أخبار عاجلة

تحت طواقى الإخفاء

«كان هناك ألم فى البداية، شعرت بالغثيان. وبكيت فى أحيان كثيرة، وأخذت أكلم نفسى، لكننى لم أتراجع، لن أنسى أبدا منظر يدىّ عندما رأيتهما، أصبح لونهما كورقة بيضاء، ثم ببطء، أصبحتا شفافتين كالزجاج. فى البداية كنت ضعيفا كطفل صغير، أسير على ساقين لا أستطيع رؤيتهما». بهذه السطور القليلة، رسم الكاتب البريطانى العبقرى هربرت جورج ويلز آلام وأحزان لحظة تحول إنسان، من كائن منظور، إلى كيان لامرئى، فى رائعته البسيطة العميقة «الرجل الخفى» التى أبدعها عام 1897، وهى مثل كل أدب عظيم تتسلل بعذوبة العرض والتشويق الماثلين فى كل فن، إلى استكناه قوانين التحولات الجميلة أو الأليمة فى مصائر البشر، والتى لا تنصبُّ هاهنا على تحول إنسان إلى الخفاء الجسدى فقط، بل تكشف بقدرة تحليل واستشراف نفسيٍّين مُلهَمة، عن مسار ومصير هذا التحول، فى كل حالات التخفى، وهو ما يمكن أن نراه بجلاء مفزع، فى تحولات المصائر البشرية مع تحولات التجمعات السياسية أو الاجتماعية أو الدينية أو الثقافية، إلى حركات سرية وتنظيمات كتيمة وخطابات باطنية، تبتلع منتسبيها وتمسخهم، فيَشْقَون بسِرِّيتهم وخفائهم، ويُشقون أوطانهم والناس والحياة.

إنها حقيقة مروِّعة جديرة بالتوقف والتبيُّن، خاصة من شبابنا، الذين قد تغريهم القوة الوهمية للخفاء والسرية، فيقعون فى حبائل شباكها، ويصيرون أتباعا لشيطان الدمار والتدمير، مبددين ذواتهم النقية أولا، ومُخرِّبين محيطهم بعد ذلك، بينما يتوهمون أنهم يحسنون صنعا، وهيهات أن تكون لهم نجاة، فى عماء عتمةٍ وكتمةٍ تغشى البصر وتُقفِر البصيرة. إنه مسخ شيطانى بكل المعانى، سرده ويلز فى حكاية «الرجل الخفى»، الذى بدأ مسكينا وصار سكينا بخفائه، يذبح الشرف والصدق والنبل وكل قيمة قويمة فى الحياة البشرية، ويقود نفسه إلى الذبح فى النهاية! وهى ظاهرة من ظواهر الجانب المظلم فى مسيرة بعض البشر، تكاد تبدو راقية أمامها ظاهرة الكائنات المحكومة فى حياتها، وبطبيعة خلقتها، بعالم الكتمة والعتمة، الذى يجعل من البصر لديها شيئا من سقط المتاع، فتضمر عيونها وتنطمس أبصارها، مضاهاة تكشف فداحة خسران النظير البشرى، الذى باختياره ظلمات العتمة والكتمة سبيلا لمسيرته على الأرض، إنما يفقد ما هو أثمن من البصر، يفقد البصيرة، فطوبى للحيوانات.

العائشون تحت الأرض

هو أشهر حيوانات الكتمة والعتمة، وإخراجه إلى النور ليس بالأمر اليسير. تدل على وجوده كومات تراب ينثرها على عشب الحديقة، من جوف الأرض التى يتوارى فيها بينما يحفر دون انقطاع، فيصعب تعيين المكان الذى وصل إليه. وها هى ضربة فأس قوية تهوى بين كومتى تراب من كوماته، فتكشف عن وجود نفق يسع لتمرير قبضة يد صغيرة، لكنه لا يبوح بسر تشعباته ولا مداه. وتتكرر ضربات الفأس دون جدوى. فجأة تنبثق من الأرض نافورة تراب صغيرة فى طرف الحديقة البعيد، وتتحول بسرعة إلى كومة جديدة فلا يفلتها الباحث عن حفار الأنفاق الخفى. تلتصق أذنه البشرية بالأرض، فتلتقط صوت نهش التراب فى الأعماق، تمضى متعقبة الصوت حتى تنطلق الصيحة: «هنا». وبسرعة يغوص جاروف فى البقعة المُشار إليها، ينتزع الجاروف كتلة من طمى الحديقة يطرحها جانبا، تتفتت، ومن فتيت التراب يبرز حفار الأنفاق العجيب، بحجم جرذ ضئيل غريب الهيئة شديد التوتر. وتسرع يد الصياد للقبض عليه، تحيط بجسمه كثيف الفراء الرمادى المزرق، تاركة قوادمه غريبة الأكف والمخالب ورأسه الصغير خارج الإحاطة. رأس بلا عينين ولا أذنين، وأنف مستدق طويل كأنه بوز، تحته ينفتح فم كبير بأسنان فالجة، قارضة ومدببة ومشحوذة بمضاء.

