أخبار عاجلة

«ديمقراطية المحاسيب»: انتخابات وراثة «الوطني»

قبل يومين من مغادرته القصر الرئاسي، مرّر الرئيس المؤقت عدلي منصور قانون الانتخابات البرلمانية، ضمن حزمة قوانين بدا بعضها تمهيداً للقادم الجديد إلى القصر.

تجاهل منصور اعتراضات أحزاب، بعضها من حلفاء النظام، واكتفى بتعديل شكلي قلّص عدد النواب. وخرج القانون الجديد ليكشف رغبة النظام في تحويل الانتخابات البرلمانية المنتظرة إلى مجرد منافسة بين شبكات المصالح على لعب دور «حزب الرئيس» ووراثة موقع الحزب الوطني المنحل.

يكفي التدقيق في قرار القانون الجديد زيادة المقاعد المخصصة للنظام الفردي من الثلث إلى نحو ثلاثة أرباع، لإدراك انحياز السلطة إلى المرشحين المنتمين إلى القوى التقليدية وأصحاب العصبيات على حساب مرشحي أحزاب المعارضة الأقل حظاً في المنافسة الفردية.

وحتى المقاعد المخصصة لنظام القائمة التي انخفضت من الثلثين إلى نحو الربع، حوّلها القانون الجديد إلى امتداد للمنافسة الفردية، بعدما اعتمد نظام القائمة المطلقة المغلقة. ويقضي هذا النظام بفوز أي قائمة تحصل على 50%+1 من الأصوات بكل مقاعد الدائرة، ما قد يهدر أصوات أكثر من 49% من الناخبين لن يُمثلوا في البرلمان.

أضف إلى هذا أن القانون الجديد قسم إلى 4 دوائر فقط لمقاعد القائمة، ما يعني أن مرشحي أي قائمة يحتاجون دعاية تغطي نحو 6 محافظات على الأقل وتصل إلى أكثر من 13 مليون ناخب، وهي تكلفة هائلة تفتح الباب واسعاً لتلاعب المال السياسي بالبرلمان المنتظر.

لم يترك تصميم النظام الانتخابي الجديد مجالاً للشك في عودة عصر «تفصيل القوانين». لكن «التفصيل» هذه المرة ليس لخدمة حزب بعينه، كما جرت العادة في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها مصر منذ عودة التعددية الشكلية في النصف الثاني من السبعينيات، بل للوصول إلى برلمان خالٍ من أي معارضة، مهما كانت صغيرة، قد تعرقل خطط الرئيس الجديد أو تتصدى للإجراءات التقشفية التي بشر بها مشروع الموازنة.

وهنا لا يستقيم الادعاء بأن تصميم النظام الانتخابي مسألة «فنية»، خصوصاً أن النظام له تاريخ من التلاعب بقوانين الانتخابات لإفراغ المنافسة من مضمونها والتحكم في النتائج من المنبع من دون الاضطرار إلى التزوير.

حدث هذا التلاعب بالقوانين منذ الانتخابات الأولى في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وصولاً إلى تفصيل شروط الترشح للرئاسة في المادة 76 من الدستور سيئة السمعة في نهاية عهده. ثم في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، حين حاول «الإخوان» إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بما يضمن استمرار أغلبيتهم النيابية. ويتكرر اليوم مع القانون الجديد.

في ظل هذا التضييق، تبدو المنافسة في الانتخابات المقبلة محصورة بين شبكات المصالح القادرة على تمويل الحملات الكبيرة المطلوبة لضمان غالبية برلمانية، تقدمها للرئيس الجديد ورقة اعتماد لإثبات جدارتها بلعب دور دعامة نظامه وتشكيل حكومته.

وتنبئ الخريطة الانتخابية الآخذة في التشكل بأن تحالفين كبيرين سيخوضان هذه المنافسة في مواجهة أحدهما الآخر، كلاهما تحت عنوان دعم الرئيس الجديد عبدالفتاح .

يقود التحالف الأول عمرو موسى الذي تولى الإشراف على حملة السيسي ورئيس المخابرات السابق مراد موافي ووزير الداخلية السابق أحمد جمال الدين. ويواجهه تحالف على رأسه المرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق المستند إلى شبكات الحزب الوطني المنحل التي انخرطت غالبيتها في حملته في انتخابات 2012.

هذه المنافسة المتوقعة على تمثيل السيسي تبدو استئنافاً لظاهرة المرشحين «المستقلين على مبادئ الوطني». والتنافس باستخدام اسم الرجل يقطع الشك في ولاء البرلمان المقبل.

ويبدو النظام الذي قدمت سياساته الاقتصادية لعقود نموذجاً لـ«رأسمالية المحاسيب» التي لا تخدم سوى قلة من أبنائه وحلفائه المحظوظين، مرشحاً لتقديم نموذج انتخابي جديد عنوانه «ديمقراطية المحاسيب».

تويتر: @mohamedhani