أخبار عاجلة

أشواق .. ترسم السعادة على وجوه «المشوهين»

أشواق .. ترسم السعادة على وجوه «المشوهين» أشواق .. ترسم السعادة على وجوه «المشوهين»

قبل نحو عقد ونصف العقد، أنهت المواطنة أشواق حسان دراسة إدارة الأعمال، وطرقت باب هيئة الصحة في دبي للبحث عن وظيفة إدارية تناسب تخصصها، فلم تجدها لعدم وجود شاغر، لكنها وجدت «أخرى» بحجم «إنسانيتها»، ومقدار الحب والخير، الذي تختزله في داخلها، وتسخره لخدمة الآخرين، والتعاطف معهم، والرغبة في مساعدتهم، وهي وظيفة في قسم العلاج الطبيعي في مستشفى راشد، قبل أن تنتقل للعمل في معمل الأطراف الصناعية، الخاص بالأشخاص الذين فقدوا أعضاء من أجسامهم نتيجة الحوادث أو الأمراض أو الحروب والصراعات.

أشواق التي عملت مساعدة في القسم لمدة سنتين، بالرغم من عدم درايتها أو خبرتها بالحقل الطبي، أحبت العمل في مجال صناعة الأطراف التجميلية، وقررت الانتقال إلى المعمل الموجود في المستشفى نفسه، إجلالاً وتقديراً لدوره الإنساني الكبير في تعويض الأشخاص الذي فقدوا أعضاء من أجسامهم بأخرى صناعية تعيد الأمل لهم، والبهجة والفرحة إلى قلوبهم، لأنها كانت متميزة في الرسم والنحت أثناء الدراسة، وصاحبة موهبة ناضجة.

وبموهبة الرسم التي تمتلكها، وحبها للعمل وخدمة الناس المحرومين، وباندماجها في دورات تدريبية مكثفة حول هذه العلوم والفنون، لتطوير مهاراتها الفنية وخبراتها، أثبتت أشواق براعتها وإتقانها هذا التخصص النادر والدقيق، وأمست أول إماراتية متخصصة في نحت الأعضاء والأطراف الصناعية، تنحت بأناملها الناعمة وحرفية طبيب متخصص، أحلام وآمال من فقدوا أعضاءهم، وترسم بريشة الفنان المرهف الحساس، البسمة على وجوههم، بعد تصنيع وتركيب الأعضاء التجميلية لهم.

وبموجب تخصصها تستقبل أشواق الأشخاص الذين فقدوا أعضاءهم أو أطرافهم نتيجة أو عيوب خلقية أو أمراض استدعت استئصال تلك الأعضاء، وتصنع لهم أطرافاً مطابقة تماماً لتلك التي فقدوها، فيظهروا بمظهر طبيعي خالٍ من التشوهات، بما لا يقل عن 95% عن الشكل السابق، علماً بأن الأطراف والأعضاء التي تصنعها تحتاج إلى صيانة وتبديل مرة كل سنتين أو ثلاثة بحسب استخدام صاحبها.

ولم يتوقف طموح النحاتة الإماراتية عند الاكتفاء بإتقان هذا الفن، أو الاستمرار بممارسته في مستشفى راشد فقط، بل تعدت به أسوار تلك المؤسسة الصحية، وتمكنت قبل نحو سنتين من تحقيق حلمها بافتتاح أول مركز متخصص في هذا المجال على مستوى الدولة، أسمته مركز «أمنيتي»، بدعم من مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

فكرة العمل بالنحت

لا شك في أن موهبة أشواق في الرسم والنحت، وحبها للتميز والتحدي وخوض غمار الأعمال الحساسة والدقيقة، وتحليها بالجانب الإنساني الذي يتجلى في مساعدة الناس الذين فقدوا بعضاً من أطرافهم، كان لها الدور الكبير في التحاقها بمجال صناعة الأطراف الصناعية الذي لا يحترفه في الدولة سوى ثلاثة أشخاص، هي واحدة منهم، كونه تخصصاً نادراً، غير مدرج في برامج الكليات والجامعات في الدولة، أو حتى على مستوى دول الشرق الأوسط.