هو أعرق سكان تحت الأرض، مستوطنى بطن التراب الطرى فى البساتين والمزارع والحدائق ومراعى العشب. مخلوق مُيسَّر لما خُلق له، فلماذا يُثقَل بما لا يستفيد منه؟ ما جدوى العينين فى غمرة التراب وحبكة الطين، فلتنقرضا مُتحولتين إلى محض ثقبين مطمورين بالفراء الكثيف الداكن. والأذنان، ما جدواهما فى ذلك الوسط الأصم الكاتم للصوت؟ فلتذبلا ويكسو ما تبقى من فتحتيهما جلدٌ فوقه شعرٌ فوقهما تراب على تراب. لكن رحمة التيسير لا تترك هذا المخلوق أعزلَ فى هذا العماء والصمم. بوزه المتطاول المدبب تغطيه آلاف الشعيرات الحسية الدقيقة. تجعله يدرك ما بقربه لمساً. أما البعيد، فيستشعره بقدرة فذة على التقاط أخفت ذبذبات الحركة فوق الأرض أو تحتها.

من أشباه حفار التراب هذا نوعٌ يُسمَّى « الذهبى»، يعيش فى رمال الصحراء الإفريقية الكبرى، وتبدو حركته المارقة فى نعومة تحت الرمال كما لو كان يبحر بسرعة فى نهر أو يطير بانسياب فى السماء، تاركا على سطح الرمل فوقه خطا بارزا يشى بمساره. يمتلك هذا «الذهبى» حاسة سمع خاصة إذ يفطن إلى وجود فرائسه وقبوع مفترسيه بالتقاط أصواتهم وهو غائص فى الرمل، فالرمل يوصل الأصوات فى الصحارى بأجلى مما يحدث فى الهواء. ثمة من يُخرِج «الذهبى» هذا من زمرة النوع الشائع لحفارى الأنفاق، فدمه له خواص دماء الزواحف، تتغير درجة حرارته تلقائيا مع تقلبات الحرارة الحادة فى الصحراء، ما بين لهيب النهار القائظ وبرد الليل القارس. لكنه يظل منتميا بمجمل هيئته وطباعه إلى حفارى أنفاق الأرض.

هناك أيضا ذلك النوع «نجمى الأنف» الذى يكاد يخرجه المختصون من هذه الزمرة. فهو يجيد العيش والسباحة فى ، يحفر أنفاقه تحت قاع المستنقعات والبحيرات والبرك، ويستخدم أنفه المُنجَّم ذى الإحدى والثلاثين شعبة متحركة فى الشم والتذوق بطريقة عجيبة: يُطلق دفعة من الفقاعات لصق أنفه، فتصيد الفقاعات جزيئات الدقائق السابحة فى الماء وتنقلها إلى شِعاب الأنف، هكذا يشم ويتذوق ويتصيد طعامه سابحا. ومع ذلك يظل يتوارد ذِكْره مادام حفار أنفاق اليابسة يُذكَر.

ويأكل آكلات الطين

يبقى النوع الشائع من حفارى الأنفاق متفردا بخصيصة الاعتماد على اللمس والجس، بأنف يكاد لا يشم، وكيان شديد الحساسية للموجات الاهتزازية فى باطن الأرض وما فوقها. يقرِنه البعض بجهاز كشف الذبذبات تحت الأرضية GEOPHONE الذى طوره الجيش الأمريكى لاكتشاف دبيب قوات المقاومة الفيتنامية فى أنفاقها السرية تحت الأرض، أثناء غزو المارينز الأثيم لذلك الشرق المكلوم البعيد. ولعل ابتكار ذلك الجهاز كان مُستلهَما بالفعل من قدرات هذا الكائن الضعيف العجيب، الذى لم يحرمه خالقه من استثناء يعينه على ملابسات عيشه العسير، وامتياز يحسده عليه أباطرة الدولة الأكثر عدوانية وغِنى وتقدما علميا فى العالم؟!

