أخبار عاجلة

داعش 1926

في 22 مارس 1926 حمل غلاف مجلة اللطائف المصورة صورة للزعيم والرئيس المحبوب -هكذا وصفته المجلة- سعد زعلول جالسا على العربة اليدوية أثناء تفقده المعرض الزراعي، لكن داخل العدد نلمح في صفحة واحدة بعنوان «الوفد الهندى والحجاز» تقريرا مصورا عن وصول وفد هندي إلى بعد زيارتهم أرض الحجاز.

حمل التقرير مقدمة موجزة هي كالتالي «الوفد الهندي الذي وصل أخيرا من الحجاز روى أمورا عن حالة تلك البلاد واستئثار ابن السعود بالعمل وتخريب آثارها المقدسة» أما بقية الصفحة فقد حملت صورا لآثار التخريب والدمار الذي لحق بآثار إسلامية بعضها لم يعد موجودا مثل «مزار علي بن أبي طالب». بعض الصور حملت تعليقات من نوعية هدم وتخريب مقام مولد النبي عليه الصلاة والسلام، هدم مزار وبيت السيدة خديجة. لا نعرف لها ذكرا أو أثرا الآن، مثلما لن نجد في المستقبل ذكرا للأضرحة والمناطق الأثرية الإسلامية والعراقية التي دمرها داعش.

في هذا العام 1926 على الضفة الأخرى من شواطئ البحر الأحمر كان عبد العزيز آل سعود يخوض سلسلة من المعارك المتواصلة بعضها ضد الطوائف والقبائل الأخرى وبعضها ضد دول خارجية وداخلية.

المشهد فوضى كاملة، العثمانيون يختفون من المنطقة، والإنجليز يبحثون عن رجل مناسب وسلطة يمكنها السيطرة على تلك المساحة الشاسعة من الأراضي الصحراوية. والأرض ساحة الصراع كانت تعرف وقتها بمملكة الحجاز. وفي 1925 غزتها قوات آل سعود في معركة راح ضحيتها سبعة آلاف قتيل. وفي سنة 1926 أصبح عبدالعزيز ملك نجد والحجاز، وتغير اسم المنطقة ليصبح اسمها مملكة . كل هذا والصحافة والدولة المصرية كالعادة مشغولة بحب رئيسها المحبوب وزعيمها الطيوب وتعتبر ما يحدث تشويها وإساءة للمزارات الإسلامية، وآل سعود يدمرون الإسلام والحضارة.

ما استوقفني عند مطالعة عدد مجلة اللطائف المصورة، كيف تتشابه الصور المنشورة سنة 1926 مع الصور المنشورة الآن في الجرائد المصرية القادمة من العراق وسوريا، والتي أصبح اسم قطع من أراضيها «دولة الخلافة»، وكيف يتشابه رد فعل الصحافة المصرية في 1926 مع موقفها الآن. فلا مراسل لدى مجلة اللطائف بل يتم الاعتماد على الوفود العابرين بمنطقة الاشتباكات مثلما تنقل معظم القنوات المصرية تغطية ما يحدث عن قنوات أخرى أجنبية ومحلية. وحتى عند تغطية ما يحدث هناك يتم التركيز على رسم صور كاريكاتيرية لمقاتلي داعش، كأنهم مجموعة من الهمج والبرابرة المخربين والمدمرين فقط. دون اعتبار لحقائق على الأرض منها أن مقاتلي الدولة حتى الآن متوفقون على جيشين من أكبر جيوش المنطقة السوري والعراقي، ويسيطرون على مساحة أراض كبيرة، ولا يبدو حقيقة أن أيا من القوى الإقليمية تشعر بضيق بالغ من وجودهم. الجميع يتحدث ويعلق أن ما حدث ويحدث في العراق سيغير خريطة الشرق الأوسط، والتغيير سنة الحياة، وأحيانا لا يمكن إيقافه بل يجب التعامل مع المعطيات التي سيفرزها. ومثلما يحلل جمال خاشقجي فداعش ربما لن يتمدد لكنه باق.

كل الدول ترتكب المذابح عند تأسيسها، وتعلمنا من خلال تجربتنا المعاصرة مع الدولة المصرية، أن بعض الدول أيضا يحتاج للمذابح حتى يستمر. وفي مسألة داعش فالتقارير المستمرة عن انتهاكات دولة الخلافة المختلفة لا تغير من واقع أن الدولة أصبح لديها مواطنون وجيش ومؤسسات وأعلنت عن نفسها كخلافة إسلامية لها خليفة معلن. صحيح أن شطحات الفانتازيا الإسلامية الخيالية لا تزال مسيطرة حول صورة الدولة وتسعى لتشكيل هويتها، لكن الأمر ذاته حدث قبل ذلك مع السعودية. صحيح أن الدولة ليست منفتحة على الطوائف الأخرى وتطرد المسيحيين وتصلبهم، وتحارب الشيعة، لكن هكذا أيضا بدأ الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود والأحكام التي كانت تصدرها وتنفذها محاكم الشريعة في الأراضي السعودية في ذلك الوقت (1926) لا تختلف جذريا عن أحكام محاكم الشريعة في الدولة الآن، بل إن تلك القوانين التي تشمل الجلد وأحكام الإعدام الموسعة مستمرة في السعودية وفي عدد من الدول الإسلامية.

داعش ودولة الخلافة التي يراها البعض في مصر كابوسا وتخلفا وارتدادا، يراها آخرون يعيشون معنا في وادى النيل الحبيب أرض الإسلام وقمة النجاح لتجربة الإسلام السياسي الذي فشل في مصر بسبب مماطلة السياسة وألعابها، ونجح هناك بسبب تمسكهم بالجهاد. والشباب الذي ينجو من الاعتقالات هنا أو أحكام الإعدام المصرية، يحلم بعضهم بالسفر إلى هناك حيث دولة المستقبل، أرض الخلافة التي لا حدود لها بل هدفها كسر وإلغاء كل الحدود، وإذا مت هناك فستكون شهيدا في الجنة.

إذا نجح الخليفة أبوبكر البغدادي في بناء علاقات دولية على الأقل مع محيطه الإقليمي فرويدا رويدا ربما بعد إتمام الاستفتاء على استقلال كردستان قد ينجح هو الآخر في الحصول على استقلاله، ويوما ما حينما تتوقف الصحافة المصرية عن نشر أخبار دولة الخلافة بصفتها فقرة من برنامج رامز قرش البحر، أو عندما تأتى التعليمات العليا من السعودية قد نكون أول المعترفين بدولة الخلافة.