عن ذلك تقول أشواق:« عندما انضممت للعمل في قسم التدليك والعلاج الطبيعي في مستشفى راشد، لم تكن لديّ فكرة أو تجربة حول المجال الطبي، وما دفعني لقبول الوظيفة في القسم هو حبي لمساعدة الناس وخصوصاً كبار السن الذين يحتاجون للمساعدة الحركية والنفسية، وما هي إلا أسابيع قليلة حتى تعرفت إلى معمل الأطراف الصناعية المختص بخدمة من فقدوا بعضاً من أعضائهم أو أطرافهم، في الحوادث المرورية أو نتيجة الأمراض أو الكوارث والحروب، وصرت أتردد عليه، وأتعرف إلى اختصاصاته، والمهارات اللازمة للعمل فيه، من خلال معلمي الأول الدكتور دارل اتكنز اختصاصي ترميم وصناعة الأطراف، وهو الذي شجعني كثيراً لتعلم هذه الحرفة، ودربني عليها، بعدما اكتشف موهبتي في الرسم والنحت، وحبي لمساعدة الآخرين ».

تضيف:« بعد عملي في قسم التدليك لمدة سنتين، بدأت أتعلق بالعمل في صناعة الأطراف، انطلاقاً من ميولي الفنية في الرسم والنحت، وصرت أستغل أكبر جزء من وقتي في تعلم هذه المهنة التي تعتمد على العمل اليدوي البحت، من خلال الدورات الداخلية في الدولة، والخارجية، إلى أن تمكنت من اجتياز اختبار الخبير الفني والطبي الدكتور اتكنز، واندمجت في العمل هناك حتى العام 2012، إلى أن قررت افتتاح مركز خاص يمارس النشاط نفسه، مستفيدة من خبرتي الطويلة في هذا المجال، ومن علاقتي بالمرضى الذين كنت أعالجهم طوال مدة عملي في مستشفى راشد، وكذا من الدعم والتشجيع اللذين لقيتهما من مؤسسة محمد بن راشد لدعم المشاريع المتوسطة والصغيرة».

«سعادتي تتجلى عندما أنتهي من صنع طرف تعويضي لأحد المرضى، يطابق عضوه الذي فقده، ويساعده على استرداد شكله الطبيعي، فأشاهد البسمة والفرحة في وجهه»، تقول أشواق التي أطلقت على مركزها اسم «أمنيتي»، لأنه يحقق أمنيات الكثيرين من المراجعين، باستعادة شكلهم الطبيعي بعد تركيب أعضاء وأطراف صناعية بديلة عن تلك التي فقدوها بأمراض وحوادث، ولا تنفع معها عمليات التجميل.

مبادرة إنسانية.. وجائزة أوسكار بجدارة

أثارت قضية تعرض إحدى الزوجات الباكستانيات لتعذيب من زوجها بالمواد الكيماوية التي حرقت وجهها، الرأي العام العالمي الذي انتفض دفاعاً عن حقوق النساء اللواتي يرحن ضحايا للعنف الزوجي، خصوصاً أن تلك الحروق تسببت باختفاء النصف الأيسر لتلك الزوجة التي تحولت إلى أشهر ضحية عنف زوجي في باكستان، وصارت قضيتها علامة فارقة في سجل الاعتداء على الزوجات.

وقد عاشت تلك الضحية التي تدعى «زكية» شهوراً وهي تلبس قناعاً من العذاب والألم، بعد أن احترقت بنار الظلم الذي غير ملامح وجهها، وأعطب مواطن جمالها وأنوثتها وغير شكل الحياة في نظرها، حتى ساقتها الأقدار إلى خبيرة النحت أشواق حسان، التي سارعت إلى التكفل بتجميل وجهها، وترميم الجانب المتضرر، فعادت زكية إلى صورتها الأولى، مصحوبة بابتسامة لا تفارق وجهها، تعبيراً عن السعادة التي رسمتها أنامل أشواق على محياها.