هو كائن لا يكف عن الحركة والالتهام. يحفر ويأكل. ويحفر ويأكل. فبينما يشق طريقه صانعا أنفاقه دون كلل فى الليل كما فى النهار، وبمعدل يصل إلى عشرين مترا فى اليوم الواحد، تتساقط من سقف وجوانب أنفاقه ديدان الأرض. غذاؤه المفضل الذى يلتهم منه يوميا ما يعادل نصف وزنه وبسرعة تكاد لا ترصدها العين البشرية. ثلاث قضمات فى الثانية الواحدة. وهذه القضمات البارقة ليست كل شىء، فكل قضمة تكون مسبوقة باعتصارٍ خاطفٍ عجيب من كفين أعجب، ليُخرِج التراب من بطون الديدان التى تأكل وتُخصِّب التربة فيهنأ ببروتين صافِ، ولا تتلبك أمعاؤه! وعندما تكون هناك وفرة من طعامه هذا فى مواسم الخريف والشتاء المبتلة، يقوم الحفار الحاذق بأدهش تصنيعٍ غذائى وتخزينٍ احتياطى لمواسم الندرة والجفاف، ولتوفِّر ما تحتاجه الإناث من تغذية كثيفة طوال فترة حملهن والولادة والإرضاع. تفرز أفواه حفارى الأنفاق لعابا يحتوى على مادة مخدرة تشل حركة الديدان قبيل قضم رؤوسها، ثم تنقلها إلى غرف التخزين بين شبكة أنفاقها تحت الأرضية، فيصمد المخزون طويلا بلا فساد، وكأن هذه الكائنات العمياء تحت الأرض، تطبق ما نردده كثيرا دون أن نعمل بما نردد، حين نقول إن «السمكة تفسد من راسها» مؤمئين إلى أن كل المفاسد تبدأ من الرؤوس! وما أرق وأحنى وأعدل، أن مستودعات غذاء الطوارئ هذه، دائما، تكون بالقرب من غرف أخرى فسيحة، كل منها بحجم كرة قدم، مُبطَّنة بعشب جاف يجلبه الحفارون فى ظلمة الليل من سطح الأرض ليوسِّدوا هذه الغرف ويُدثِّروها، إنها غرف «التعشيش». بيوت الزوجية التى تبقى من حق الأمهات والصغار بعد التزاوج، فالتزاوج يكون خاطفا لا يستغرق غير هنيهات، بعده ينصرف الذكور على الفور، لتخلو الإناث إلى أنفسهن متفرغات لما يحملنه فى الأرحام، دون أن يتحملن عناء البحث عن طعام فى هذه الشِدَّة السنوية. شهر من الحمل، تعقبه ولادة ما بين اثنين وستة أبناء، ثم شهر من الإرضاع لحفارى أنفاق المستقبل! يولدون مجردين من الشعر الذى ينمو ويتكاثف بعد ثلاثة أسابيع، وبعد الأسبوع الرابع أو الخامس يُفطَمون، يكون عودهم قد اشتد فيخرجون إلى سطح الأرض للمرة الأولى وربما الأخيرة، ليختار كل منهم بقعة يبدأ منها حفر نفقه الخاص، بعيدا عن الأبوين والإخوة والأقارب، وقد هُيِّئ بأدوات أقصى القدرة.. على العيش تحت الأرض، فى انفراد!

يعذبه النور ويخنقه الهواء

فيما تكون أرجل هذا الكائن الخلفية قصيرة وذيله قصيرا تتطاول قوادمه وتتفلطح راحاتها، تكتسى بواطنها بجلد سميك أجرد، وتبرز من أطرافها خمسة أصابع فى كل كف، مضافا إليها أصبع سادس مندغم لا يبين، شظية عظمية مُغطَّاة فى الطرف الخارجى للكف تدعم كفاءته، فيعمل كجاروف وشوكة حقل ومذراة معا. شوكة تنغرس أسنانها فى الطمى عميقا، وجاروف يغوص فيه ويسحب منه، ومذراة تُنحِّى الردم جانبا أو تنثره عبر أنفاق رأسية، تنفتح على سطح الأرض وتتكون حولها كومات ما يذرِّيه الحفارون من تراب. كومات تكشف عن وجود هذا الحفار تحت الأرض حاملة اسمه: «تلال الخَلد» MOLE HILLS. وبقدر ما تُيسِّر هذه الأنفاق الرأسية القصيرة فعالية الحفر ونظافة الأنفاق الأفقية الطويلة، بقدر ما تكشف كومات التراب المتراكمة حولها عن وجود حيوانات "الخُلد" تحت الأرض، فاضحة سر هذا الوجود الخفى فى عالم الاختفاء تحت التراب.

