أخبار عاجلة

السيسى رئيساً!

أصبح المشير عبدالفتاح السيسى رئيساً للجمهورية، ومن الآن فصاعداً سوف يكون هو صاحب المسؤولية الأولى فى البلاد فإذا ارتقت ودخلت فى صفوف الدول المتقدمة، ونالت ما تستحقه من رفعة، فسوف يكتب اسمه فى التاريخ باعتباره الرجل الذى أخذ بعيدا عن دائرة الإخفاق التى عاشتها منذ مولد دولتها الحديثة على يد محمد على. أما إذا لم يحدث ذلك فلن يكون الأمر إخفاقا آخر يضم إلى معاهدة لندن التى كسرت مؤسس الدولة، أو الاحتلال البريطانى الذى وضع نهاية ثورة الاستقلال العرابية، أو ثورة يوليو التى وضعت كابحا على التطور الديمقراطى المصرى، أو هزيمة يونيو ١٩٦٧ التى أطاحت بالآمال والأحلام العظمى لثورة يوليو، واغتيال الرئيس السادات الذى أنهى ما انبثق عن حرب أكتوبر ١٩٧٣ من بداية انطلاق للتقدم المصرى، أو عهد الثورات المستمرة التى انطلقت منذ يناير ٢٠١١ والتى أخذت البلاد وتراكمها الرأسمالى خلال العقود السابقة ووضعته فى يد حركة الإخوان المسلمين الفاشية. هذه المرة، وبعد ثورة أخرى أو موجة ثورية لاحقة، سمها ما شئت، بدأنا طريقا آخر، وصنعنا دستورا متقدما، وانتخبنا رئيسا جديدا للجمهورية، فإذا ما وصل كل ذلك إلى إخفاق آخر فربما لن يكون الثمن كما كان، بل سيكون فادحا بكل المقاييس، فالأمة منقسمة بين فترات تاريخية متعددة، وحزب «الكنبة» الذى ثار فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ترك مكانه لحزب كنبة آخر، لم يخرج للتصويت، ولايزال قابعا ينتظر ماذا سوف يكون عليه الحال فى المستقبل الذى انعقدت النية للوصول إليه فى خريطة للحركة السياسية.

أسباب التشاؤم عند هذه اللحظة التاريخية كثيرة، فليس خافيا على أحد حجم التحديات التى تواجهها الدولة أمنيا وسياسيا واقتصاديا، وبعد ثلاث سنوات من الثورة والفورة، فإن مصر كلها منهكة حتى الحافة. ولكن أسباب التفاؤل كثيرة أيضا، وربما أهمها أن الرئيس السيسى يأتى إلى مائدة السياسة فى مصر بمجموعة من الأفكار الجديدة التى لم يسبق لسياسيين مصريين الحديث عنها من قبل، وهى ذات الأفكار التى تقف وراء الدول المتقدمة. فخلال العقود الستة الماضية، ومنذ زوال الاحتلال الإنجليزى عن مصر، فإن السياسة المصرية دارت حول فكرتين: إدارة الفقر تحت شعار «العدالة الاجتماعية»، وإدارة الصراع أو التوتر مع العالم الخارجى، سواء كان هذا العالم هو إسرائيل أو الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتى أو أوروبا أو دولاً عربية وشرق أوسطية أخرى. كانت السياسة تقوم على الخوف من الزمن، والخوف من نتائج الجغرافيا والتاريخ التى قيل إنها أعطت لمصر مكانا خاصا فصارت مطمعا للقريب والبعيد. الرئيس السيسى من جانبه فى مقابلاته الصحفية والتليفزيونية، وفى برنامجه الانتخابى، طرح ثلاث أفكار رئيسية:

أولاها التركيز المستمر على ثقافة العمل الدؤوب والشاق والمجتهد، سواء كان ذلك لدوافع وطنية، أو لاستئناف مسيرة الإنتاج فى البلاد بعد سنوات من الإضرابات والمظاهرات والمطالب الفئوية، أو لإعادة آلاف المصانع التى خرجت من الخدمة إلى الدوران مرة أخرى، أو لأن ذلك هو السبيل الوحيد للتقليل والقضاء على البطالة فى المجتمع، أو لأن البيروقراطية المصرية تعمل بالحد الأدنى من طاقتها، ورغم حجمها المتضخم فإنها غير قادرة على سد الاحتياجات والخدمات الرئيسية للمواطنين. معظم الساسة المصريين استحوا من مطالبة الشعب المصرى بالعمل، وبينما قاموا بحثه على «الكفاح» و«النضال» وإنتاج «الأحلام الكبرى» فإن شيئا ما جعل الحديث عن العمل غير واجب حتى ولو كان للحاق بأمم كثيرة سبقتنا.

وثانيتها الحث على الاستثمار، فالقضية فى مصر ليست بين الغنى والفقير، بل هى بين المستثمر القادر على تنظيم عناصر الثروة والإنتاج، وطالب العمل الذى يرغب فى أن يكون جزءا من هذه المنظومة. ومن حسن الحظ أنه جرى بالفعل تطور رجال الأعمال المستثمرين خلال العقود الماضية، ورغم الحرب الشعواء عليهم من قبل اليسار المصرى فإنهم اخترقوا مجالات كثيرة للصناعات الثقيلة، والهندسية، والإلكترونية، ومجالات الخدمات فى التأمين والأعمال المالية والتعليم والصحة، وكانت النتيجة هى نمو الطبقة الوسطى المصرية واتساع سوقها. هؤلاء المستثمرون لا يقدمون رأسمالا فقط وإنما خبرة لاستخدام رؤوس الأموال المصرية التى يحولها العاملون المصريون فى الخارج، والتى سوف تأتى من الدول العربية والأجنبية. وإذا ما أضيف إلى ذلك الاقتصاد غير الرسمى فى مصر، ووضعنا فيه ما نريد استثماره فى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لتكونت فى مصر طبقة رأسمالية متعددة الشرائح، وقادرة على الانطلاق بالناتج المحلى إلى مستويات غير مسبوقة.

وثالثتها أنه حتى يكون العمل والاستثمار ممكنا بإتاحة اختيارات ضخمة وكبيرة أمام جموع المصريين فلابد من تغيير الخريطة المصرية، ربما لأول مرة فى التاريخ، بحيث تنتهى حالة الاحتباس الجغرافى التى عاش فيها المصريون حول نهر النيل لآلاف الأعوام. من هنا كانت فكرة زيادة عدد المحافظات المصرية من ٢٧ محافظة إلى ٣٣، بحيث تمتد محافظات الصعيد عرضا إلى البحر الأحمر، وتجد العاصمة المخنوقة مكانا على ساحل خليج السويس، ويمتد العمران السكانى لمدن قناة السويس إلى داخل سيناء، وتصعد محافظات الدلتا حتى ترتبط بالبحر الأبيض. ببساطة فإنها مصر التى لم يعرفها كثير من المصريين، وربما لم يفكروا فيها، وربما لو فعلوا لعرفوا أن الفقر فى مصر ليس ظاهرة طبقية، وإنما هو ظاهرة إقليمية، فالحقيقة أن ٦٦٪ من الفقراء فى مصر يوجدون فى الصعيد لأسباب بنائية لها علاقة بالمجتمع الزراعى فى المحافظات الجنوبية، فإذا ما انفتحت على البحر بعد عبور الصحراء الشرقية فإن أبوابا واسعة للتعدين والزراعة والسياحة والصناعة تغير بيئة الفقر إلى حالة الثروة.

أفكار الرئيس السيسى ليست جديدة على الفكر التنموى المصرى، بل إنه سبق ليس فقط الحديث عنها، وإنما أيضا إعداد الخطط التفصيلية لتنفيذها، ومع ذلك بقيت هذه الأفكار لا تجد من الساسة من لديه الشجاعة والقدرة على تطبيقها، ببساطة لأن أولوياتهم كانت دائما مرتبطة بالأغلبية السكانية الضاغطة فى القاهرة والدلتا، ولأن البيروقراطية كانت دوما شرهة لابتلاع كل فائض، ومتخوفة من المستثمرين لأنهم قد يكونون دوائر للنفوذ السياسى غير مرغوبة أو مستحبة. ولعل ذلك هو الاختبار الأساسى الذى سيواجهه الرئيس السيسى، والذى عنده سوف يقرر ما إذا كان سيكون قائدا مصريا مثل الذين سبقوه، أو أنه سوف يمثل لحظة فارقة فى التاريخ المصرى.

ولكن ذلك ليس هو الاختبار الوحيد، فمثل هذه الأفكار تظل حبيسة الأوراق، وذكريات الحملات الانتخابية، ما لم تجد بين المصريين من سيكون قادرا على تنفيذها. والقدرة هنا تبدأ من القيادة، بمعنى إدارة مشروعات كبرى معقدة، وتنتهى بتعبئة الموارد المالية والبشرية لإنجاز هذه المشروعات خلال فترة زمنية معقولة. والحقيقة أن لدينا فى التاريخ بعض المشروعات الناجحة مثل السد العالى، وتعمير ساحل البحر الأحمر، وجنوب سيناء، ولكن هذه تظل قشرة صغيرة، وتجارب محدودة، فى بحر واسع قوامه تسعون مليون نسمة من المصريين، ومليون كيلومتر مربع من أرض مصر.

وبصراحة فإن هذه الأفكار لا يمكن لها أن تنفذ من خلال الجهاز الإدارى المصرى مهما قيل عن ثورات إدارية وإصلاحات عميقة فى القطاع العام لأنه ببساطة لم يحدث فى التاريخ أن حدث تقدم كبير على يد مؤسسات عامة. ورغم التطور الذى حدث فى القطاع الخاص المصرى فإنه يحتاج الكثير من الدعم الذى يرفع من أمامه كل العوائق أمام الاستثمار، وفى المقدمة منها توفير الأرض التى بدونها لا يكون استثمارا، ولكنه فى النهاية لا يستطيع إنجاز هذه المهمة دون الاستعانة بالخبرة المصرية الخارجية، ومعها رأس المال المصرى فى الخارج، وكذلك العربى الذى يُطلب منه ليس منحا ومساعدات، وإنما شراكة حقيقية فى التنمية والاستثمار.

الصعوبات أمام الرئيس السيسى ليست قليلة، وعلى رأسها أن إقناع الجماعة السياسية المصرية بهذه الأفكار وطرق تنفيذها هى مهمة تحتاج جهدا يشبه تسلق جبال الهملايا، بعد أن ظلت هذه الجماعة لعقود طويلة معلبة داخل أفكار لم تنجح فى مصر، وفشلت فى كل مكان آخر فى العالم. ولكن لمثل هذا يكون انتخاب الرؤساء، خاصة بعد فترات فارقة فى حياة الشعوب لا يكون فيها مكان لإخفاق آخر.