أخبار عاجلة

عمر بن الخطاب.. رجل البدايات (2)

أنتهينا في المقال السابق إلا أسلوب من أساليب الفاروق وأحدى مميزاته وهى الاجتهاد، فعمربن الخطاب يعد الرائد الأول لمدرسة الاجتهاد في الاسلام، لم يكن يتوقف عند الظاهرمنه بل ينفد إلا جوهره ولايخشى في ذلك معارضة، وله من المواقف الكثير ولايمكننى حصرها في هذه المساحة المحدودة ولكننى أكتفيت بعدد منها يكمل كل منهم صورة عمر أمام المجتهدين.

1-إيقاف تنفيذ حد السرقة في عام الرمادة
>(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة: 38). هذه الآية الكريمة قطعية الدلالة على وجوب قطع يد السارق والسارقة لا يرتاب في ذلك مرتاب، وقد جاء هذا النص القرآني عاما، ولقد فهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا العموم، حتى قال: «والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع يدها» ولم يرد عن الرسول تنفيذ الحد إذا كان السارق في حال يسر، ومنعه إذا كان في عسر، فمن أين أتى عمر بن الخطاب بهذا الاجتهاد ؟

وجد عمر بأن آخذ المال في عام المجاعة لا يوصف بأنه سارق؛ لأنه يرى لنفسه حقا فيما يأخذ حتى يحافظ على نفسه من الموت، كما أن من أصول الإسلام القطعية، التكافل بين الناس وعلى المجتمع أن يغيث أفراده الفقراء ،فإذا لم يحدث، كان للمضطر حق أن يأخذ ما يسد جوعه.


>أوقف عمر الحد لأنه يؤمن أن الله الذي أنزل الحدود لاينتقم من عباده بل ينظم حياتهم ويحمى حقوقهم، ووجد أن عام المجاعة أشترك الناس جميعا في العوز وليس من العدل أن يحرم جائع مما يبقى على حياته حتى لو لم يكن ملكه ،فأعطى لنفسه حق تعليق نص بما يراه محققا للمصلحة العامة وهو الأصل في الشرع.

2- تجميع الناس على صلاة التراويح
>من المؤكد أن رسول الله كان يصلى التراويح جماعة ولكنه خشى أن تُفرض فتركها، وبقي الناس يصلونها فرادى إلى أيام عمر رضي الله عنه.
>ولقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبدالرحمن بن عبدالقاري أنه قال: «خرجت مع عمر بن الخطاب ليلةً في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرَّهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أٌبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ـ يريد آخر الليل ـ وكان الناس يقومون أوله»لم يخش عمر أن يقال عنه أنه أبتدع بدعة لم تكن في عهد رسول الله، بل فعل ذلك بوحى من سنة الرسول الكريم وسيرا على نهجه في جمع المسلمين على الخير.


>3-مسئوليته عن سلامة ورعاية غير المسلمين
>بعد فتح مدينة القدس زارها عمر ودعاه البطريرك لتفقد كنيسة القيامة، فلبى دعوته، وأدركته الصلاة وهو فيها فتلفت إلى البطريرك وقال له «أين أصلي؟»، فقال «مكانك صل»، فقال: «ما كان لعمر أن يُصلى في كنيسة القيامة فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدا». خاف عمر بن الخطاب أن ينازع المسلمون المسيحين في كنيستهم وأعطى أوامره بمنع هدم كنائسهم ،فأين هو من الذين يجدون أن أموال غير المسلمين ودور عبادتهم حل لهم!!!!.

في يوم جاء ضرير يسأل عن عمر، فلما علم أنه يهودى قال له: ما الجأك إلى؟ قال اسألك الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فأعطاه ما يكفيه، وأرسل إلى خازن بيت المال وقال له: انظر هذا فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم، انما الصدقات للفقراء والمساكين، والفقراء هم المسلمون وهذا من المساكين من أهل الكتاب ...ووضع عنه الجزية وعن أمثاله.

وأمر عمر بن الخطاب في كل الولايات الاسلامية إسقاط الجزية عن الفقراء والعجزة من أهل الكتاب وأعطاء المحتاجين منهم من بيت مال المسلمين لأعانتهم على العيش فكان يشعر أنه ليس مسؤول عن كل من يعيش على أرض يحكمها مسلم أو مسيحى أو يهودى.

4- العطاء لأبن الحلال والحرام
>كان عمر بن الخطاب سابقا لعصره في التعامل مع أطفال الزنا (اللقطاء)، عمر الذي وأد أحدى بناته قبل الإسلام خوفا من أن تسبى أو تنال من شرفه، يدافع عن حق أبناء الزنا في الحياة، ويعتبرهم ضحايا وليسوا مجرمين، فيجعل لهم من بيت المال عطاء يكفل لهم الرعاية ،مثلهم مثل الأبناء من الزواج.
>كان عمر بن الخطاب، بعد أن زاد دخل الدولة بعد الفتوحات الكبرى في عهده، قررلكل طفل عطاء يعين أبويه على رعايته وحدد لذلك سن الفطام، وذات ليلة كان سائرا في طرقات المدينة ليلا فسمع صوت بكاء طفل.. فسأل أمه عن أمره فقالت دعنى فأن عمر بن الخطاب لا يصرف إلا لمن فطم فأنا أريد أن أفطمه ،فبكى عمر وقال أيها الناس بالله عليكم من اليوم لا تتعجلوا على أولادكم في الفطام فأنى أصرف لكل مولود يولد في الاسلام. كان عمر لايجد غضاضة في مراجعة قراراته لو وجد أنها ليست في صالح الرعية.

5-الرقابة الأخلاقية :الوقاية خير من العلاج
>بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف ذات ليلة في المدينة كعادته سمع امرأة تقول :
>هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
>انظر إلى السحر يجري في نواظره وانظر إلى دعجٍ في طرفه الساجي
>وأنظر إلى شعرات فوق عارضه كأنها نمال دب في عاجي
>فأرسل إليه فإذا هو أحسن الناس شعرا وأجملهم وجها .فأمره أن يقص شعره فازداد حسنا ثم أمره أن يضع عمامة على رأسه فزادته العمامة زينة فقال: لا أرى معي بالمدينة رجلا تهتف به العواتق في خدورهن، والله لا تسكن في بلدة أنا فيها، فقال: يا أمير المؤمنين ما ذنبي؟ قال هو ما أقول لك ،ثم أرسله إلى البصرة وزوده بمال ليعمل في تجاره تشغله وتشغل النساء عنه.

هنا عمربن الخطايب يلعب دور الرقيب الأخلاقى ولكن بأسلوب راقى لعصره، فهو يقى نساء المدينة من ضعفهن ويبعد عنه مصدر الفتنة، يقدم حق الجماعة على حق الفرد وهو المفهوم الأساسى في الإسلام.

6 -احترام الرأى الآخر ولوكان المخالف إمرأة
>وقف عمر بن الخطاب يوما على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصَّدُقات فيما بينهم أربع مائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلا أعرفنَّ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم، قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيتَ النَّاس أن يزيدوا في مهر النساء على أربع مائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا }؟ قال: فقال: أصابت إمرأة وأخطأ عمر اللهمَّ غفرانك، ثم رجع فوقف على المنبر، فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مائة درهم، فمن طابت نفسه فليفعل.

كان أمير المؤمنين عمربن الخطاب في طريقه إلى تشريع يحدد فيه الحد الأقصى للمهور وذلك تيسيرا للزواج ،برغم اقتناعه بذلك فهو أقر بمراجعة القريشية له وحجتها كتاب الله، فراجع نفسه ولم يجد عيبا في الاعتراف بأنه أخطأ.

رضى الله عنك يا عمر ....أتعبت من جاء بعدك، ويكفيك فخرا يابن الخطاب ما قاله عنك رسول الله: ‏لو كان بعدي نبي لكان ‏عمر بن الخطاب.

ektebly@hotmail.com


>