وها هو واحد منهم ممسوك فى قبضة مُزارعٍ وصياد خُلد أريب. يتعجب المُزارع من غرابة منظر صيده لكنه لا يكرهه. يدرك أنه لا يأكل جذور مزروعاته ولا يسىء إليها بل يفيدها بتهوية باطن التربة بشبكات أنفاقه. لكنه فى الوقت ذاته يضر عندما يسخو موسم الأمطار بفيضه، تتحول هذه الأنفاق إلى قنوات مائية تُغرق جذور النباتات حتى الاختناق. أما أكثر ما يسوء المُزارع، إن كان بستانيا، فهو تشويه مسطحات العشب الخضراء المشذبة بكومات تراب الحفر المنثور من باطن الأرض.

يتملَّص "الخُلد" الضئيل الأسير مُنزعجا فى قبضة صياده، لا لأن القبضة تعتصره، فهى لا تفعل، لكن لأنه يُقاسى فى الهواء الطلق من وفرة الأكسجين وبهْرة النور! هو بالفعل يتعذب. فالنور الذى لا يراه يشعل ظلمة ما تبقى من بصره المطموس بسواد ذى وميض يخيفه. والهواء الغنى بالأوكسجين فوق طاقة احتماله، فدمه مهيأ بنوع من الهيموجلوبين ذى قدرة استثنائية على حمل الكثير من ثانى أكسيد الكربون وتفعيله. فهو فى باطن الأرض قادر على إعادة تدوير زفيره لتكفيه أقل كمية من الأوكسجين المتسرب من سطح الأرض عبر مسام التربة أو أنفاق نثر التراب. لا يؤذيه المزيد من ثانى أكسيد الكربون بل يُحييه! وهو فى مأزق اختناقه فى الهواء الطلق يتملص ويعض! يعض الهواء المتذبذب بحركة لا يعرف ما وراءها ويعض أى شىء يقترب منه أو يلمس خطمه. يفتح قوس فمه الكبير ويعض، فيثير شفقة صاحب القبضة التى تحيط به. يطلقه.

على الأسفلت يبدو "الخُلد" كما جُرذٍ ضائعٍ غريب، كأنه يركض على سطح صفيح ساخن. يجرى على غير هدى قاطعا جريه بالانعطاف فى غير اتجاه. هنا وهنا وهنا. ينعطف ويجرى. وينعطف ويجرى. وكلما صادفه نتوء يفتح فمه ويعض. يعبر الأسفلت أخيرا ويصل إلى المرج فيغوص فى خضرة العشب باحثا بلهفة عن بقعةٍ من تراب. يقع عليها فيحفر بقوادمه المكففة ذات الأصابع والمخالب فى جنون. يحفر يحفر يحفر، ناثرا التراب من حوله، صانعا بداية نفقه المتجه إلى مُستراحه المظلم الكتيم: باطن الأرض، الذى يسعه بلا عينين مبصرتين، لكنه لا يفقد تبصُّره ــ فى حدود ما هو مُهيأ له ــ إذا ما قورن بعميان البصيرة من البشر!

رؤية نفسية، نهاية حتمية

فى رواية "الرجل الخفى" لم يكن "ويلز" مجرد رائد من رواد أدب الخيال العلمى العظام فقط، بل كان مستكشفا ومستشرفا نفسيا من طراز فريد، فتنبأ بالجنوح الحتمى لكل من اختار قصدا أو وقع سهوا فى حبائل الاستخفاء، السرية، الباطنية، التلصص، التجسس، وها هو يسرد تبرير المستخفى لهذا الجنوح: "وبينما كانوا يتكلمون، عدت ثانية إلى الحجرة، وتسللت خلفهم، وهبطت على السلم، ووجدت بإحدى الغرف علبة ثقاب، وعندما هبطوا، عدت ثانية إلى غرفتى وأشعلت الأوراق والقش، وكذلك الفراش والأثاث بسكب الوقود عليها. نعم !.. أشعلت حريقا بالمنزل! كانت تلك الطريقة هى الوحيدة لطمس كل آثارى. ثم خرجت إلى الشارع".