عن تلك المرأة تقول أشواق:« تلقيت خطاباً من إحدى المؤسسات البريطانية الناشطة في مجال مساعدة المسلمين، لأساعد تلك المرأة الباكستانية، التي عذبها زوجها بمادة الأسيد التي تسببت في إذابة نصف وجهها الأيسر، بعد أن أجهزت على عينها ونصف أنفها وجزء من الفم، وبالفعل لم أتردد في إبداء الموافقة، والاستعداد لاستقبال تلك المرأة التي أجبرت الباكستانية على تعديل وتغليظ عقوبة الاعتداء على النساء بهذه المادة الكيماوية التي عذبت بها أكثر من امرأة في تلك البلاد.

حملة تطوعية

أشواق ومن باب حبها للعمل الإنساني، وإيمانها بمسؤولياتها تجاه المجتمع، ودورها في تقديم المساعدة للمحتاجين، لم تكتف بمساعدة زكية، وإعادة الأمل والسعادة إلى حياتها و«سيرتها الأولى»، بل نظمت حملة تطوعية خيرية لنحت وتركيب أعضاء بشرية تعويضية للمصابين والمشوهين في بعض الدول العربية، من خلال التواصل من سفارات تلك الدول لتنفيذ مبادرتها وفق ما رسمت لها من أهداف، مستفيدة من دعم ومؤازرة بعض مؤسسات وجمعيات خيرية التي تعنى بتقديم المساعدة لهذه الفئات.

وتضيف «صانعة الأمل» :«تواصلت مع سفارات بعض الدول العربية من بينها أفريقية وخليجية، من أجل التنسيق للوصول إلى الحالات التي تعرضت لتشويه سواء كان خلقياً أو نتيجة الحوادث والكوارث والتعذيب، ومستمرون في التنسيق لزيادة رقعة المستفيدين في دول أخرى، لتقديم خدماتنا ومبادراتنا الإنسانية، ونأمل أن ينشط دور المؤسسات الإنسانية المحلية والخارجية لمساعدة المركز في تغطية علاج المشوهين العرب والآسيويات ضحايا العنف الزوجي والحرق، لإعادة البسمة إلى وجوههم، والسعادة إلى قلوبهم، بعد أن دخلوا في عزلة لا تقل آثارها النفسية عن آلام التشوه.

فيلم وثائقي

ولأن قضية زكية ذاع صيتها عالمياً، وكان لها أصداء واسعة لدى بعض الجهات التي تعنى بحقوق الإنسان، والدفاع عن المرأة فقد اهتمت بها مؤسسات دولية، وجرى تصوير فيلم وثائقي عن حالتها منذ بداية إصابتها، وحتى تصنيع وجه جديد لها، حمل اسم «حماية الوجه»، وفاز بجائزة الأوسكار العالمية، وجائزة أفضل فيلم في مهرجان أبوظبي السينمائي (جائزة الجمهور)، تسلمتها أشواق، وسط تقدير الحضور، الذين تعاطفوا مع الضحية، وصفقوا كثيراً لمن صنع لها وجهاً جديداً.

مهنة إنسانية

مهنة نحت الأطراف الصناعية، مهنة إنسانية بامتياز، لا يتقنها، ولا يستمتع بها سوى الأشخاص الذين يشعرون بالناس، ويتعاطفون معهم، ويقدرون معاناتهم، ويتألمون مثلهم، لأنه من الصعب عليهم إنجاز وإتقان عملهم، دون هذه المزايا الإنسانية، ولا يمكن تقديم خدمة مميزة للمريض، ناهيك عن أن المصابين بتشوهات كهذه يحتاجون إلى حرفة نفسية واجتماعية للتعامل معهم خصوصاً، بعد تأثرهم النفسي بفقدان أعضائهم وأطرافهم، وما ينتج عنه من تشوهات في المظهر الخارجي.