أخبار عاجلة

هارب من الملل زاد البنزين 25 مليماً فخرجت المظاهرات!

لم أتصور عندما تعلقت بالبترول، باعتباره باب الأمل للثروة التى تضع على طريق الرخاء والتقدم، أننا بعد أن نكتشف هذه الثروة سنسىء بأنفسنا إدارتها إلى الدرجة التى يصبح فيها هذا البترول كابوسا يؤرق الحكومات التى تضطر إلى دعمه بنحو 130 مليار جنيه سنويا، تعادل تقريبا حجم المساعدات التى حصلنا عليها أخيرا من العرب!

وقد تصادف فى أكتوبر 67 أن بدأت التعامل مع محطات البنزين عندما اشتريت أول سيارة، وكانت «فولكس واجن» موديل 59 (دفعت فيها 1400 جنيه)، وكنت أدفع خمسين قرشا لملء خزان بنزينها بعشرين لترا، إلا أنه فى يناير 77 عندما فوجئ المواطنون بزيادات الأسعار التى شملت زيادة أنبوبة البوتاجاز من 80 إلى 95 قرشا، وزيادة لتر البنزين 25 مليما ليصل إلى 11 قرشا، خرجت مظاهرات 18 و19 يناير احتجاجا، مما اضطر أنور السادات إلى إلغاء الزيادات.

ورغم أن إنتاجنا من البترول فى الستينيات والسبعينيات كان محدودا فإن حسن إدارة هذا المحدود كان يحقق احتياجاتنا وتصدير كميات معقولة أمكن فى بضع سنوات احتجاز 500 مليون دولار من موارده، تم وضعها فى حساب خاص بالبنك الأهلى، بعيدا عن ميزانية الدولة. وكان المهندس المرحوم أحمد عزالدين هلال والكيميائى عبدالهادى قنديل، اللذان يديران قطاع البترول، يخشيان عدم زيادة الاحتياطى البترولى مستقبلا، فأرادا أن يتكفل قطاع البترول بالمساهمة فى توفير المبالغ التى يحتاجها مشروع إنشاء محطة نووية.

تغير الحال وأصبح لدينا عديد من الاكتشافات، وقفز عدد الشركات العاملة إلى 74 شركة بعد أن ظلت لسنوات لا تتجاوز خمس شركات، ولكن سوء إدارة هذه الإمبراطورية، خاصة بعد اكتشاف الغاز الطبيعى، جعل المسؤولين يسرعون إلى الارتباط على تصديره دون تقدير حقيقى لحجم المخزون وحجم احتياجاتنا، مما كانت نتيجته التفريط فى هذه الثروة بأرخص الأسعار، ومعاناتنا اليوم وعودتنا إلى استخدام الفحم أول طاقة أحفورية (أى يتم الحصول عليها بالحفر).

والواقع أننى لم أتصور، عندما خضت مجال البترول عن دراسة، أننى سوف أجد نفسى عاشقا له. فقد كان أملى أن أعرف عن بترول مصر، لكننى وجدت أنه لا يمكن فصل بترول مصر عن بترول العرب، كما لا يمكن فصل بترول العرب عن بترول العالم. ثم بعد ذلك أدركت أن كثيرا من القرارات والنزاعات التى يشهدها العالم فى مناطق مختلفة هى انعكاسات لنزاعات أساسها البترول، ولهذا كانت محطة البترول التى خصصت نفسى لها عشر سنوات كاملة من 67 إلى 77 من أهم المحطات التى صادفتها فى مشوار حياتى وتجديد أفكارى وقدراتى، مما أخرجنى من حالة الملل التى أصابتنى بعد هزيمة 67. فقد اكتشفت أن البترول علم لا حدود له. إنه السياسة والتاريخ والجغرافيا والقانون والاقتصاد والتكنولوجيا والمحاسبة.

ولم تكن وسائل المعرفة فى ذلك الوقت ممكنة كما هى اليوم، خاصة بعد ظهور الإنترنت ومواقع البحث، فكان علىّ أن أسجل كل معلومة أصل إليها. ولهذا كتبت آلاف البطاقات بخط اليد، وأنشأت عشرات المجلدات التى ضمت آلاف القصاصات التى جمعتها، واشتركت فى مجلات البترول العالمية. وكان من حسن حظى أن كان هناك جيل من خبراء البترول المصريين الذين يمثلون تاريخا من العلم والمعرفة تعلمت منهم الكثير. أذكر منهم على والى ومحمود أمين ومصطفى العيوطى وأحمد البرقوقى وتوفيق شوقى ورمزى الليثى، رحمهم الله، وحمدى البمبى، كما كان هناك أحمد عزالدين هلال، وزير البترول، وعبدالهادى قنديل، رئيس هيئة البترول، قبل أن يصبح وزيرا، وقد احترما رغبتى البترولية، وساعدانى كثيرا فى زيادة معلوماتى عن البترول، لدرجة اعتبارى واحدا من أبناء البترول.

وعندما اندلعت حرب أكتوبر 73 وأراد البترول العربى أن يشارك بدوره فى هذه الحرب، بتخفيض جزء من إنتاجه للضغط على أمريكا باعتبارها مرضعة إسرائيل، كنت جاهزا بما حصلت عليه من معلومات ومعرفة لمتابعة ما يجرى، مما أتاح لى حضور اجتماعات وزراء البترول العرب من الكويت إلى ليبيا إلى فيينا إلى السويد. وبعد ذلك أن أزور حقول البترول فى مختلف أنحاء العالم فى خليج المكسيك فى الولايات المتحدة، وفى بحر الشمال فى بريطانيا والنرويج، وأن أنزل إلى حفارات البترول وسط الأمواج العالية، وقبل ذلك أن أزور مختلف حقولنا وأعرف كيف تمكنت مصر من أن تخفى عن العاملين الأمريكيين فى حقل «المرجان»، أكبر حقولنا فى خليج السويس، ساعة الصفر لحرب أكتوبر، وهذه حكاية أخرى.

salahmont@ahram.org.eg