أخبار عاجلة

هل تبكي الأرجنتين اليوم؟

تلعب الأرجنتين اليوم أمام ألمانيا نهائى المونديال البرازيلى.. ولست أكتب هنا تحليلاً فنياً للنهائى ونقاط القوة والضعف فى المنتخبين الكبيرين الذى سيصبح أحدهما الليلة سيداً للكرة العالمية لأربع سنوات مقبلة.. وإنما أتوقف فقط أمام الأرجنتين باعتبار مشاركتها الليلة فى النهائى بمثابة حدث شديد الخصوصية والاستثناء.. فكل من ذهب للأرجنتين ومشى فى شوارعها والتقى بأهلها وتحاور مع مسؤوليها يعرف تماما حجم الحساسية هناك من البرازيل.. حساسية فى كل شىء وصراع دائم وحقيقى بين البلدين الكبيرين اللذين يتنافسان طول الوقت على لقب الأكبر والأقوى والأنجح والأجمل لاتينياً.. البرازيل قدمت السامبا للعالم فعلمته الأرجنتين التانجو.. البرازيل قدمت للعالم تجربة اقتصادية رائعة فلحقت بها الأرجنتين.. أعطت البرازيل للمرأة حق وشرف رئاسة البلاد تماما مثل الأرجنتين.. ديلما روسيف رئيسة للبرازيل وكريستينا كيرشنر للأرجنتين..

البرازيل قدمت للكرة العالمية بيليه.. فأنجبت الأرجنتين مارداونا.. وحارب الأرجنتينيون كثيرا وطويلا من أجل إثبات أن مارادونا أكثر موهبة من بيليه وأنه الأحق بلقب اللاعب الأفضل فى التاريخ.. ثم جاءهم ميسى ليحسم الجدل ويرضى كبرياء كل أهل الأرجنتين.. وكان الأرجنتينيون دائما يشعرون بالمرارة حين يواجههم أى أحد بأنه لا مقارنة هناك بين البلدين كروياً على الأقل.. فالبرازيل هى الأقوى والأجمل والأكثر فوزا والأكثر ألقابا ويعشقها الكثيرون فى العالم كله.. واليوم يدرك الأرجنتينيون أن فرصتهم جاءتهم أخيرا بعد طول انتظار.. فهم يلعبون الليلة نهائى مونديال توقع الجميع قبل بدايته أنه برازيلى.. إلا أن البرازيل خذلت كل عشاقها وخرجت من المونديال بأكبر هزيمة فى تاريخها.. والأهم من ذلك أن الأرجنتين هى التى ستلعب النهائى وليست البرازيل.. وأحببت التوقف أمام هذه الحكاية لأن الجميع سيشاهدون نهائى الليلة باعتباره مجرد مباراة لكرة القدم على اللقب الكروى الأعظم فى العالم.. لكنها ليست كذلك بالنسبة للأرجنتين التى يدرك أهلها معنى وقيمة أن يفوزوا للمرة الثالثة بالمونديال هذه المرة على أرض برازيلية ووسط جمهور برازيلى لا يحبهم ولا يتمنى فوزهم..

فهناك مباريات لا تبقى بالنسبة للبعض مجرد لعب وكرة قدم.. إنما لعب وسياسة وتاريخ وصراع وحواديت تحفل بكل المعانى والأحلام والجروح.. وإذا كانت الأغنية القديمة الجميلة الشهيرة: لا تبك من أجلى يا أرجنتين.. قد ولدت أصلا من أجل ذكرى إيفا بيرون.. امرأة الشارع التى أصبحت زوجة للرئيس ثم رئيسة ثم قديسة.. فإنها باتت، منذ وقت طويل، أغنية عن الأرجنتين كلها.. البلد الذى بكى حين انهار اقتصاده منذ سنوات وجاع أهله.. وبكى حين اكتشف قسوة حكم الجنرالات الذين قتلوا الكثير من الأبناء الأبرياء.. وبكى حين عجز مارادونا عن الفوز بالمونديال 1990 أمام ألمانيا نفسها.. وبكى حين خسر فى المونديال الماضى بأربعة أهداف وخرج أمام ألمانيا.. وأصبح الكثيرون يتساءلون هل ستعاود الأرجنتين الليلة البكاء من جديد.. أم أنها لن تبكى مرة أخرى وإنما ستداوى كل جروحها الليلة بالانتصار ومعناه وفرحته وحلاوته.