أخبار عاجلة

آباء مصريون يصرخون أمام معبر رفح: «أنقذوا أبناءنا فى غزة»

لم يعرفونى فى الظلال التى/ تمتص لونى فى جواز السفر/ وكأن جرحى عندهم معرضا/ لسائح يعشق جمع الصور..

كل حقول القمح/ كل السجون/ كل القبور البيض، كل الحدود/ كل المناديل التى لوحت/ كل العيون كانت معى/ لكنهم أسقطوها من جواز السفر، عارٍ من الاسم من الانتماء/ فى تربة ربيتها باليدين/ أيوب صاح اليوم ملء السماء: لا تجعلونى عبرة مرتين...

بهذا الترجى الملح الضعيف المحبط تسبح دموعهم فى عيونهم، وبكلمات محمود درويش، تسبح عيونهم فى فضاء من الأمتار يحوى كل الآمال، فى ممر طويل، يبدو أطول وأطول لهم وحدهم، ويبدوا أقسى عليهم وحدهم حيث يمكث على حاله.. خالياً، بلا ابتسامة بريئة من طفل جاء يركض لملاقاة أبيه، وأم لا تستطيع الركض رغم شوقها لما تحمله وهناً على وهن.

صمت بدا صارخاً بنظرات لا تتحرك عن أطراف المعبر، عبر البوابات الحديدية، وقلوب تصرخ، لا تجعلونا عبرة مرتين، هناك، فى أول مرة، حيث القتل الدامى بالدم البارد، والقصف الصاخب ذى الصرخات المشجونة، وعويل الأطفال، ورسائل تقصف قلب أب بخوف من أن تصبح أسرته بين القتلى، بين الشهداء.

لا تجعلونا عبرة مرتين، هنا، فى المرة الثانية، حيث الصمت له أنياب ومخالب تنهش أحلام بلقاء الأبناء، حيث البوابات المطلية باللون الأسود تضفى حزنا أعمق، وكفوفهم القابضة على البوابة تحولها زنزانة، وتحولهم سجناء.

لا تجعلونا عبرة مرتين، هكذا صرخ الآباء المصريون الذين ينتظرون عبور أسرهم، وزوجاتهم الفلسطينيات العالقات بغزة بصحبة أطفالهن، لأيام تعدت فى بعض الحالات الـ90 يوماً.

من على بوابات معبر رفح المصرية، نرصد آلام وآمال الآباء فى عودة العالقين فى قطاع الموت.. غزة.

عبده محمد عبدالقادر بدأ الحديث قائلاً: زوجتى سافرت منذ 6 أيام لزيارة أهلها لمدة قصيرة ثم تعود مرة أخرى، وفى كل مرة تحاول المرور إلى تقول السلطات الفلسطينية على الضفة الأخرى للمعبر إن السلطات المصرية على المعبر تمنع مرور أى شخص إلى سيناء.

زوجتى تحمل جواز سفر فلسطينياً ولديها إقامة ممدودة بمصر، ومعها ابنتى الصغيرة التى تحمل جنسية وجواز سفر مصرياً، وجئت لبوابات معبر رفح لأكثر من 20 مرة.

عبده قال إنه ذهب لجميع المسؤولين الأمنيين بسيناء ورفح تحديداً لمعرفة سبب منع زوجته من المرور لكنه لم يحصل على أى رد.

قطع دوى تفجير شديد حديث «عبده» جراء إحدى الغارات الإسرائيلية، ليسارع قائلاً «هكذا يعيشون بغزة، ابنتى التى لم تبلغ العامين بعد، وابنى فى رحم أمه سيولد خلال هذا الشهر، وزوجتى، ولو ولد ابنى فى غزة قد لا يخطو إلى مصر أبداً».

استطرد عبده: كيف يسمح إنسان بأن يموتوا وأبواب وطنى مغلقة فى وجههم، وأريد أن أسأل كل مسؤول مصرى، هل يقبل أن تموت زوجته على بوابات المعبر وهو عالق بالجهة الأخرى لا حول له ولا قوة، ولو قبل ذلك كيف سيشعر حين يفقد أبناءه؟.

عبده تلقى اتصالاً تليفونياً من زوجته مشيرة إسماعيل أكدت خلاله أنها سلمت جوازات السفر الخاصة بها وبابنته هدى عبده محمد للسلطات الفلسطينية بالمعبر، وقامت بالفعل بختمها ووصلوا إلى الجانب المصرى لكن السلطات المصرية أغلقت المعبر أمام العالقين حتى يوم الجمعة.

«زوجتى فى غزة منذ الأول مايو الماضى وكان السبب أن جواز سفرها الفلسطينى انتهى وعليها تجديده، فاضطرت للذهاب إلى دير البلح بالقطاع لتقوم بتلك المهمة التى قد تتسبب فى منعها من زيارة أهلها إذا لم تجدد جواز السفر».

هكذا قال تامر فؤاد أحمد بكير، الذى يسكن العريش، وينتظر على بوابات المعبر زوجته رائدة إسماعيل عبدالكريم، ونجله محمد ونجلتيه مريم ومنة الله، وجنين آخر لم يعلم تامر بعد ذكراً كان أم أنثى كونه لايزال فى رحم أمه.

تامر أكد أن أكثر مشكلة قد تواجهه هو أن يصبح أحد أبنائه فلسطينياً بينما بقية أبنائه مصريين، حيث أكد أن زياراته المتكررة لبوابات المعبر باءت جميعها بالفشل وعاد دون أسرته التى علقت فى قطاع يختار الموت سكانه عشوائياً بقذائف الإسرائيليين، وأضاف أن ما شهده طوال 90 يوماً من الانتظار يدفعه للتخوف من أن تضع زوجته مولوده الجديد فى غزة فيحرم من الجنسية المصرية، كما أنه بالطبع يخشى أن تفقد أسرته بكامل أسرها جنسيتى مصر وفلسطين إذا ما خسروا حياتهم عالقين فى قطاع غزة بفعل إحدى الغارات.

أبنائى وزوجتى هاتفونى تليفونياً وأسمع صوت القصف على بوابات المعبر من الجهة الأخرى، وصوت بكاء أبنائى وزوجتى قتلنى قتلاً، هكذا تحدث تامر محاولاً السيطرة على دموعه ليضيف أن زوجته أكدت له أنهم بالجانب الفلسطينى قد ختموا جواز سفرها ووافقوا على عبورها للمعبر إلى جهة مصر، كما أنها استوفت جميع أوراقها ولا يوجد أى مانع لدخولها مصر، فإقامتها مازالت مفتوحة، وهى متزوجة من مصرى.

واستطرد قائلاً: الطريق من خان يونس للمعبر على الجانب الفلسطينى سيئ، ويتم قصفه يومياً وبشكل عشوائى، أن يمر أبناؤنا وزوجاتنا يومياً فى محاولة منهم للمرور إلينا أمر يعرضهم للخطر أكثر من استقرارهم داخل القطاع، فزوجتى وأولادى استمروا من صبيحة الخميس الماضى وحتى الساعة الخامسة قبل آذان المغرب فى انتظار فتح المعبر من الجهة المصرية، وخلال هذه الفترة تم قصف المعبر والطريق إليه بالزنانة الإسرائيلية، أو كما يقال الطائرة دون طيار أكثر من مرة، وحتى المصابين وسيارات الإسعاف لم يسلموا من تلك الغارات التى تستهدف كل الذاهبين للمعبر، فمنذ 4 أيام تم استهداف حافلة تقل إعلاميين، ويوم الخميس الماضى تم قصف سيارة إسعاف كانت تقل اثنين من المصابين إلى معبر رفح ليتم علاجهما داخل مصر.

فى حالات الحروب تقوم الدول عبر سفاراتها بإرسال مسؤولين أو حتى قوات خاصة لترحيل رعاياها من الدولة محل الحرب أو النزاع المسلح، لماذا يترك أبناؤنا هكذا داخل قطاع غزة تحت أمطار القصف الإسرائيلى ليموتوا دون أن يهتم شخص بأمرهم، وأمر ترحيلهم من قطاع لا يخفى على أحد كونه أكثر الأماكن خطورة على المدنيين فى الوقت الحالى.

هكذا بدأ أحمد الأبحر، معلم حاسب آلى، الذى جاء من محافظة المنوفية آملاً فى أن تمر زوجته من قطاع غزة إلى مصر بعد أن تأكد- وفق قوله- من قنوات الأخبار المصرية والمواقع والصفحات الرسمية للمعبر على مواقع التواصل الاجتماعى من أنه سيكون مفتوحاً أمام مرور العالقين من الجانبين سواء المصريين أو الفلسطينيين.

«ما ذنب أبنائى زايد ومحمد ليقتلا دون ذنب من الغارات الإسرائيلية؟» هكذا تساءل زايد، ليضيف أن زوجته زايد سالم عبدالعال قد قدمت لأكثر من مرة للمعبر وأنهت إجراءات المرور على الجانب الفلسطينى لكنها دائماً ما كانت تجد المعبر مغلقاً من الجانب المصرى.

واستطرد الأبحر قائلاً: «أين المشير السيسى مما يحدث لأبنائنا وما يتعرضون له من خطر الموت المحدق فى كل ثانية يقضونها داخل غزة وعلى الممر، نحن نريده أن يقف إلى جانبنا كما طالبنا أن نقف إلى جانبه، نريده أن يتدخل ليمرر أبناءنا وزوجاتنا قبل أن يلقوا حتفهم، ونقول له نحن نموت هنا على بوابات المعبر ولا نملك سوى الدموع والدعاء والانتظار، وهو يملك بالتأكيد قرار إنقاذهم من الموت».

على آخر شبر من الأراضى المصرية، متخطياً فوهات البنادق التى اعتلت المدرعات، وممسكاً بالأسياخ الحديدية الفاصلة التى شكلت بوابات المعبر، وبأمل فى أن يرى زوجته وأبناءه مرة أخرى، يقف ياسر سليم الذى جاء من حى الهرم بمحافطة الجيزة، وهو يندب حظه العاثر ومفارقة زوجته المصرية مى خالد عبدالفتاح وطفليه سليم (9 سنوات) وسما (5 سنوات)، بعد أن وافق على أن تزور أختها التى تزوجت من فلسطينى يسكن بخان يونس بغزة.

بعينين باكيتين ودون أن تتحرك مقلتيه عن الأمتار الفاصلة بين بوابات المعبر من الجهة المصرية والفلسطينية، قال دون مقدمات: «أسرتى يظللها الموت، ومع كل هاتف يأتينى أخشى أن يكون أحدهم قد أصابه مكروهاً، ومع كل قذيفة تدوى بجانب المعبر أخشى أن تستهدفهم الزنانة أو إحدى الغارات».

ودون أن يتوقف استطرد: «هاتفتنى زوجتى من أول الغارات الإسرائيلية، وقالت لى إن المنزل المجاور لمنزل شقيقتها تم تدميره، وأن أبنائى لا يكفون عن الصراخ»، وأضاف: «بنتى وابنى ومراتى بيناموا فى الشارع، لأن النوم فى البيوت خطر فى غزة، بيقضوا يومهم بالنهار فى أى حديقة بالشارع، وبالليل بيفترشوا الشارع ويناموا على الرصيف خوفاً من قصف أى منزل».

فرج محمود فرج، شاب فى الثلاثينيات جاء من حى البساتين بدار السلام بمحافظة القاهرة، تزوج ابنة عمته التى تحمل جنسية فلسطينية، حيث كانت عمته قد تزوجت بفلسطينى منذ النكسة، ومنذ 90 يوماً لم ير زوجته حيث ذهبت إلى رفح بقطاع غزة لتحضر عرس شقيقها.

يعمل «فرج» «مبلط سيراميك» وقال إنه يترك عمله لمدة أسبوع شهرياً ليستقر أمام المعبر انتظاراً لزوجته دون أمل فى أن تمر، وبعد الغارات الإسرائيلية يذهب للمعبر يومياً لينتظرها دون أن يملك شيئاً آخر سوى الانتظار.

«فرج» قال « لنا رئيس دولة جديد انتظرنا منه ألا يتكرر هذا المشهد أمام المعبر، ونحن أبناء هذه البلاد ولنا حقوق بها، وزوجاتنا يقفن على الجانب الآخر من المعبر تحت غارات الموت، اتصال هاتفى قد ينهى مأساتنا ويعيد أسرنا إلينا».