أخبار عاجلة

صناعة الفرح.. فن ينشر طاقة إيجابية

فوجئت ساكنة جديدة في أحد أحياء الساحل الشرقي، بمجموعة من جاراتها يطرقن بابها، في زيارة ترحيبية ذات دلالات اجتماعية كثيرة. تلك الزيارة أثارت استغراب السيدة بشكل لافت، وتركت على وجهها علامات تساؤل كثيرة، وإن بدا الفرح الحاضر الأقوى في تلك المناسبة، لاسيما في ظل التفاف النسوة حولها، وإحضارهن لها الهدايا على اختلاف أنواعها وأشكالها – على حد وصفها –، مضيفة إنها ذات طبيعة هادئة وغير اجتماعية، لكن المحيط الإيجابي حولها سيجعلها مضطرة للتكيف مع ظروف جديدة ومعطيات مختلفة تبدو جميلة فعلاً.

تلك الزيارة المفاجئة أو المبادرة النسوية لساكنات «الفريج»، كشفت للقادمة الجديدة، أنها سمة بارزة لدى نساء الحي، في الترحيب بالضيوف الجدد، واستقبالهم بطريقة لافتة، تجعلهم جزءاً من اهتمام أفراد الحي.

مبادرة بسيطة

هذا الموقف كما أوضحت الساكنة الجديدة، منحها سعادة بالغة في ذلك اليوم، ودفعها إلى إعادة النظر في شخصيتها وعلاقاتها مع الآخرين، مضيفة: لا أنكر أن تربيتي كانت محصورة على أفراد العائلة وبعض الصديقات من أسر على صلة مباشرة بعائلتي، وهذه التجربة والمبادرة البسيطة جعلتني أصبح جزءاً فاعلاً في حياة مختلفة اغتنمها في صناعة الفرح، تماشياً مع هؤلاء النسوة في توفير المفاجآت والقيام بالزيارات لإسعاد أنفسهن والآخرين، فالحياة مليئة بالمتاعب والهموم، ولن نأخذ منها شيئاً، لذا لابد من اغتنام أي فرصة لخلق فرحة تسعدنا.

وأكدت أنها باتت تستشعر أهمية اغتنام المناسبات الفردية والعائلية والاجتماعية، للاحتفال بها وإيجاد نماذج للفرح فيها، بأي وقت من السنة دون أن تبالغ - على حد قولها - لتصبح في إطار البدع، وإن صنفتها من ضمن العادات المحببة.

مشاعر صادقة

وأشارت إلى أن العديد من أفراد المجتمع، وبصورة ملحوظة، باتوا مهتمين في خلق المفاجآت، والاهتمام بالمناسبات الصغيرة للتعبير عن مشاعر حب صادقة تجاه الآخرين واغتنامها بقصد استدامة الفرح. وقالت: ديننا الإسلامي يحث على التفاؤل، وحب الجمال، وخلق الابتسامة دائماً لما لها من إيجابية في نفوس الناس، والتي لا تتعلق بوقت أو مكان أو شخص معين. كما أن ثقافة وعادات وتقاليد الماضي تزخر بسلسلة من طرق ووسائل صناعة الفرح والبهجة، التي أُلّفت حولها القصص والأغاني، حتى تركت بصمة شعبية راسخة في سجلات التاريخ الإماراتي.. في هذا التحقيق نستجمع المناسبات الصغيرة التي من الممكن اغتنامها لصناعة الفرح.

دليل الحب

نجاة جاسم أوضحت أن باقة ورد، أو خبر سار، أو دعوة على العشاء، أو معايدة، أو هدية دون موعد. وغير ذلك من المفاجآت التي قد تدخل السرور إلى قلب شخص؛ صديق أو أخ أو أب أو أمّ أو قريب، كلها دلائل صريحة على الحب والاهتمام، وغالباً ما تكون لها ردود فعل إيجابية مؤثرة وغير متوقعة، خصوصاً إذا تعلق الأمر بالمرضى وكبار السن والأطفال والمعوزين والمحتاجين، مشيرة إلى أن مشاغل الحياة وصعوبتها لا تتوقف، فالضغوط ربما تستقر في نفوس الكثيرين، فتبقى المفاجآت ببساطتها وتنوعها، مصدر سعادة في لحظات جميلة لا تنسى.