هكذا برر الرجل الخفى لنفسه أول جريمة، مُمهِّدا طريق جهنم إلى المزيد من الجرائم، فيضيف: "هم يعلمون بوجود رجل خفى.. وهذا الرجل الخفى لابد أن يبدأ مرحلة من الذعر والإرهاب. نعم، أنا أعنى ما قلته. مرحلة من الذعر والإرهاب. ويباشر ذلك فى مدينة مثل هذه. ويُلقى بأوامره، ويمكنه فعل ذلك بطرق عديدة. وكل من يعصى أوامره يجب قتله، ويقتل كل من يحاول الدفاع عمن يعصى أوامره!".

لقد ساقه تدرُّعه بالخفاء إلى تشريع الإجرام، وتمادى فى الإجرام حتى صار قاتلا بقناعة تفكيرٍ منحرف، وكانت النهاية الحتمية أن يُقتَل حتى يتوقف عن القتل.هذا هو المنطق الذى جعله ويلز حتميا لحماية الحياة: "وأخيرا كان هناك على الأرض يرقد جسدٌ عارٍ مثيرٌ للشفقة، جسدٌ محطم لشاب فى حوالى الثلاثين، كان شعره أبيض بلون الثلج، وعيناه مثل جوهرتين، وكان وجهه مكتسيا بمسحة من الغضب والخوف. صاح رجل: غطوا وجهه، بحق الله غطوا ذلك الوجه. أحضر أحدهم ملاءة وقام بتغطيته، وحملوه إلى داخل الفندق. وهناك فوق سرير من حجرة رديئة الإضاءة، كان يرقد جسد مَن كان أول إنسان استطاع أن يخفى نفسه وينهى حياته الغريبة الصعبة، على هذا النحو..!".

منطق لنهاية أليمة يصعب استنكارها من قارئ الرواية، كما ممن يُعايشون آثام خِسة الرجال الخفيين القتلة فى أى واقع، وبطواقى إخفاء ليست كوصفة الرجل الخفى، العالِم المنحرف فى رواية ويلز، والتى تعمل على تحويل النسيج الحى إلى جزيئات شفافة كالزجاج تُنفذ الضوء عبر الجسد، فيغدو لامرئيا، بل هى طواقى إخفاء مختلفة، تصنع إخفاءها دهاليز التنظيمات السرية، والحركات الباطنية، والجماعات الكتيمة، وفرق التلصص، والتجسس، وأخيرا وحديثا أشباح الإنترنت المتسمون بشتى ألوان العدوانية، المُموَّهون بأسماءٍ مُزوَّرة وحساباتٍ كذوب. فى كل ذلك يكون تحويل البشر إلى كائنات خفاء وعتمة وكتمة بأقنعة الأيدلوجيات المغلقة، والادعاءات الدينية التى تعكس أهواء النفوس الغضبية والخيلائية بسوء التأويل وعماء التبصُّر، ونزَعات النفوس المتردية إلى الفجور والسادية والكذب فى الخفاء الرقمى، طاقية الإخفاء الحديثة الأيسر نوالا فى عصرنا، والتى بسهولة ارتدائها وإغراء إجرامها، قد تكون مدمرة لمن يرتدونها ولمجتمعاتهم بأفدح مما كان لطاقية إخفاء «الرجل الخفى» الكيميائية الخارقة فى رواية ويلز؟

من يقبل على نفسه ذلك المسخ لسوية فطرته التى فطر الله الناس عليها، ومن يقبل لنفسه أن يكون عرَّابا لمسخ غيره، خاصة من الشباب الذين لم تتغضن أرواحهم، فيكون التغرير بهم أبشع من مآلِ قاتل نفسه وغيره فى الرواية آنفة الذِكر، ودون مستوى حيوان «الخلد» حفَّار الأنفاق العائش تحت الأرض، آكل ديدان الأرض، والمجبول على الغوص والسعى فى لازب الطين وردم التراب؟ من؟!! ثم أترك السؤال سؤالاً، لأن إجابته واضحة، ومع ذلك يلح على أن أطلق نداءً لا أرتجى غير سماع أصدائه عندى وعند غيرى: لا تكن الرجل الخفى، ولا حيوان الخلد!.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة