقات الاجتماعية الإيجابية، والحرية وريادة الاعمال.

إن قياس السعادة مهم، فحلم كل انسان ببساطة هو السعادة‫.‬ والشعوب المحبطة ينعكس إحباطها على الجو العام للمجتمع ويتراجع فيها الابتكار والانتاجية‫ وتكون تربة خصبة للتطرف والارهاب‫.‬

وكما هم الافراد ايضا الدول‫، فليس معنى ان الدولة ثرية أن معدلاتها في السعادة عالية بل قد يكون العكس‫،‬ فحسب ترتيب الامم المتحدة كانت شعوب الدول الاسكندنافية هي الاكثر سعادة‫،‬ بينما دول أخرى كانت في ذيل القائمة‫ وكما هو حال الافراد فالأثرياء ليسوا بالضرورة هم أكثر الناس سعادة بل هناك أفراد دخلهم أقل بكثير، ولكن طريقة حياتهم أفضل.

وكانت فنزويلا استحدثت وزارة للسعادة الاجتماعية لكن اهتمامها كان منصبا على الاهتمام بكبار السن وتنفيذ البرامج الاجتماعية‫.‬ في حين فكرة الوزارة في الإمارات ترتبط بمؤشرات عديدة خلاصتها هي مدى رضا الانسان وسعادته أيا كان موقعه أو جنسيته‫.‬

اهتمام

ومن المهم للدول العربية أن تهتم بمؤشرات السعادة وأن تضعها ضمن مقاييس تقييم أداء الوزارات‫.‬ وتعزيز ثقافة السعادة التي تبنى على الحب والسلام والحوار والتي تنتج مواطنا قادرا على العيش بمستويات حياة كريمة وسعيدة‫.‬

مؤتمر القمة الحكومية الذي جمع عددا ضخما من المسؤولين والمفكرين والباحثين كانوا يتحدثون بلغة واحدة وهي المستقبل وضعوا التحديات التي تواجه الحكومات الآن ولكنهم لم يكتفوا بطرح الحلول بل بالحديث عن الافكار الابداعية التي ستقود المجتمعات الى مرحلة جديدة‫.‬ وكان قرار تحويل القمة من حدث عالمي إلى مؤسسة عالمية تعمل على مدار العام وتركز على استشراف المستقبل في كافة القطاعات، واحداً من القرارات المهمة، وكما قال معالي محمد بن عبدالله القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء رئيس القمة العالمية للحكومات‫‬ إن الهدف من القمة أن تجيب على أسئلة الغد اليوم، وتعمل على إنتاج المعرفة اللازمة لتعزيز جاهزية حكومات العالم لتحديات المستقبل القريب والمتوسط والبعيد‫.‬ وهذا في جوهره يعني ان الحكومات تتخلى عن ثوب البيروقراطية وترتدي فكر القطاع في الابداع والتطوير والمنافسة‫.‬

تجربة وزارة السعادة هي ملمح مهم لتطور الفكر الإداري واهتمامه بالإنسان كمحور اساس في كل مشاريع التنمية والتطوير‫.‬ ومتى ما استطاعت الحكومات ان تصنع السعادة لشعوبها فهي ضمنت الاستقرار‫‬ وفتحت مجالا واسعا للإبداع والابتكار والصعود بمفهوم العمل الحكومي الى مرحلة جديدة‫.

‫*‬ كاتب سعودي ‫-‬ رئيس تحرير جريدة عرب نيوز

malharthi@hotmail.com