صور وأشكال

وتتذكر آمنة علاي النقبي الأيام الماضية بقولها: كان آباؤنا وأمهاتنا وحتى أجدادنا، حريصين على اغتنام أي مناسبة للفرح، وتقديم «النثور» أي نثر النقود، في محطات مختلفة منها قيام الطفل الصغير بالمشي للمرة الأولى، أو نجاح الطالب في الثانوية العامة، مشيرة إلى أن هناك مناسبات كثيرة قد تدخل الفرح إلى بيوتنا، منها حفل بسيط بمناسبة إنهاء الابن مرحلة رياض الأطفال، وحفل عائلي صغير في ذكرى لقاء الزوج والزوجة، وإعداد أطباق الحلوى بمناسبة تعيين أحد أفراد العائلة في وظيفة ما مثلاً، فهذه المناسبات باستطاعة المرء أن يستغلها، لصناعة لحظات فرح، يدخلها على صاحبها، وتبقى عالقة في الأذهان.

سياسة دولة

في هذا الجانب ذكر عبدالله سبيعان من سكان دبا الحصن، أن الدور المهم الذي يؤديه موضوع «صناعة الفرح» أو إيجابية الشخص أو المؤسسة بشكل عام، هو انعكاس لسياسة دولتنا الحبيبة، التي تسير من منطلق هذا النهج الحكيم، لما من شأنه أن يسهم في تحويل إمكانيات الفرد إلى إنجازات تحقق التنمية والنهضة المستدامة، لافتاً إلى أن أي خبر أو مناسبة سعيدة أو حدث مهم، يمكن تحويله إلى حالة فرح، ما يسهم حقاً في القضاء على الروتين والسلبية التي قد تلازمنا أحياناً، فنحن ومن حولنا لنا الحق في الفرح أيضاً.

مهنة جديدة

أوضحت بدرية الحمادي، موظفة حكومية، أن صناعة الفرح أضحت مهنة جديدة تلقى رواجاً كبيراً، فمع تطور شكل الأفراح، وتنوع مضمونها بين فئات المجتمع المختلفة اجتماعياً واقتصادياً، أصبحت هذه المهنة تتجه وبقوة نحو الانتشار وبأشكال شتى، فالكثير ممن يستعدون للزواج في هذه الأيام، يفضلون إسناد مهمة التنظيم والإعداد والأفكار الاحتفالية الجميلة إلى متعهد حفلات، يتولى تنظيم حفل الزفاف من الألف إلى الياء، بما يكفل إدخال السعادة إلى نفوس أصحاب الفرح، وإن كان البعض يبالغ في تنظيم المناسبات، ويقحم نفسه في الدخول إلى دوامة مكلفة مادياً ولا تخلو من مضامين سيئة كالبذخ والترف والإسراف، وتلك صورة سلبية تشوّه فكرة صناعة الفرح أحياناً.

مشروع

«بسمة يتيم».. من صميم صناعة الفرح

تواصل جمعية الشارقة الخيرية فرع خورفكان، مشروعها الإنساني «صناعة الفرح»، وتقدم للعام الثاني برنامجها تحت شعار «بسمة يتيم»، الذي يتضمن العديد من الفقرات والبرامج الترفيهية والثقافية والرياضية، وركناً لتعلم فن الرسم والتصوير، وتوزيع الهدايا والألعاب التي تطال أكثر من 20 يتيماً من أبناء الجمعية. وتسعى الجمعية من تنفيذ هذا الملتقى، إلى مشاركة الأيتام فرحتهم بالنجاح، وإدخال الفرح والسرور إلى نفوسهم، وتحفيزهم لبذل المزيد من النجاح والتفوق مستقبلاً، ليكونوا لبنة صالحة تخدم دينهم ووطنهم.

رقية الريايسي منظمة البرنامج ورئيسة قسم الاتصال بفرع الجمعية أوضحت أن الجمعية تهتم بالأيتام في مدينة خورفكان وما يجاورها، من عمر سنة حتى 18 عاماً، الذين يستفيدون من العديد من المشاريع والبرامج، كمشروع كسوة وهدية العيد، والسلال الغذائية، ومشروع الحقيبة المدرسية، وغيرها، علماً بأن الجمعية بصدد دراسة وتنظيم ملتقى خاص باليتيمات في الفترة المقبلة.

وأكدت رقية أن البرنامج لا يعتبر جديداً أو فريداً من نوعه، وهو يأتي ضمن الفعاليات والبرامج التي تنفذها الجمعية خلال العام الحالي، إلا أن الرسالة الاستثنائية التي تقدمها الجمعية، تتصل بالتوعية بضرورة الاهتمام بهذه الفئة ومشاركتها في صناعة الفرح، رغم فقدهم أحد الأبوين أو كلاهما، الأمر الذي أسهم في زيادة عدد الكفالات، وخاصة للأيتام من خارج الدولة، وزيادة المبادرات المؤسسية في تنفيذ برامج خاصة بهذه الفئة، منها: «يوم اليتيم، ودمعة يتيم، وامسح دمعة، وارسم ابتسامة، وبسمة يتيم»، فضلاً عن ارتفاع معدل المساعدات الخاصة في تأهيل وتدريب الأيتام من ناحية المنح الدراسية والتوظيف.

الشرع

الإنسان يجب أن يكون متفائلاً

قال الشيخ حسن أبو العينين واعظ في فرع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بالفجيرة: الفرح مطلوب ومباح شرعاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم، حث على إدخال الفرح إلى النفس، والمسلم يثاب على ذلك، مبيناً أهمية البحث عن الأمور التي تجلب السعادة، والإنسان يجب أن يكون متفائلاً بطبعه، وأن يظل محفزاً لمن حوله؛ الأسرة والأقارب والزملاء، مع التأكيد على ضرورة أن يكون الفرح في محله، ومبتعداً عن المبالغة والمغالاة بغية سعادة وهمية لا تحقق فائدة عامة.

الإيجابية مطلب اجتماعي والمبادرة واجب أخلاقي

تترك الإيجابية في كل أحوالها، أصداءً ممتدة، وصوراً خلاقة، وآثاراً مفيدة، في النواحي الصحية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها، ويبدو تأثيرها مباشراً وسريعاً، ومن هذه القناعة عمدت موزة عبدالله حنظل النقبي، إلى زيارة المرضى كل اثنين وخميس من كل أسبوع، وهو ما أكسبها طاقة إيجابية كبيرة، حفزتها للعمل والعطاء أكثر، وعلى ضوء ذلك انضم إلى فكرتها، العديد من الصديقات والقريبات، حتى أمسى المستشفى يشهد يومياً زيارات للمرضى، وفي أحيان كثيرة، توزيع الهدايا وتنسيق المفاجآت السعيدة، دون الالتزام بوقت معين من الأسبوع أو الشهر.

أوقات فراغ

وتخطط النقبي حالياً لتنفيذ العديد من المناسبات الإيجابية المبتكرة والمتقبلة دينياً واجتماعياً، والتي من شأنها أن تسهم في إسعاد الآخرين حولها، ما ينعكس أثره في نفوس أفراد المجتمع، لافتة إلى ضرورة الإيمان بأهمية صناعة الفرح دائماً، وتربية الأبناء على هذا النهج، لاسيما في ظل عدم وجود أوقات كثيرة لدى الأفراد والعائلات للتنزه أو الترفيه في ظل حالة الانشغال في الوظيفة والالتزامات المهنية الواجبة.

وأشار إبراهيم بديع، إلى أن طبيعة الحياة المعاصرة فيها الكثير من التعقيدات والانشغالات، فكثير من الناس يمضي وقته متنقلاً بين الأعمال، ومشغولاً في أمور عدة، وكثيرون لا يشعرون بالراحة النفسية لأسباب ذاتية أو محيطة، فطبيعة النفس البشرية بحاجة إلى التغيير والتجديد، وذلك يعطي الإنسان الدافعية للعمل، وكسر الروتين.

حاجة ملحة

وقال إن الترفيه حاجة ملحة للإنسان، رجلاً أو امرأة، كبيراً أو صغيراً كان، ويمكن للشخص أن يغتنم أي فرصة للترفيه عن نفسه، وكسر الروتين من حوله، شريطة ألا يكون ذلك على حساب أداء الواجبات والحقوق، أو بالتعدي على الآخرين وإضاعة أوقاتهم، وألا تُختصر أي ممارسة إيجابية على بعض الأيام في العطلات والأعياد، مضيفاً إن البعض لا يحسن استثمار الفرص، ولا يبادر بشكر الأشياء البسيطة، ولا يقدر أيضاً الجهد المحدود، فيكبّل نفسه دائماً ويبقى أسيراً للهمّ والحزن، بانتظار الإنجازات العظيمة، والتي لا تأتي بسهولة، ما يؤثر على النفسية والصحة والعطاء، وعلى المحيطين على اختلاف أوصافهم ومسمياتهم.

دراسة نفسية

أكدت دراسة نفسية حديثة أن استثمار الفرص في إسعاد الآخرين، من خلال الضحك، أو صناعة المواقف التي قد يستمر مفعولها الإيجابي بضع دقائق، فإن ذلك يؤتي ثماراً إيجابية كبيرة، وتسهم سريعاً في الخروج من الروتين وبرودة المشاعر، ما يؤثر على الصحة النفسية والانطباع العام، وأيضاً يكون مردود ذلك وفيراً في جانب تحفيز الآخرين وزيادة الانتاجية.